«لا أصدق أننا فعلناها»؛ هل قصدت بيونسيه بتلك الجملة قدرتها على تصوير أغنية «APES**T» بمتحف اللوفر، أم عن إنقاذ علاقتها بزوجها جي زي، والذي يشاركها الغناء في الفيديو المصور للأغنية؟

العودة القوية للمطربة السمراء مع زوجها  بعد تسليط الضوء عليهما لفترة طويلة لمتابعة تطورات إقامة جي لعلاقة غرامية خارج إطار زواجهما؛ كانت عودة يصعب تجاهلها بعد أن وصل عدد مشاهدات الأغنية على موقع «يوتيوب» لما يقرب من 30 مليون مشاهدة خلال أربعة أيام، ومن حينها توالت الآراء عن الرسائل الخفية التي حاول الثنائي الأسمر تمريرها في تلك الأغنية المصورة، بخلاف التلويح بالثراء الذي فتح لهم ولفريق عمل الأغنية أبواب اللوفر.

بيونسيه وجي زي: «نحن السود سنحتل مساحة الفن البيضاء»

اللقطة الأولى في الأغنية المصورة تجسد بيونسيه وجي زي أمام لوحة «الموناليزا» للفنان ليوناردو دافنشي وهم يرتدون ملابس من الـ«باستيل» وهي أحد العناصر المكونة للوحة، الأمر الذي وجدته المؤرخة الفنية الأمريكية ألكسندرا توماس رسالة خفية باحتلالهم – وهم ممثلون للسود – للمساحة الفنية البيضاء في واحد من أهم المتاحف في العالم.

على الجانب الآخر ارتأت الناقدة سابرينا بار أن للحلي باهظ الثمن الذي ارتداه الاثنان في تلك اللقطة، مع الملابس النابضة بالحياة، واختيار الألوان بين الوردي الفاتح الذي ارتدته بيونسيه، والذي يرمز للأنوثة، والأزرق الذي يرتديه جي زي، مع وقفتهما المتساوية؛ كانت رسالة خفية عن شراكتهما التي لا يعلو فيها فرد على الآخر، وأن هذا لا يمنع تمسك كل منهما بهويته.

وفي اللقطة الأخيرة من الأغنية المصورة، ينظر الزوجان إلى اللوحة وكأنهم يرشدون المشاهدين داخل المتحف لرؤيتها، الأمر الذي وجدته كمبرلي درو، أمينة متحف المتروبوليتان، رسالة منهما عن كونهما ليسا صُناعًا للفن الراقي الذي يستحق أن ينفذ في متحف اللوفر فقط، بل هما أيضًا مروجان لهذا الفن، ويقدمانه للعالم من خلال أعينهما، وكأنهما يقولان حرفيًا في تلك الرسالة كما صرحت كمبرلي: «نحن المسئولون هُنا».

هل الأسود يليق بالـ«لوفر»؟

حصول المرء على صورة تذكارية بكاميرا هاتفه أمام متحف اللوفر شيء، وصناعة أغنية مصورة مدتها ست دقائق في أرجاء المتحف كاملًا شيء آخر، وتلك ليست رسالة خفية وراء أغنية بيونسيه المصورة، بل هي رسالة واضحة عن تجديد زيارتها هي وزوجها لمتحف اللوفر بعد زيارتهما عام 2014، والتي أعقبتها مطاردة الإعلام الأمريكي لهما بعد أن اعترف جي بخيانتها مع امرأة أخرى، ولكن لم ينتج الزوجان مشروعًا غنائيًا كلفهما ملايين الدولارات لتمرير تلك الرسالة الشخصية فقط.

ما قدمته بيونسيه في تلك الأغنية المصورة هو رسالة واضحة بأن الفن الأسود له قيمة، وقد جاءوا بهذا الفن للوفر بغرض إنهاء الاستعمار الأبيض للفن *تصريح للناقد الفني دانيال داش بالـ«إندبندت»

هل كانت أفريقيا غنية وديمقراطية قبل مجيء الاستعمار؟

منذ بداية الأغنية المصورة؛ أوضحت بيونسيه وزوجها أنهما يملكان متحف اللوفر في تلك اللحظة؛ حينما وقفا أمام لوحة الموناليزا بقاعتها الكبيرة واستعرضت الكاميرا القاعة فارغة، إلا منهما واللوحة، حيث وقفا نفس وقفتها الثابتة الشهيرة، وأشار الناقد الأمريكي دانيال داش في مقال له بالـ«اندبندت»: إنهما طالما امتلكا المتحف، فمن حقهما الآن دعوة السود إلى الداخل، وتكسير المفهوم السائد عن سطحية فنون السود التي لا ترتقي للفنون التي أنتجها الرجل الأبيض، وجمعها في متحف له قيمة مثل اللوفر، والأجساد السوداء المتراصة على درجات السُلم الأبيض بالمتحف هي دليل بصري آخر عن غزو الأسود للأبيض الذي استعمر اللوفر لفترة طويلة من وجهة نظر بيونسيه وجي زيه.

بجانب توّسطها لمجموعة من النساء السود، وهي ممسكة بأيديهن، وهن يتمايلن مع حركة يديها في انسيابية وكأنها تقود مسيرتهن داخل المتحف ليدخلنه رافعات الرأس؛ فقد  كسرت بيونسيه قيود العبودية التي طالما ارتبطت بالمرأة السوداء حينما سُلط الضوء في الأغنية على لوحة «d’une négresse» التي تجسد «بورتريه» لامرأة سوداء، والتي رسمتها الفنانة
الفرنسية ماري جيلمين بينوي عام 1800 بعد انتهاء عبودية السود في فرنسا؛ لتتحول تلك اللوحة حينذاك إلى رمز
من رموز حرية المرأة السوداء في العالم، وجلست بيونسيه في نفس وضعية المرأة باللوحة، ولكن وهي ترتدي ملابس فاخرة وحليًا نفيسة، وهو ما يشير في الفيديو إلى المكانة التي وصلت لها المرأة السوداء المتجسدة في شخصية بيونسيه الناجحة.

تتويج بيونسيه على عرش اللوفر!

ربما دعت بيونسيه النساء السود إلى اللوفر وأمسكت بأيديهن ترشدهن، ولكنها في نفس الوقت قد ميزت بينهن وبينها، حينما ظهرن شبه عُراة في الملابس الضيقة المُشفة للجسد، ودون  ارتداء أي حلي، بينما ظهرت بيونسيه وهي تتوسطهن بملابس مميزة عنهن مزينة بالحلي الثمين، وترشدهن في الرقص أمام لوحة «The Coronation of Napoleon» للرسام الفرنسي جاك لوي دافيد.

تلك اللوحة رسمها جاك دافيد بأوامر من نابليون في العام 1807؛ بغرض تجسيد لحظة تتويجه لزوجته جوزفين إمبراطورة على فرنسا، الأمر الذي يوضح رسالة بيونسيه بأن قيادتها في تلك اللحظة للنساء بجوارها ليست قيادة للرقص فقط، وكما توّج نابليون زوجته المحبوبة جوزفين على عرش فرنسا، فزوج بيونسيه قد توجها ملكة في تلك اللحظة على عرش اللوفر، والذي يرمز للفن في تلك الأغنية المصورة.

على الجانب الآخر، رأت الناقدة ألكسندرا أن تلك اللقطة هي محاكاة رمزية للوحة الفنانة التشكيلية السمراء فايث رينجولد، والتي كانت تحمل اسم «Dancing at the Louvre» والتي رسمتها عام 1991، وكانت ترمز لبهجة وفرح مأمولين من فتايات سمروات يرقصن داخل متحف اللوفر، الأمر الذي لم تنجح في تجسيده بيونسيه – من وجهة نظر ألكسندرا – لانشغالها بتجسيد لحظة مجد جوزفين في اللوحة التي ترقص أمامها؛ مما وقف حاجزًا أمام تجسيد روح فرحة الحرية في لوحة فايث.

«فينوس السوداء».. والصورة الكاملة للحب

صدرت أغنية «App» ضمن ألبوم غنائي يحمل اسم «Everything Is Love» أو الحب هو كل شيء، وخلال واحدة من اللقطات المهمة في الأغنية المصورة؛ حاولت بيونسيه وزوجها تمرير تلك الرسالة مرة أخرى مستغلين واحدًا من أهم رموز الحب في الفن على مر التاريخ وهو تمثال «Venus de Milo» أحد المنحوتات الفنية التي تجسد شخصية «فينوس» إلهة الحب والجمال في التاريخ اليوناني.

وأمام تمثال فينوس تقف بيونسيه مرتدية ملابس ضيقة تظهر جسدها وكأنه عار، منحوت بنفس شكل تمثال فينوس، بينما يقف جي زي بجوارها ممسكًا بيدها ومرتديًا ملابس بيضاء بلون التمثال؛ ليكونا مجتمعين – كما أشارت الناقدة الأمركية سابرينا بار – مثالًا للصورة الكاملة للحب والجمال.

أبو الهول أفريقي.. هيمنة الرجل الأبيض على الفن الأسود

اهتمام بيونسيه وجي زي بإنتاج عمل فني في متحف اللوفر جاء بعد سنوات طويلة من اهتمامهما بالفنون الكلاسيكية، وما رأوه في كثير من المتاحف هو إدراج الآثار المصرية القديمة ضمن تصنيفات الحضارة اليونانية أو الرومانية، ولذلك – تشرح ألكسندرا – كان لابد أن يخصصوا رسالة لهذا الشأن.

ومن أمام تمثال أبو الهول المصري الموجود في اللوفر، يقف الزوجان في رسالة رمزية للأصول الأفريقية لهذا الفن، والذي عبثت بهويته – وفقًا لتصريح ألكسندرا – الهيمنة الغريبة على الفن، موضحين الدور الذي لعبه شعب أفريقيا في إثراء الفن عبر التاريخ، وقد جاء رقص بيونسيه – كما شرحت الناقدة سابرينا –  في تلك اللقطة غاضبًا، على الرغم من حركات جسدها الهادئة الواثقة في باقي مشاهد الأغنية المصورة؛ وكأنها تسجل اعتراضًا على تلك الهيمنة الغربية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد