يحكي الأحفاد أن جدهم الشيخ محمد سعيد القاسمي أراد أن يبتاع شيئًا من عطار، فلفَّه له الرجل في ورقة، وعاد بها الشيخ إلى البيت، ولأنه كان شغوفًا بالقراءة فقد قرأ الورقة وأدرك أنها جزء من مخطوط نادر، فعاد إلى العطار وطلب ما لديه من الأوراق، وهكذا وصلت أول نسخة من كتاب «حوادث دمشق اليومية» أشهر الكتب عن تاريخ دمشق في العهد العثماني، إلى يد محققه الأول، بعد 200 عام من انتهاء مؤلفه أحمد البديري الحلاق من كتابته.

وروى أحفاد آخرون أن الكتاب كان محفوظًا في مكتبة أحد علماء دمشق في القرن الماضي، وعند وفاته قرر ابنه أن يبيع الكتب في الجامع الأموي كما جرت العادة، وهكذا وصل إلى يد الشيخ وعكف على دراسته وتهذيبه وتنقيحه.

الحلاق الذي استهوته الكتابة

كان أحمد البديري حلاقًا ومفصدًا ومطهرًا، يعمل في حي باب البريد الذي يقع داخل أسوار مدينة دمشق، أهم مدن الشام في العهد العثماني، وكان ينتمي لعائلة من الحمَّالين، كانت تعيش في ضاحية خارج أسوار المدينة، ويبدو أنه تمكن من تعلم مهنة الحلاقة – وكان لها قدر أعلى في مجتمع ذلك العصر – فصار معروفًا في المدينة وصار أبرز علمائها وأوليائها من زبائنه.

مصدر الصورة: turkeynow.news

وهكذا استطاع مخالطة المثقفين والعلماء وعلية القوم، في مدينة كانت تموج بتغييرات كبيرة، وتزخر بكل أنماط البشر، من وجهاء وأعيان وعلماء وتجار ومتصوفين وحتى بائعات الهوى، وكما يصوِّر هو نفسه في كتابه فقد كان من «الأصاغر» أو «الفقرا»؛ إذ لم يدرك الثراء في أي فترة من فترات حياته، وكان كما تعبِّر كتاباته أيضًا ساخطًا على «الأكابر» من رجال الدولة والأعيان.

وتشيد المؤرخة دانة السجدي في كتابها «حلاق دمشق: محدثو الكتابة في بلاد الشام إبان العهد العثماني – القرن الثامن عشر» بجرأة الحلاق ليس فقط في انتقاده لعلية القوم في مجتمعه، بل لخوضه غمار الكتابة متمثلًا بالعلماء رغم أنه لم يتمتع مثلهم بالتعليم الكافي.

كان دكان الحلاقة يتداخل في أسوار المدينة مع المقهى الذي تتردد فيه الحكايات والسير الشعبية الشفهية، فضلًا عن أن موقع الدكان في مركز المدينة حيث تقع معظم مؤسسات العلم، مكَّن الحلاق من التعرف إلى العلماء وطلاب العلم، والاطلاع على ثقافتهم وإنتاجهم، وهكذا مزج بين الثقافة الشفهية الشعبية وإنتاج هؤلاء العلماء المكتوب، بحيث تكوَّنت لديه ثقافة ليست رفيعة المستوى وليست أيضًا بالمتواضعة، ثقافة تتلاءم كما تشير دانة السجدي مع محيطه.

وبالطريقة نفسها مزج الحلاق في أسلوبه بين اللغة العامية الشعبية واللغة الفصحى، فتحدث إلينا في كتابه بصوته الخاص في حرية تامة وبأسلوب خاص، «وقد كثر سب الدين وظلموا الأعوام، ولم يكن أحد يسمع لهم كلام، وكذلك حضرة حاكم الشام حضرة أسعد باشا والي الشام لا يعترض بأمر من الأمور. قد تبدد نظام الجمهور و(الباشا) لا يحرك سكون بل نايم مع النايمون».

أول ما تكشف عنه كتابات الحلاق هو إمكانية الصعود الاجتماعي الذي صار متاحًا أمام حلاق، فصنع لنفسه مكانًا بين العلماء وسط المدينة. وتؤكد الباحثة دانة السجدي أنه أخذ بنصيحة ابن طولون المؤرخ والعالم الشهير، حين قال: «لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه» وهكذا لم يضيع الحلاق نفسه.

