حربٌ بالوكالة تدور رحاها على الأراضي السورية والعراقية، دائمًا ما يذهب مواطنو هذين البلدين ضحايا لها، إيران والولايات المتحدة الأمريكية وتسارع الخطى للسيطرة وفرض الأمر الواقع.

نتحدث هنا عن طريق برية تحث إيران الخطى للسيطرة عليها، لتوصلها للبحر الأبيض المتوسط لدعم حلفائها في سوريا ولبنان، لكن هذا الطريق داخل سوريا تقف الولايات المتحدة عائقًا أمامه، ويتجلى الموقف الأمريكي هذا في استهداف قوات الحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية وتحديدًا قرب معبر «الوليد» السوري – «التنف» العراقي.

كان الهدف الإيراني في بادئ الأمر هو الطريق الذي يمر من مناطق محافظة ديالى العراقية  ثم مدينة الشرقاط في محافظة صلاح الدين ثم البعاج ومدينة تلعفر شمالًا باتجاه الحدود السورية وصولًا إلى حلب وحمص السوريتين، وبالتالي الوصول إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط.

خريطة توضح المسار الإيراني المزمع إقامته من طهران إلى البحر المتوسط

لكنّ إيران غيرت مسار الممر البري الهادف إلى شق طريق إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط بعد أن خشي مسؤولو الحشد في العراق وإيران من تزايد الوجود العسكري الأمريكي في شمال شرق سوريا وتحديدًا في مناطق سيطرة «وحدات حماية الشعب الكردية» مما جعل هذا المسار غير قابل للحياة، وبدأ مسؤولو الحشد بخط مسار آخر على وجه السرعة يهدف إلى سيطرة النظام ومليشياته على مدينتي الميادين ودير الزور السوريتين من قبضة تنظيم الدولة «داعش» قبل أن تتمكن أمريكا من عرقلة هذا المسار أيضًا.

الاستهداف الأمريكي لأذرع إيران

اتهمت كتائب «سيد الشهداء» التابعة للحشد الشعبي العراقي الولايات المتحدة باستهداف قواتها على الحدود السورية العراقية بضربة جوية، حيث قتل أكثر من 36 مقاتلًا من الحشد وأصيب 80 آخرون في الهجوم، فيما نفى المتحدث باسم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة رايان ديلون شن أي غارات جوية قرب الحدود السورية العراقية، وقال المتحدث إن ما وصفها بـالمزاعم عن ضربات وجهها التحالف لقوات الحشد الشعبي بالقرب من الحدود مع سوريا غير دقيقة.

وفي بيان لكتائب «سيد الشهداء» نشر على موقعهم على الإنترنت ذكر أن التحالف تعمد قصف قواتها بالمنطقة المقابلة للتنف السورية وتحديدًا في منطقة «عكاشات»، ما أوقع عشرات القتلى والجرحى في صفوفها وجاء في البيان أيضًا «إِنَّنَا فِي كتائبِ سيّدِ الشّهداءِ نُحملُ الجيشَ الأمريكيّ عواقبَ هذَا العملِ الذّي لَنْ نسكتَ عنه».

طموحات إيران في بلاد الشام

وفقًا لمعهد واشنطن قال الباحث «إيهود يعاري» إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعكف حاليًّا على دراسة سبل مواجهة التحديات الإيرانية في الشرق الأوسط، من خلال البحث عن وسائل للحد من التوسع الإيراني في المنطقة.

ولكي تكون أي خطة احتواء لإيران فعالة، يجب على واشنطن دراسة استراتيجية إيران في بلاد الشام، ويجب أن تدرك أنّه على الرغم من أنّ طهران لا تزال تتطلع لتحقيق الهيمنة الإقليمية على المدى البعيد، إلا أنّ خطتها الحالية هي التركيز على تحقيق الهيمنة والحفاظ عليها في العراق ولبنان وسوريا.

ويضيف أيضًا أنّ المستنقع الدموي الذي يضم تلك الدول الثلاث يوفر المزيد من الفرص لإيران لتعزيز نفوذها هناك، حيث إن المواجهة هناك ستكون بالتأكيد أقل خطورة من نظيرتها في دول الخليج التي تطمح إيران باختراقها، ويمكن للنجاح في النهج المرحلي الضيق أن يقوي في نهاية المطاف موقف طهران أمام السعودية وغيرها من دول الكتلة السنية الخليجية.

Embed from Getty Images

خريطة الشرق الأوسط من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان والبحر المتوسط

يعدّ الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، أبرز المسؤولين عن تنفيذ رؤية السياسة الإيرانية الجديدة. وكان سليماني مسؤولًا عن  تذليل العقبات أمام هذا الطريق باتجاه البحر الأبيض المتوسط، المسار المزمع إنشاؤه سيعبر مسافة لا تقل عن 800 ميل من الحدود الإيرانية الغربية مع العراق إلى كل من العراق وسوريا ثم لبنان، مما يوفر صلة وصل لحزب الله، وينتهي أخيرًا على حافة مرتفعات الجولان.

