بالرغم من سميتها لطالما كانت الثعابين رمزًا للحب، والمرض، والحكمة، والخلود، والموت وحتى الطب والصحة والصيدلة، فنجد أن «آسكليبيوس»، وهو إله الطب في الميثولوجيا الإغريقية، كان يمتلك عصا ملتف حولها ثعبان، وهي رمز الطب حاليًا. كذلك ابنته «هيجيا»، إلهة النظافة والتعافي، كانت تحمل إناءً يلتف حوله ثعبان يشرب منه، واتخذت الصيدلة الحديثة هذا المشهد رمزًا لها.

ليس هذا فحسب، فهناك نسختان من رمز الطب، ويحتوي فيها الرمز الآخر على ثعبانين بدلًا من واحد، وهو عصا هيرمز أو عصا الإله «ميركوريوس» راعي المسافرين ورسول الآلهة، ولكن، نسخة آسكليبيوس ذات الثعبان الواحد هي التي اعتمدتها منظمة الصحة العالمية رمزًا للطب، وقد اعتبر الإغريق الثعابين مقدسة واستخدموها في طقوس الشفاء لتكريم آسكليبيوس، إذ كان يُعتقد أن سموم الثعبانين يكمن فيه علاج وكان يُنظر إلى تغير الجلد كرمز للولادة والتجديد.

فنون

منذ سنتين
لا غنى عنه في الحياة! الرموز السرية للثعبان في الحضارات والأديان القديمة

ويبدو أن الأساطير تحولت إلى حقيقة، فوفقًا لمقال نُشر في دورية «توكسينز toxins» العلمية في عام 2018، فإن سموم الثعابين تحتوي على الببتيدات المختلفة، والبروتينات، والإنزيمات، والكربوهيدرات، وغيرها من الجزيئات النشطة بيولوجيًا، والتي يفرزها الثعبان في الافتراس أو الدفاع ضد التهديدات.

ويؤدي فهم سم الثعابين إلى تحويل السموم إلى مصادر قيمة لمركبات واعدة في اكتشاف الأدوية، فقد ظهرت التقارير الأولى عن سموم الثعابين المستخدمة في علاج السرطان في ثلاثينيات القرن العشرين، وهناك أمل بأن تساهم التحقيقات الهيكلية والوظيفية الشاملة لسم الثعابين في تطوير أدوية جديدة مضادة للسرطان، ولا يتوقف الأمر على الثعابين فقط، فهناك العديد من المخلوقات القاتلة التي تساعد سمومها في صنع الأدوية لتساهم بذلك في إنقاذ الأرواح بدلًا عن إزهاقها، ونستعرض بعضها في السطور القادمة.

1- سم العقارب لعلاج سرطان الدماغ

صمم فريق من الباحثين في مركز الأبحاث السريرية لعلاج السرطان «City of Hope» في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، مستقبلات مستضدات كيميائية جديدة «CAR» تعتمد على الكلوروتوكسين «CLTTX»، وهو مركب موجود في سم العقرب، وقد أفاد الفريق في دراسة نُشرت في مارس (أذار) 2020 في مجلة «Science Translational Medicine» أن الخلايا التائية المسلحة بتلك المستضدات الجديدة، قد قتلت بنجاح أورامًا أرومية دِبقية في الفئران دون إثارة أي ردود فعل سلبية.

عقرب سام

عقرب سام

والخلايا التائية، هي مجموعة من الخلايا الليمفاوية الموجودة في الدم، وتشكل مع الخلايا البائية ما يعرف بالمناعة المكتسبة، أما الورم الأرومي الدبقي، فهو أكثر أنواع أورام الدماغ شيوعًا، ومن أكثر أنواعها فتكًا، وفقًا لجمعية السرطان الأمريكية، كما حقق باحثان مكسيكي وأمريكي في سم أحد العقارب المكسيكية، واكتشفا وجود مركبين قلويين في سم العقرب لهما خصائص مضادة للميكروبات، وهو ما قد يساهم في تركيب عقاقير جديدة فعالة ضد السلالات البكتيرية المقاومة للأدوية.

2- سم عنكبوت الرتيلاء المخملية الخضراء مسكن للآلام

تمكن فريق من الباحثين في جامعة كوينزلاند الأسترالية في عام 2016، من العثور على سم الببتيد داخل سم عنكبوت الرتيلاء المخملية الخضراء، والذي يتميز بفاعليته المرتفعة واستهدافه لمستقبلات الألم الموجودة في الدماغ وتثبيطها؛ مما يجعله مرشحًا قويًا كمسكن للآلام في المستقبل.

عنكبوت الرتيلاء

عنكبوت الرتيلاء

كذلك، اكتشف فريق من العلماء من جامعة كوينزلاند في عام 2020، أن سم عنكبوت الطائر الصيني، أحد أنواع الرتيلاء العدوانية وينتشر في الصين وفيتنام، يمكن أن يخفف من الألم الشديد دون آثار جانبية أو التعرض لخطر الإدمان، فقد توصل العلماء إلى أن بروتينًا صغيرًا في سم هذا النوع من الرتيلاء، يُعرف باسم «Huwentoxin-IV»، يمكنه الارتباط بمستقبلات الألم في الجسم. يمكن لهذه الجزيئات المشتقة من سم الرتيلاء أن تساعد على تطوير مسكنات الألم القوية، دون الآثار الجانبية غير المرغوب فيها المصاحبة لتناول المسكّنات الأفيونية.

3- دواء السكري من سحلية السامة

اكتشف باحثون في جامعة ولاية كارولينا الشمالية في تشابل هيل، دواء لمرض السكري مصدره سم سحلية وحش جيلا السامة العملاقة، ووجد الباحثون أن الهرمون الموجود في سم وحش جيلا يحفز إنتاج الأنسولين في الجسم.

سحلية وحش جيلا العملاقة

سحلية وحش جيلا العملاقة

يعمل الهرمون «exendin-4» على غرار هرمون «GLP-1» الموجود في الجهاز الهضمي البشري الذي يزيد من إنتاج الأنسولين عندما تكون مستويات السكر في الدم مرتفعة؛ مما يساعد على نقل السكر من الدم إلى أنسجة الجسم الأخرى، وبالتالي يحافظ على مستويات السكر في الدم. لكن «exendin-4» يتحلل في الجسم بشكل أبطأ بكثير من «GLP-1»، فيعمل على إبطاء إفراغ المعدة ويسبب انخفاضًا في الشهية، مما يسبب فقدان الوزن.

اعتمدت إدارة الأغذية والأدوية الامريكية «FDA» نسخة اصطناعية من «exendin-4»، تسمى «exenatide» للاستخدام الطبي في عام 2005، ويساعد الدواء على استقرار مستويات الجلوكوز في الدم، كما يؤدي إلى فقدان تدريجي للوزن لدى المصابين بمرض السكري من النوع الثاني.

4- سموم شقائق النعمان لعلاج اضطرابات المناعة الذاتية

في منتصف التسعينات، اكتشف فريق من الباحثين سم «ShK» «ستكوداكتييلا Stichodactyla»، وهو ببتيد أساسي يوجد في شقائق النعمان من نوع «Stichodactyla helianthu» الموجودة في البحر الكاريبي. يستهدف الببتيد قنوات البوتاسيوم «KV1.3» التي تنظمها الخلايا الليمفاوية التائية ذاتية التفاعل، والتي تتسبب في العديد من أمراض المناعة الذاتية دون استهداف جميع الخلايا الليمفاوية التائية في الجسم.

شقائق النعمان

شقائق النعمان

في عام 2001، ساعدت الأبحاث في جامعة كاليفورنيا على انتقاء نظير سم «ShK-186» ووُجد أن له قوة ارتباط مرتفعة جدًا مع قنوات البوتاسيوم «KV1.3». يطلق على هذا النظير اسم «دالازاتيد»، ويستخدم في علاج اضطرابات المناعة الذاتية المتعددة، بما في ذلك الصدفية، فقد أشارت نتائج إحدى الدراسات السريرية في عام 2017، إلى أن دالازاتيد يمكن تحمله بشكل عام ويمكن أن يحسن الآفات الجلدية الصدفية عن طريق تعديل سطح الخلية التائية ومنع وسطاء الالتهاب في الدم.

5- سموم الضفادع لعلاج السرطان وإصلاح الأوعية الدموية

اكتشف علماء من جامعة كوينز وجود ببتيد في جلد ضفدع القرد الشمعي يمكن استخدامها لعلاج مرضى السرطان والسكتات الدماغية من خلال تنظيم تكوين الأوعية الدموية داخل الجسم. يمكن للببتيد المستخلص من جلد الضفدع أن يقتل الأورام السرطانية من خلال إيقاف تكوين الاوعية الدموية التي يحتاجها الورم للتزود بالأكسجين والمغذيات الحيوية، فإيقاف الأوعية الدموية عن النمو سيقلل من احتمالية انتشار الورم وقد يقتلها في النهاية.

ضفدع القرد الشمعي

ضفدع القرد الشمعي

كذلك فقد تمكن الباحثون من العثور على ببتيد من ضفدع العلجوم ناري البطن، يمكنه تحفيز نمو الأوعية الدموية، ما يمنحه القدرة على معالجة مجموعة من الأمراض والحالات التي تتطلب إصلاح الأوعية الدموية بسرعة، مثل التئام الجروح، وزرع الأعضاء، وتقرحات السكري، والأضرار الناجمة عن السكتات الدماغية، أو أمراض القلب.

وهناك نوع آخر من الضفادع قد يكون مؤثرًا في علاج اضطرابات نظم القلب مستقبلًا؛ إذ يحتوي جلد الضفدع المرقط السام على مادة «بتراكوتوكسين»، ويمكن أن تكون الكميات الصغيرة منه مميتة إذا تحولت إلى مجرى دم الضحية، وقد اتضح للعلماء أن هذه المادة واعدة لاكتشاف كيفية توصيل الأعصاب للإشارات الكهربائية.

يمكن لتلك المادة شديدة السمية أن تفتح قنوات الصوديوم الموجودة في القلب والجهاز العصبي المركزي، وتمنع إغلاقها، مما قد يؤدي إلى السكتة القلبية، وقد تمكن الكيميائيون في جامعة ستانفورد من تحضير سم البتراكوتوكسين معمليًا مع إعداد نسخة صورة مرآة للسم، اتضح بالاختبارات أن لها تأثيرًا معاكسًا تمامًا، حيث تغلق قنوات الصوديوم، وقد يساعد هذا الاكتشاف في تطوير الأدوية المثبطة لقناة الصوديوم لاستخدامها في علاج اضطراب نظم القلب، والصرع، والألم المزمن.

المصادر

تحميل المزيد