كتب الحلاق عن كل ما شاهده في محيطه؛ عن الظلم الواقع على العوام، وعن العجائب التي تحدث في المجتمع، وعن الوجبات الشهية، وعن عادة القيلولة في الظهيرة. كتب كل ما عاشه في يوميات بلسان أحد العوام العاديين.

العامة «المحدثون» يدوِّنون التاريخ

تسجِّل الدكتورة أمينة البنداري في كتابها «عوام وسلاطين» ملحوظة مهمة حول الكتابة التاريخية في العصرين المملوكي ثم العثماني في مصر والشام، وهي تَواري ذكر الحكام، الذين كانوا أبطالًا أساسيين لكتب التاريخ، فلم تعد إنجازاتهم ومناقبهم هي محور ما يسجله المؤرخون، وظهر عامة الناس وذكر أحوالهم أساسًا في الكتابات التاريخية؛ أخبار السوق والعجائب والجرائم والاحتجاجات، وهكذا ظهرت كتابات أمكن من خلالها التعرف إلى شكل الحياة اليومية لعامة الناس في ذلك العصر.

سياسة

منذ 3 سنوات
مملكة الصمت.. الحياة فى دمشق تحت حُكم «الأسد»

ولم يكن العامة هم موضوع الكتابات فقط، بل شاركوا في الكتابة أيضًا، فلم يكن الحلاق هو الوحيد الذي خاض غمار التأريخ من خارج فئة العلماء، فقد دخل لهذا المجال مزارعون شيعيون من جنوب لبنان، وموظف سنِّي بسيط من حمص، وقسيس من طائفة الروم الأرثوذوكس، وجنديان من دمشق، وهؤلاء لم يكتبوا عن الماضي، بل كتبوا ما يشبه اليوميات فسجلوا فقط الأحداث التي عاصروها، بعيدًا عن إنجازات الحاكم التي اعتاد المؤرخون الكتابة عنها.

تسمي السجدي هؤلاء بمحدثي الكتابة، وهو مصطلح تستوحيه من محدثي النعمة، وإن لم تعن به أي ازدراء، فهي تؤكد أن هؤلاء أدخلوا في التأريخ أمورًا لم تكن مقبولة من قبل، واشتقوا كثيرًا منها من خلفياتهم الاجتماعية والثقافية، فقدموا أدبًا جديدًا.

وكان لدخول الحلاق لمجال التأريخ تبعات على هذا النمط الأدبي، غيرت طبيعته؛ إذ حمل نصه ملامح لم يعهدها هذا النمط، وكسر «تقاليد التأريخ» فلم يعد الحاكم هو بطل الكتابات، كما أنه قدم نقدًا للأعيان ورجال الدولة فكان نصه وكأنه منصة استجواب لهم، فيكتب عن فسادهم وإهمالهم.

يوميات السوق في دمشق بعيون أحمد البديري

سجل الحلاق أحداث 20 عامًا بين عامي 1741 و1762 ميلاديًّا، ولم يهتم بتقديم تفصيل للتاريخ، فبمجرد أن يذكر العام يسترسل في وصف ما جرى فيه، وإن كان يقف أحيانًا عند أحداث معينة فيذكر اليوم والسنة بالتفصيل، وهو يكتب عن تعيين الحكام والصراع المسلح في الشوارع والكوارث الطبيعية والأوبئة والظواهر المناخية، كما كتب الحلاق عن وفيات العلماء والأعيان، ونادرًا ما يكتب عما يدور خارج حدود الشام من أحداث سياسية.

وميز كتابات الحلاق أنه سجل أسعار الأطعمة في السوق؛ إذ كانت مؤشرًا لنشاط السوق وعدالة الحكام في رأيه، وغالبًا ما كان يذيِّل ما يكتبه عنها بالدعاء لأن يعين الله عباده، «لأن الغلا معلق بالشام، والمعاملة مغشوشة، والفلوس غير منقوشة، والخلق نايمة ومطروشة، والنسا باحت، والرجال ساحت، والحدود طاحت، والأكابر مشغولة، ومروءة الرجال مغلولة، وكل منهم مشغول بحاله».