وسيوفر الممر وسيلة لنقل الإمدادات العسكرية والميليشيات عند الحاجة، مما يقلل كثيرًا من التكلفة المادية التي تتكبدها إيران عبر النقل الجوي طيلة السنوات الماضية.

الصد الأمريكي لمشروع إيران

لم يكن الاستهداف الأمريكي للحشد الشعبي هو الحادث الأول من نوعه أمريكيًا في مواجهة حلم إيران في بناء طريق «طهران – بغداد – دمشق – بيروت» فقد سبق للولايات المتحدة أن استهدفت الجيش السوري ذاته ومجموعات موالية له على الجانب الآخر من الحدود قرب معبر «التنف»، حيث أعلن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية أن طائراته قصفت يوم الخميس 18 مايو «أيار» 2017 قافلة عسكرية موالية للنظام في سوريا بينما كانت متجهة إلى قاعدة عسكرية للتحالف قرب الحدود الأردنية العراقية.

كذلك أكد مزاحم السلوم أحد مقاتلي جماعة «مغاوير الثورة» السورية المدعومة أمريكيًّا، أن طائرات التحالف أغارت على قافلة للجيش السوري وفصيلًا مسلحًا تدعمه إيران، كانت متجهة صوب قاعدة التنف حيث تتمركز قوات أمريكية خاصة.

وفي الأسابيع الأخيرة صعّد الجانبان الأمريكي والإيراني من نشاطهما العسكري على الحدود الشرقية لسوريا وتحديدًا قرب الحدود العراقية، حيث أسقطت الولايات المتحدة ما قالت إنه طائرة إيرانية بدون طيار اقتربت من قاعدة أمريكية، حيث تدرب القوات الخاصة الأمريكية مجموعات سورية متمردة موالية لها. وكانت ثلاث هجمات شنها التحالف في الأشهر الماضية على القوات السورية المدعومة إيرانيًّا كانت تحاول التقدم باتجاه القاعدة المذكورة.

يقول الكاتب العراقي «فواز الفواز» المقيم في الولايات المتحدة والقريب من دائرة صنع القرار الأمريكي إن الولايات المتحدة عازمة على قطع خط «إيران – العراق – سوريا – حزب الله»، وأضاف أن قصف الحشد الشعبي يعدّ رسالة أمريكية واضحة لكل من العراق وإيران والحشد على حد سواء وأن أمريكا لن تسمح بتشكيل مسار مثل هذا مهما كلف الثمن، بحسب الكاتب.

الحذر الأمريكي من الانتقام الإيراني

وبعيد الاستهداف الأمريكي للحشد الشعبي، أصدرت السفارة الأمريكية في بغداد بيانًا حذرت فيه رعاياها من مخاطر تُحدِق بهم، وقالت السفارة في بيانها إنها على إطلاع بالتهديدات التي تستهدف مسؤولي الحكومة الأمريكية والمدنيين الأمريكيين.

Embed from Getty Images

مظاهرة في إيران ضد ترامب

وفرضت السفارة قيودًا على تنقل موظفيها خارج المنطقة الخضراء في بغداد، وكذلك خارج القنصلية الأمريكية في البصرة، فيما دعت السفارة الأمريكية المواطنين الأمريكيين إلى الحفاظ على درجة عالية من الوعي الأمني وتعزيز أمنهم الشخصي خلال فترة عيشهم وعملهم داخل العراق.

وكانت كتائب «سيد الشهداء» التي استهدفها القصف الأمريكي في السابع من أغسطس «آب» قد نشرت بيانًا تضمن استنكارًا ووعيدًا للأمريكيين من مغبة قصفها لهم وجاء فيه:

«إنَّنَا فِي كتائبِ سيّدِ الشّهداءِ نُحملُ الجيشَ الأمريكيّ عواقبَ هذَا العملِ الذّي لَنْ نسكتَ عنهُ، وإِنَّنَا إِذْ نُعلنُ أنَّ هذَا العملَ لَنْ يمرَ دونَ عقابٍ فإِنَّنَا ندعُو إِلى حمايةِ الحدودِ العراقيّةِ السّوريّةِ ، وحرمانِ الأمريكانِ مِنْ اِستثمارِ هذهِ الحدودِ لتمريرِ أجنداتهِمِ الخبيثةِ لتمريرِ القتلةِ وكسرِ خطِ المُقاومةِ الشّريفِ» بحسب البيان.

وما بين الطموح الإيراني والأمريكي يصبح كل شيء متوقعًا في منطقة لم تشهد الاستقرار منذ أعوام خلت.

المصادر

تحميل المزيد