هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010 – 2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

شهدت لبنان أزمات متتالية بلا انقطاع في العقدين الماضيين، من أبرزها اغتيال رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، وصعود ابنه سعد على الساحة السياسية اللبنانية ليتولى في نهاية 2009 رئاسة الوزراء، وبعدها أطلق أولى حملاته في واشنطن.

وبالنظر في ملفات لبنان وجماعات الضغط في واشنطن تظهر انعكاسات الواقع السياسي اللبناني وانقساماته على أنشطة اللبنانيين هناك، مثل الحريري وجبران باسيل، وزير الخارجية السابق، وجهات أخرى. وفي هذا التقرير نستعرض جهود آل الحريري في أمريكا للضغط السياسي، والتنسيق الاقتصادي والأمني مع الحكومة الأمريكية.

أزمات لبنانية متتالية

كانت الأعوام الخمسة اللاحقة على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت عام 2005 ثقيلة على أسرته وحبلى بالأحداث على المستوى اللبناني، فقد تسارعت التطورات عقب الاغتيال بانسحاب سوريا من لبنان بعد قرابة الشهرين من الحادث، منهيةً 29 عامًا من تواجدها الطويل في لبنان.

وما أن انتصف عام 2006 الذي شهد إنشاء المحكمة الدولية للتحقيق في اغتيال الحريري، حتى اندلعت حرب تموز بين حزب الله اللبناني وإسرائيل، وزاد من ثقل تلك السنة على اللبنانيين موجة واسعة من الاغتيالات التي اقتنصت شخصيات مثل: الصحافي سمير قصير، والقيادي الشيوعي جورج حاوي، وجبران غسان تويني، وبيار أمين الجميل، وجميعهم مناهضون للوجود السوري في لبنان. ونجا آخرون من محاولات الاغتيال، ومنهم المحقق في قضية اغتيال الحريري سمير شحادة.

Embed from Getty Images

أنصار الحريري يرفعون لافتةً تُظهر رفيق الحريري، رئيس الوزراء المُغتال، وابنه سعد، الصورة من يونيو (حزيران) 2005، في طرابلس، لبنان.

ولم يكن عام 2007 ليمهل لبنان واللبنانيين كثيرًا، خصوصًا بعد أن أصدرت المحكمة الخاصة بلبنان لمحاكمة المسؤولين مذكرات توقيف بحق عناصر من حزب الله الذي رفض تسليمهم ونفى أية علاقة له بالاغتيال. وزاد من توتر البلاد، التي كانت – ولم تزل – تعاني من آثار العدوان الإسرائيلي عليها، قرارا مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله في ذلك العام.

وفي خضم تلك الأحداث لم يكن أبناء الراحل رفيق الحريري بمنأى عن دقائقها وتفاصيلها. ففي 2009 تمكّن سعد الحريري الذي تسلّم عام 2005 دفة قيادة تيار المستقبل الذي أسسه والده عام 1995 بوصفه جمعية سياسية، من تحويل التيار لتنظيم سياسي رسمي ويتمكن من الفوز بـ35 مقعدًا نيابيًا من أصل 2009، أي ما يفوق ربع مقاعد المجلس النيابي.

كما نجح سعد الحريري بتشكيل حكومة بعد مفاوضات شاقة مع حزب الله لم تدم طويلًا؛ إذ بدأت تنهار في 2010 بعد انسحاب وزراء الحزب وموالين له من الحكومة نتيجة لعجز الأطراف المختلفة عن تخطي الأزمة الناتجة عن عمل المحكمة الدولية المتعلقة باغتيال الحريري. إذ خرجت آنذاك تسريبات أولية تفيد بإدانة أعضاء من حزب الله تورطوا في العملية.