مصدر الصورة: العربي الجديد

وكتب الحلاق عن بعض المظاهرات التي قام بها العامة يشكون فيها من الغلاء، وكيف حدث أنهم سبُّوا الأعيان والعلماء لأنهم يعينون الحاكم على هذا الظلم الواقع بهم، وسجل في إحدى هذه المرات كيف هجم العامة على القاضي وضربوا رجاله حتى اضطر للهرب من فوق أسطح المنازل.

كتب الحلاق أيضًا عن حكايات فاضحة عن مغامرات جنسية أو قصص إباحية، لكنه كان يحاول بها الكشف عن مدى انحدار النظام الأخلاقي في المجتمع من وجهة نظره، وهو ما يرصده أيضًا في انتشار «بنات الخطا» بسبب كثرة طوائف العسكر في المدينة، وكتب كذلك عن نزهات قام بها في دمشق فاستاء من مشاركة بعض النساء في التدخين وشرب القهوة، ورأى فيه انحدرًا أخلاقيًّا.

لا يسجل الحلاق في كتاباته أي شيء عن نفسه تقريبًا، غير أن كتاباته تكشف عن ثقافة دينية صوفية، يؤكدها ذكره لكثير من أدباء عصره، وتأكيده معرفته الوطيدة بهم، وتأتي صيغة المتكلم فقط ليؤكد أنه شاهد بأم عينه ما يحكيه، خاصة إذا كان صعب التصديق كالإشاعات التي لا تخلو منها كتاباته، فيقول «وأنا الفقر من جملة مما رأى» أو «رأيته أنا» أو «رأيت عيانًا».

كيف وصل إلينا الكتاب؟ وهل فُقد منه الكثير

لا تحتوي كتابات الحلاق على نهاية تختم عمله؛ ما يشير إلى أنه لم يتمها عند وفاته، ولا تحتوي على بداية محددة أو مقدمة، وهو ما يرجح أن جزءًا من النص فُقد قبل أن يصل إلينا، وقد ظل الكتاب في مكتبة الشيخ القاسمي ويبدو أنه تحدث عنه فأقبل النساخ ينسخونه من المكتبة، وهكذا وصلت منه نسختان، الأولى إلى المكتبة الظاهرية بدمشق، والأخرى بدار الكتب المصرية، ونُشر كتاب حوادث دمشق اليومية لأول مرة عام 1959 ضمن مطبوعات الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، وقد وقف على تحقيقه ونشره الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة عين شمس، عن النسخة التي نقحها الشيخ محمد سعيد القاسمي.

صورة من مخطوطة الكتاب 

كتب القاسمي في تقديمه للكتاب يقول «أما بعد فإن حوادث دمشق اليومية التي صدر غالبها في أيام الوزيرين العظيمين سليمان باشا، وأسعد باشا، اللذين هما من أعيان وزراء بني العظم العظام، جمعها الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير البديري الشهير بالحلاق، من سنة 1154 حتى سنة 1176، وقد اشتملت على غرائب وأهوال وعجائب ولبساطة مؤلفها كتبها بلسان عامي، ثم أطنب بزيادات كلمات وأدعية مسجعة يمل سامعها ويسأم قارئها، فحذفت القشر من هذه الحوادث ووضعت اللباب، وهذبتها على حسب الاستطاعة بالصواب».

وأكد الدكتور أحمد عزت عبد الكريم في تقديمه للكتاب وتوضيحه لقيمته في التاريخ السوري أن الباحث في التاريخ السوري الحديث، وهو العهد العثماني، يلاحظ قلة ما كتب عن هذه الحقبة التاريخية، بحيث يصعب إنشاء تاريخ مفصل للشام في العهد العثماني، وهو ما يُكسب كتابة الحلاق أهمية كبرى، وإن كان الحلاق في رأيه لم يكتب بغية التأريخ، وإنما مجرد رغبة منه في تسجيل ما يمر به، أو ربما كانت هواية الكتابة والتنفيس عما يجيش في نفسه.

كانت شهرة القاسمي طريقًا إلى ظهور كتاب الحلاق المغمور إلى النور، وقد استعانت كثير من الأعمال الدرامية التي تناولت الحارات الشامية بهذا العمل، واقتبست من اليوميات تفاصيل الحياة الدقيقة والأحداث اليومية في منتصف القرن الثامن عشر، وكان أبرزها مسلسل «الحصرم الشامي» الذي استخدم مذكرات الحلاق نصًّا رئيسيًّا للمسلسل الذي عرض عام 2007.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد