1,178

الغموض الذي يغلف الروح؛ يمنح الخيال مساحة واسعة من التفاسير والتخمينات، وهذا الغموض والسحر هو ما منح العديد من مخرجي أفلام الرعب والإثارة مجالًا خصبًا للابتكار، مستخدمين التكنولوجيا الحديثة من أجل نقل وجهة نظرهم عن الروح إذا قررت أن تعود مرة أخرى إلى عالمنا، ولكن هل هناك من استطاع أن يعبر هذا الخط الفاصل بين عالم الأحياء والأموات ويوثق ظهور إحدى زيارات الأرواح لنا على شكل شبح؟

على مدار التاريخ انتشرت العديد من الصور والتي اكتسب بعضها شهرة عالمية، وقد خرجت تلك الصور للمرة الأولى إلى الحياة على اعتبارها توثيقًا حقيقيًا لظهور الأشباح بيننا، ولكن كان وراء كل صورة قصة وحقيقة، سواء عن فنان قرر أن يكسب المال من خلال خداع الآخرين، أو عن طريق صدفة قررت أن تخلد اسم صانعها دون قصد منه.

وفي هذا التقرير سنمر على بعض التوثيق المصور للأشباح والكيانات الغامضة، ونعرض التفسير الذي توصل له المتخصصون بشأن هذا التجلي، وهل هو خدعة ماهرة أم لحظات تواصل نادرة بين عالمين؟

شبح إبراهام لينكولن.. موهبة عظيمة أم مخادع كبير؟

تخيل نفسك تعيش بالقرن التاسع عشر بكل معطياته التكنولوجية الفقيرة، وفي يوم توجهت لالتقاط صورتك لدى واحد من المصورين، وعند استلام الصور؛ وجدت شبحًا يقف خلفك في ثبات ينظر إلى عدسة الكاميرا، تلك القصة ليست خيالية، بل حدثت بالفعل في منتصف القرن التاسع عشر بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن لتلك الصورة قصة.

المصور الأمريكي وليام مومر غالبًا وقف أمام عميله ناظرًا بدهشة للصورة أيضًا، وكأنه يرى الشبح للمرة الأولى، ويقع قلب العميل في قدميه، ولكنه يصر على اصطحاب الصورة معه، ويتركها له المصور وكأنها لعنة يريد التخلص منها، أو ورقة دعاية رابحة لتجارته، وتنتشر الصورة في الأرجاء، وتتسع شعبية وليام على صفحات الجرائد التي تحاول فهم تلك الظاهرة العجيبة.

يقف العملاء والباحثون عن الشغف أمام باب وليام يطالبونه بالتصوير مع الشبح، والذي أوضح وليام أنه شبح أحد أقاربه، والتقط وليام العديد من الصور المليئة بالأشباح حتى أطلق عليه الناس لقب «مُصور الأرواح».

ومع الوقت تطورت الظاهرة، وحضر بالصور العديد من الأشباح الأخرى لأقارب وليام وزوجته، وطمعًا في مزيد من الشهرة؛ صنع وليام الصورة الأشهر له والتي تسببت في كشفه، وهي صورة لزوجة الرئيس الأمريكي الراحل إبراهام لينكولن وشبحه يظهر من ورائها، وجعلت تلك الصورة من وليام نجمًا، ولكنها أيضًا وضعته تحت الضوء، وأمام أعين النقاد المتشككة، حتى ظهرت الحقيقة على يد فيناس تايلور بارنوم والذي طرح على نفسه سؤال: هل وليام موهبة فريدة أم مخادع كبير؟.. والإجابة كانت بنعم على الإثنين.

فيناس رجل الأعمال الأمريكي وراعي الفنون المسرحية في ذاك الوقت، قرر أن يحل لغز أشباح وليام، ونجح بالفعل حيث قدم دعوى قضائية إلى المحكمة يتهم فيها وليام بتزوير تلك الصور عن طريق التركيب المعقد للصورتين سويًا، وهذا من خلال التصوير على صورة فيلم فوتوغرافي يحتوي على ما يشبه العلامة المائية للأشباح، حتى تظهر صورة الشخص الذي يصوره وليام ممزوجة بصورة الشبح، وقد عزز فيناس هذا الاتهام بإرفاق صورة من صنعه تتضمن صورته شخصيًا مع شبح الرئيس الراحل إبراهام لينكولن.

وعلى الرغم من قوة حجة فيناس؛ لم يُسجن وليام بسبب تلك التهمة نظرًا لعدم إلحاقه الضرر المادي بأي شخص، ولكن في المقابل اكتفى فيناس بكونه كشف للعالم خدعة قد تستمر للأبد وتُسجل في التاريخ بكونها معجزة.

من الجدير بالذكر أن فيناس رجل أمريكي له شعبية كبيرة في الولايات المتحدة، لما قدمه من مجهودات في عالم المسرح والاستعراض، وفي نهاية هذا العام 2017 يُعرض على شاشات دور العرض السينمائي فيلم بعنوان The Greatest Showman أو رجل الاستعراض العظيم، ويسرد الفيلم قصة حياته ويقوم هيو جاكمان بتجسيد دور فيناس بالفيلم.

شبح اللورد كومبرمير.. خادم متسلل أم شبح وحيد؟

المصور كان وحيدًا بالمنزل في أواخر القرن التاسع عشر؛ يصنع صورة واحدة ولكنها تتطلب ما يقرب من ساعة حتى تنتهي الكاميرا من التقاطها، ولأن الصورة لمكتبة لورد إنجليزي توفي للتو، وذهب جميع سكان المنزل للجنازة؛ كان للمصور حرية التحرك في المنزل، حتى تنتهي الكاميرا من عملها، ولكن بعد تحميض الصورة، اكتشف المصور الإنجليزي سيبل كوربت أنه لم يكن وحيدًا في المنزل وفقًا لما ظهر بالصورة.

شاهد صورة شبح اللورد واضحة في هذا المقطع المصور من هُنا.

سيبل الذي التقط واحدة من أشهر صور الأشباح في التاريخ، والتي ذُكرت في بعض الكتب التي حاول مؤلفوها كشف حقيقة ظهور الأشباح في تاريخ التصوير الفوتوغرافي؛ لم يفهم سبب ظهور تلك الظلال التي تشبه رجلًا بشريًا يجلس على الكرسي المخصص لللورد كومبرمير، والذي لم يجلس عليه أحد سواه في حياته، فمن الذي واتته الجرأة أن يجلس عليه في لحظة دفن جثمان اللورد.

البعض يرجح أن أحد الخدم كان لا يزال في المنزل واسترق دقيقة من الزمان ليجرب كرسي سيده الوثير، وعندما سمع خطوات المصور يعود للغرفة خرج مسرعًا، وتلك الدقيقة في الساعة التي قضتها الكاميرا في التقاط الصورة؛ لم تنجح إلا في التقاط شبح الخادم الظاهر على شكل ظلال بشرية، ولكن هذا الاحتمال لم يتم تأكيده، ولكن – أيضًا – لا يوجد دليل على ظهور شبح اللورد والذي جاء ليودع مكتبته للمرة الأخيرة، على الرغم من تأكيد أسرة اللورد على حضور العائلة وفريق الخدم كاملًا في الجنازة، فهل هي رغبة من الأسرة في تخليد سيرة اللورد الفقيد في التاريخ أم أنها كانت لحظة نادرة بالفعل بين عالمين التقطتها عدسة مصور مغمور قرر القدر أن يمنح اسمه الخلود؟ هذا لغز لم يُحل بشكل حازم عكس ما حدث مع صور أشباح وليام.

وليام هوب.. مصور أشباح ووسيط روحاني

مرة أخرى تثبت أن التمادي في الأمر ليس تصرفًا ذكيًّا، مومر بعد وصوله للشهرة طمع في المزيد فالتفت العيون حوله، ومن بينها كانت الأعين التي كشفته، ولكن سيبل كان ذكيًا أو محظوظًا وفي الحالتين نجح في خلق الغموض حوله حتى الآن، ولكن المصور الإنجليزي وليام هوب كان طموحه هو الفخ الذي التف حول قدميه.

خلال الحرب العالمية الأولى، وخسارة العديد من الأحباء في الحرب، بدأت الرغبة في التواصل مع العالم الآخر تتزايد في أعماق بعض الرافضين لهذا الواقع المرير، وظهر في إنجلترا نادي الأشباح، والذي انضم له بعض من رجال المجتمع البارزين من بينهم الروائي آرثر كونان دويل صاحب شخصية شارلوك هولمز الشهيرة، وهذا النادي تبنى بعض أعضائه موهبة وليام هوب في التقاط صور الأشباح – كما ظنوا – والتي قرر وليام أخذها إلى مرحلة أكثر تطورًا؛ بإعلانه أنه يستطيع أن يكون وسيطًا روحيًا للأشباح التي تظهر في الصور أيضًا، الأمر الذي أثار شكوك من حوله وكُشفت خدعته والفضل يعود إلى هاري برايس.

هاري برايس باحث نفسي ومُحقق في تلك الظواهر الغريبة، والذي عُرف عنه في ذاك الوقت قدرته على كشف المخادعين ومدعي التواصل بالعوالم الأخرى، وكان وليام هوب أحد أهدافه، وقدم لكل رعاة وليام ومحبيه الدلائل الدامغة على استخدام وليام لنفس خدع التصوير التي استخدمها هومر من قبل، وعلى الرغم من ظهور وليام هوب محتالًا أمام أعين العالم، إلا أنه ظل مصورًا محترفًا ذا موهبة استثنائية أمام أعين المهتمين بمجال التصوير، وتُعرض صوره في المتحف الوطني للإعلام في إنجلترا باعتبارها واحدة من المحطات الهامة في تاريخ تكنولوجيا الخدع البصرية في التصوير الفوتوغرافي، خاصة وأن وليام بدأ حياته نجارًا وكان التصوير الفوتوغرافي مجرد هواية عمل على تطويرها ذاتيًا.

شبح السيدة دوروثي.. تجل بين عالمين أم خطأ فني؟

أحدهم لمحها بجانب عينه وعندما التفت لم يجدها، وآخر شعر بالفزع حين صعد أحد السلالم ليجد ظلالها في انتظاره والتي اختفت فجأة، وأخرى جزمت أنها رأت شبحها يحوم في المنزل الريفي رينهام. شبح السيدة دوروثي يعيش في هذا المنزل، تلك قصة اتفق عليها الكثير من زوار ورواد هذا المنزل الأثري في إنجلترا، ولكن جاء من حول تلك القصة الخيالية إلى حقيقة، فهل كانت منحة من الكون، أم استغلالًا جيدًا لمعتقدات سكان المدينة الريفية البسيطة؟

شاهد فيديو يتضمن صورًا واضحة لشبح السيدة، والبيت الريفي، والسيدة دوروثي التي كان يظن البعض أن روحها تسكن هذا المنزل.

في عام 1936 وبتخطيط مع مساعده، أخرج المصور هوبرت بروفاند للحياة صورة لشبح السيدة التي تتجول داخل هذا المنزل الريفي، عندما رأى هاري باريس الصورة للمرة الأولى، لم يستطع هادم الأساطير أن يجد الخدعة التي صُنعت بها تلك الصورة، وجزم أمام العامة أن نيجاتيف الفيلم الفوتوغرافي بريء من أي تلاعب، وكانت كلمته الأخيرة بخصوص تلك الصورة هو عدم قدرته على تصديقها ولكنه أيضًا ليس لديه دليل تكذيبها، وهو الأمر الذي حاول إثباته البعض بعد ظهور تلك الصورة بعام.

أثارت تلك الصورة الرعب بين الناس، لأن ملامح شبح السيدة ليست واضحة مثل صور الأشباح السابقة، مما زاد من غموض الصورة وتأثيرها المخيف، ولذلك كان لـجمعية البحوث النفسية في إنجلترا رأي آخر حول هذه الصورة، وهو أن ظهور الشكل الذي يشبه شبح سيدة ليس سوى خطأ فني تعرضت له الكاميرا أثناء التصوير، ورجحت الجمعية أن هذا الخطأ تسبب فيه اهتزاز الكاميرا لمدة ست ثوان أثناء التقاط الصورة، وهو أمر لم يمنحهم القدرة على توجيه أصابع الاتهام للمصور، على الرغم من ادعائه أنه قام بتصوير الشبح بعد أن رآه مساعده والتقطها هو سريعًا توثيقًا للحدث.

ربما لفق المصور تلك القصة مع مساعده بعد تحميض الفيلم عندما شاهدوا الظلال التي تشبه شبح سيدة، وربما قصتهم حقيقة هذا أمر آخر يصعب الجزم به، إلا عن طريق جمعية البحوث النفسية التي تؤكد أن دليل الخطأ الفني ظهر بوضوح عند معاينة الكاميرا ونيجاتيف الفيلم.

شبح قصر هامبتون.. الأمر لا يزال مستمرًا!

قد تظن أن تلك الصور تركت تأثيرًا بسبب ظهورها في عصور قديمة، لم يعرف أهلها الكثير عن خدع التصوير، ولم تصل التكنولوجيا إلى قمتها، فكان للغموض سحر خاص، ولكن الرغبة في تصديق إمكانية العبور من تلك البوابة الفاصلة بين عالمين؛ هي رغبة متأصلة داخل الإنسان لن تختفي أمام العلم والتكنولوجيا، وهذا ما أثبته شبح قصر هامبتون في إنجلترا منذ عامين.

شاهد فيديو يتضمن صورًا واضحة لشبح السيدة الرمادية من هُنا.

توفيت السيدة ديم سيبيل عام 1562 في قصر هامبتون، وشاعت الأقاويل أن شبحها يظهر في هذا القصر ومنحه العامة اسم شبح السيدة الرمادية، وفي عام 2015 نشرت الجرائد الأجنبية خبرًا عن التقاط صورة واضحة لهذا الشبح، عن طريق هاتف فتاة صغيرة كانت تلتقط صورة صديقتها في القصر من أجل الذكرى، لتتحول تلك الصورة إلى حديث الإعلام في ذاك الوقت، خاصة حين صرح بعض محترفي التصوير أن تلك الصورة المأخوذة عن طريق الآيفون ليس بها أي تلاعب، وظهور تلك السيدة طويلة القامة خلف الفتاة واختفاؤها في الصورة التالية، هو أمر يصعب تفسيره، وعلى الرغم من تأكيد الفتاة أن الغرفة لم يكن بها أي شخص آخر، إلا أن بعض الآراء وجدت تفسيرًا مقنعًا لتلك الصورة.

نشر الإعلام البريطاني تحقيقًا يشرح النظرية التكنولوجية وراء ظهور هذا الكيان الغريب في الصورة، وشرح أن كاميرا جهاز الآيفون لا تلتقط الصورة مرة واحدة كما يظن البعض، بل إن الصورة تمر بمراحل متعددة سريعة للغاية حتى تُخزن على الهاتف، وإذا كان هناك شخص يتحرك أثناء لحظة الالتقاط، فإنه يظهر ظهورًا مشوهًا قد يوحي بكونه شبحًا أو شيئًا مخيفًا، وهو أمر يستطيع أي شخص تجربته بسهولة ليرى النتيجة، وهي ظاهرة تسمى «تعرج الصورة»، ولكن في المقابل، اختار البعض أن يصدق التفسير المثير والحالم للصورة، وأصبحت تلك الصورة لدى البعض هي لحظة تواصل نادرة بين عالمين.

النوع الرابع.. عندما يصبح النجاح مخيفًا

تلك هي التجربة الأكثر رعبًا، والتي أثارت جدلًا واسعًا أدى إلى منع عرض الفيلم الذي حاول توثيق تلك الحالة في إطار درامي عام 2006، هذه المرة.. الأمر بالفعل مخيف. فيلم «Fourth Kind النوع الرابع» حاول تفسير ظاهرة اختفاء ما يقرب من 10 رجال من ولاية ألاسكا لم يُعثر على جثامينهم، وقد وجه الفيلم الرأي العام تجاه عمليات خطف قامت بها كائنات فضائية، والفيلم تدور قصته حول طبيبة نفسية تحاول من خلال التنويم المغناطيسي أن تدخل إلى اللاوعي لبعض سكان تلك القرية التي شهدت بها حوادث الاختفاء، حتى تتعرض هي نفسها للخطف ويختفي أبناؤها بعد ذلك.

شاهد كيف مزج المخرج بين تقنيات الإخراج ليبهر المشاهدين، وخدعهم دون قصد.

التقنية التي اختارها مخرج الفيلم أولاتوند أوسونسانمي هي التي جعلته فيلمًا مرعبًا مثيرًا للجدل، حين مزج بعض المقاطع المصورة التسجيلية بالأبيض والأسود للطبيبة النفسية على أرض الواقع، مع لقطات درامية ملونة بممثلة تجسد دور تلك الطبيبة، ليترك إيحاء في نفس المشاهد أنه يقوم بتجسيد قصة حقيقية، والخدع كانت متقنة لدرجة محترفة، لم تمنح النجاح والتقدير للمخرج، ولكن أثارت النقد حوله وحول تحفته الفنية المخيفة، حتى أن بعض المشاهدين لفترة طويلة كانوا يظنون أن الطبيبة النفسية في المشاهد التسجيلية ليست ممثلة بل هي الطبيبة بالفعل، بينما كانت تقوم بدورها الممثلة شارلوت ميلشارد، والتي تداول الكثير من الناس المقاطع المصورة المخيفة التي تتضمنها وهي تتعرض لجلسات تشبه جلسات طرد الأرواح، مصدقين أن تلك الصور حقيقة، ليتحول وجه تلك الممثلة إلى أيقونة رعب، ووصف أحد الأطباء النفسيين هذا الفيلم بكونه مضللًا تضليلًا خطيرًا.

من الجدير بالذكر أن تلك التقنية الواقعية استخدمت فيما بعد في العديد من الأفلام الأخرى مثل paranormal activity ولكنها لم تترك الأثر الذي تركه هذا الفيلم، نظرًا لأن المخرج بنى فرضية الفيلم على حوادث غامضة بالفعل، واستغرق في إتقان المشاهد التوثيقية لتبدو حقيقة.