آل الحريري يقصدون واشنطن

في ظل التحديات السياسية التي واجهها الحريري الابن داخليًا في لبنان، وفي يوليو (تموز) 2010 بعيدًا على الجانب الآخر من العالم، في الولايات المتحدة الأمريكية، سجّل أول عقد بين مجموعة «ميلينيوم للخدمات» المملوكة لآل الحريري وشركة أمريكية للضغط السياسي باسم «دواني موريس للشؤون الحكومية – Duane Morris Government Affairs»، استمرت العلاقة لعام واحد كما عمر الحكومة الأولى التي تولاها سعد الحريري، وتواصلت خلال الشركة خلال العام مع جهات حكومية أمريكية لصالح سعد.

وينص العقد المسجّل على تقديم مزيج من الخدمات الخاصة لتمثيله أمام الكونجرس والحكومة الأمريكية، إلى جانب العمل على «شرح دوره في السلام والاستقرار في لبنان والشرق الأوسط لصانعي السياسة الأمريكية».

وينص العقد على أهداف أخرى تتعلق بلبنان، مثل «تعزيز الوعي الأمريكي بأهمية لبنان للولايات المتحدة وأهمية جيشها في استقرار البلاد، والعمل على خلق مجموعة عمل سياسي لبنانية – أمريكية».

تشي بنود الاتفاق والنشاطات المسجلة في وزارة العدل الأمريكي التي قامت بها الشركة لصالح سعد الحريري بخطوط الرجل السياسية الخارجية والدبلوماسية إبّان رئاسته لمجلس الوزراء اللبناني. فخلال عام تقاضت الشركة 160 ألف و381 دولارًا، بواقع 25 ألف دولار شهريًا مقابل تنسيق لقاءات بين فبراير (شباط) 2010 وفبراير 2011، كان لافتًا تركيزها على شخصيات عدّة من مكتب لبنان في وزارة الخارجية الأمريكية، أو مكتب لبنان بمجلس الأمن القومي الأمريكي التابع للبيت الأبيض.

Embed from Getty Images

باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق (يمين) وسعد الحريري، رئيس الوزراء اللبناني آنذاك (يسار)، في زيارته للبيت الأبيض في 12 يناير (كانون الثاني) 2011.

فمثلًا عقدت الشركة لقاءات مع دان شابيرو، مدير قسم الشرق الأوسط آنذاك في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وتسلم في أغسطس 2011 منصب السفير الأمريكي لدى إسرائيل حتى عام 2017، ويعمل باحثًا في مركز الدراسات الأمنية الإسرائيلية في تل أبيب، واجتمعت الشركة مع دينس روس وهاجر حجّار من مكتب لبنان بالمجلس.

وتواصلت مع كل من نيكول شامبين وسوزان ريجز، من مكتب لبنان بوزارة الخارجية الأمريكية، بالإضافة للقاءات مع أعضاء من الكونجرس الأمريكي وذوي أصول لبنانية مثل داريل عيسى وتشارلز بستاني، على الأغلب لغايات خلق مجموعة العمل السياسي اللبنانية الأمريكية.

توجت الشركة نشاطاتها بتمكنها من تنسيق زيارة سعد الحريري للقاء الرئيس الأمريكي آنذاك باراك أوباما في مايو (أيار) 2010، وجاءت الزيارة خلال رئاسة لبنان لمجلس الأمن الدولي وقتها، وجاءت عقب اتهامات إسرائيلية لإيران بتزويد حزب الله بصواريخ سكود.

ولاحقًا في يوليو تمكنت الشركة من اللقاء بمجموعة من موظفي مكاتب الشيوخ الأقوياء في الكونجرس الأمريكي مثل السيناتور الديمقراطي جون كيري، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. والسيناتور الجمهوري جون ماكين وزعيم الأقلية في لجنة الخدمات المسلحة.

لم تكن هذه الجهود ممكنةً لولا اسم تعاقدت معه الشركة خصيصًا لمساعدتها على تحقيق وتنفيذ أجندة رئيس الوزراء اللبناني، وهو أمل مدللي، التي عملت خلال هذا العام مستشارة سياسات لسعد الحريري ورئيس الوزراء الأسبق فؤاد السنيورة، المحسوب على تيار «14 أذار» وحليف الحريري، ورافقتهما في لقاءات مع مسؤولين بوزارة الخزانة الأمريكية وآخرين من وزارة الخارجية في البيت الأبيض.

أمل مدللي.. حارسة مصالح الحريري في أمريكا

سيدة لبنانية في العقد الخامس من عمرها عام 2010 تولّت ملف آل الحريري لحساب شركة دواني موريس. حصلت على جنسيتها الأمريكية عام 2009 بعد سنوات طويلة قضتها في الدراسة والعمل في الولايات المتحدة، وتعود معرفة أمل مدللي بآل الحريري إلى وقت طويل، منذ بدأت مسيرتها المهنية مع الحريري الأب في العام 1998 حتى عام 2000 باعتبارها ناطقة رسمية باسمه للصحافة الأجنبية ورئيسة مكتبه الصحافي الدولي، ومن ثم مستشارة له في السياسة الخارجية حتى اغتياله في 2005.

وعندما احتاج سعد الحريري لمن يرعى مصالحه، ويسهر على علاقاته بأمريكا لم تجد الشركة أفضل من أمل مدللي للعمل على تنفيذ بنود الاتفاق، ويبدو أن التجربة مع شركة دواني موريس لحساب سعد الحريري قد دفعت أمل، وهي مراسلة صحافية سابقة لعدد من وسائل الإعلام الهامة، لتؤسس شركة ضغط سياسي وخدمات استشارية في واشنطن للعمل لحسابها وحساب آل الحريري مباشرة دون وسيط.

فالوثائق تشير لتسجيل شركة «مجموعة بريدجز الدولية- Bridges International Group»، في مطلع 2011، والتي تملكها وتديرها أمل. وعلى مدار سبعة أعوام لاحقة ستتكفّل أمل وشركتها برعاية مصالح عائلة الحريري السياسية والاقتصادية على الساحة الأمريكية بنعومة دبلوماسية تسلّحها علاقات فولاذية بنتها أمل مع الوقت وتمكنت من تطويعها لخدمة العائلة.

Embed from Getty Images

أمل مدللي، لبنانية قدمت خدمات ضغط سياسي لأكثر من سبع سنوات لعائلة الحريري في أمريكا.

جاء العقد الموقع بين الشركة التي تديرها أمل ومجموعة ميلينيوم المملوكة لآل الحريري بأهداف محددة ستعمل عليها في الأعوام اللاحقة؛ اقتصادية بالدرجة الأولى من خلال «تحديد الشركاء الإستراتيجيين لمجموعة ميلينيوم للخدمات في الولايات المتحدة وإيجاد فرص الاستثمار والأعمال»، وتتسع المهام المطالبة بها لتشمل الضغط السياسي والتمثيل أمام الكونجرس وجهات حكومية وإعلامية أمريكية.

وتشير الوثائق الأولى للشركة لكثافة في العمل الدبلوماسي والسياسي حتى ديسمبر (كانون الأول) 2012 لصالح أعضاء تيار المستقبل المحسوب على آل الحريري وحلفائهم؛ إذ يبرز اسم محمد شطح، السفير اللبناني السابق في واشنطن ومستشار تيار المستقبل للشؤون السياسية. فقد عملت الشركة على تنسيق لقاءات مكثفة له على فترتين زمنيتين مختلفتين مع مديري مكتب لبنان ومكتب إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي، ومع مسؤولين ومستشارين عدّة في وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط، وأكثر من لقاء مع أعضاء من مجلس الشيوخ في لجنة الشؤون الخارجية التي كان يرأسها آنذاك السيناتور جون كيري.

ويبرز على فترتين مختلفتين كذلك اسم رئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، الذي نسقت له الشركة لقاءات مع أكثر من مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، ومع آخرين في جهات أمنية كنائب مستشار الأمن القومي دينيس ماكدونو، ومع وكيل شؤون الإرهاب والاستخبارات المالية في وزارة الخزانة الأمريكية ديفيد كوهين، ومع كولن كال مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن. ويرد ذكر تنسيق لقاء لباسم الشاب، النائب في البرلمان اللبناني، مع لاري سيلفرمان نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط بخصوص قضايا لبنانية وشرق أوسطية.

من وثائق أمل مدللي في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية، ويظهر توقيع وليد سبع أعين، رئيس الشركة الممثلة لآل الحريري في التعاقد، المصدر: (1).

حتى منتصف عام 2015 قدمت الشركة خدماتها لنادر الحريري، العقل الاقتصادي الهام في العائلة، وشملت: لقاءات مع عدد كبير من موظفي ومسؤولي وزارة الخارجية في أقسام ومكاتب مختلفة، من ضمنها عدة لقاءات مع نائب مساعد وزير الخارجية لدبلوماسية الطاقة عاموس هوشستين، وأعضاء آخرين من لجنة الطاقة والتجارة في مجلس الشيوخ التي كان مايك بومبيو (وزير الخارجية الأمريكي السابق) عضوًا فيها، وفي لجنة الاستخبارات آنذاك. ونسّقت الشركة لقاءات أخرى مع أعضاء لجان الشؤون والعلاقات الخارجية بالكونجرس.

في ذات الوقت كان لافتًا حضور البعد الأمني والعسكري في لقاءات سعد الحريري إلى جانب لقائه بمسؤولين في مناصب مختلفة بوزارة الخارجية، إذ التقى بأعضاء من لجان شؤون المحاربين القدامى، والأمن الداخلي، والخدمات المسلحة والاستخبارات، والتقى مع سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي للرئيس أوباما، ونائب وزير الدفاع كريستين ورموت، ورئيس لجنة الخدمات المسلحة السيناتور البارز جون ماكين، إلى جانب السيناتور توم كوتون وأنجوس كينج من لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ.

وجاءت نشاطات الأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري التي صرّحت بها الشركة حتى أبريل (نيسان) 2016، أكثر شمولًا من تحركات سابقيه إذ تنوعت لقاءاته بين السياسي والاقتصادي والأمني.

سبعة أعوام من الضغط

شهدت الفترة بين منتصف 2012 وحتى نهاية 2014 حجم إنفاق أعلى من معدلاته المعتادة على خدمات الضغط السياسي، نتيجة التقلبات السياسية التي واكبت من جهة انتفاضات وثورات الربيع العربي، وانخراط حزب الله وإيران في الصراع السوري.

خصوصًا منذ العام 2013، العام الذي أعلن فيه حزب الله رسميًا تواجد مقاتليه إلى جانب النظام السوري ضد المعارضة هناك، حتى العام 2018 الذي انتهى فيه عقد الشركة مع مجموعة ميلينيوم للخدمات، تشهد سجلات الشركة تسجيل نشاطات مكثفة لآل الحريري؛ سعد وابني عمته نادر الحريري، مستشار ومدير مكتب رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري سابقًا. وأحمد الحريري، الأمين العام لتيار المستقبل في ذلك الوقت.

هكذا مرّت سبعة أعوام من المصالح اللبنانية والحريرية في الولايات المتحدة برعاية أمل مدللي، التي تظهر أنشطة الشركة قوّتها في عالم الضغط السياسي والشؤون الحكومية. وتكشف عن مدى تشابك علاقاتها من خلال نجاحها في تنسيق وترتيب تلك اللقاءات مع شخصيات بارزة في وقت فيه العديد من شركات الضغط القوية التي تتنافس على حجز مواعيد مع الفاعلين السياسيين الأهم في واشنطن لصالح زبائنهم رغم ازدحام جداولهم.

وتكشف وثائق شركتها أنها تقاضت 726 ألف و650 دولارًا خلال تلك السنوات، ولتنتهي مع ذلك مسيرة أمل مع الضغط السياسي – ولو مؤقتًا – بدخولها السلك الدبلوماسي، وانتقالها إلى العمل سفيرة ومندوبة دائمة للبنان في الأمم المتحدة منذ ديسمبر 2018، ومع خروج أمل من المجال لم تبدأ عائلة الحريري عقودًا جديدة مع شركات ضغط سياسي أخرى في الولايات المتحدة.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد