لا تستحمي. سأعود حالًا * رسالة من نابليون بونابارت إلى الإمبراطورة جوزفين، كتاب «بيولوجيا الخوف»

يشم الجنين في رحم أمه للمرة الأولى في تجربة مهمة من أجل تطور نموه ونضجه حتى يخرج للحياة ويرتبط برائحة ثديها، ويهدأ بكاؤه عند طرحه على سريرها وملابسها المشبعة بالعرق. ولأزمان طويلة استقر الزعم بأن بعض النباتات تفوح برائحة تشبه مني الرجال أو الأعضاء التناسلية للنساء.

وثمة دلائل على أن حساسيتنا تجاه الروائح تتصاعد حدتها في مرحلة المراهقة. وأن جاذبية الرجل الجنسية تقل مع حلق شعر الإبطين، وأن النساء يحببن رائحة دهان ما بعد الحلاقة أكثر من الرجال.  فلا تكشف الأنف فقط عن رائحة الجسم سواء كان معتقًا أو معطرًا، ولكنها تحمل أيضًا ما يمكنها من رصد عوامل الإغراء الخفية الغامضة، عوامل تحدد من سيقتحم قلوبنا، ومن يستحيل عليه الدخول؛ وكالحب من أول نظرة، هناك الحب من أول نشقة.

ولعبق الرائحة الطيّبة قدرة على الإقناع أقوى من الكلمات ونور العين والشعور والإرادة. * باتريك زوسكيند، رواية العطر قصة قاتل

أجدادنا المتعطرون

للوصول إلى جذور رائحة أجسادنا علينا بالتعرق، ولكن ليس عرقنا هو المفرز للرائحة التي نشمها على الإطلاق ونربطها به، فالسبب هو البكتيريا التي تعيش على أجسادنا وتحب أن تتذوق بعض المركبات التي تخرج مع العرق. وغالبًا ما تتواجد الغدد المفرزة للعرق في مناطق الإبط والأعضاء التناسلية، لتنتج مركبات مختلفة تستهلكها البكتيريا التي تطلق جزيئات برائحة نعرفها بوصفها رائحة لأجسادنا.

في التاريخ القديم لم يكن البشر يعرفون أمورًا كهذه، فدائمًا ما كانت هناك محاولات مستمرة لخنق روائح الجسد واستبدالها بروائح ملائمة. وقد قام المصريون القدماء بذلك، وصنعوا مضادات تعرق من بيض النعام وصدفة السلحفاة. وصنعوا العطور وأدخلوها بمجوهراتهم، وارتدوها على هيئة عجين سميك يلف على الرأس والرقبة والمعصمين، أو دهانًا بأساس زيتي مستخرج من نباتات عطرة كالهيل والكاسيا والقرفة والليمون والورد والزنبق. وما زال يظهر بالنقوش الهيروغليفية رجال ونساء يرتدون مخاريط صغيرة فوق شعرهم المستعار، الذي يعتقد أنه مصنوع من الشمع المعطر والدهون الحيوانية.

صورة لرسم فرعوني يوضح طريقة عمل عطر الزنبق. المصدر ويكيبديا

يرجع تاريخ أقدم العطور المعروفة إلى الإمبراطورية الرومانية، وكانت فترة نادرة في التاريخ كان من الطبيعي فيها أن يستحم الفرد يوميًا سواء باعتبار ذلك عرفًا اجتماعيًّا أو لأغراض دينية. وفي هذه الفترة كان ينقع الروماني جسمه، ثم يمسحه بالزيوت المعطرة، ثم يربط زجاجة عطرة حول معصمه.

وبحلول القرن الخامس الميلادي أصبحت الزيوت المعطرة والبخور متشابكة مع الطقوس الدينية، المسيحية واليهودية، في جميع أنحاء أوروبا، بين كافة الطبقات في أماكن العبادة العامة، وكان التعطر دليلًا على التدين فيكاد الكهان يحرقون الكنيسة وهم يحرقون البخور لتغطية رائحة أجساد المصلين أمام الله.

ولكن لما كان رجال الدين يرفعون من قدر البخور الديني، فإنهم سخروا في بعض الأحيان من استخدام العطر، واعتبروه تساهلًا أمام الرب، ورفض العديد من المسيحيين الاستحمام لعدة قرون، وذلك لارتباطه بخطيئة الكبر والغرور وحب النفس. وأمام هاتين الديانتين، اليهودية والمسيحية، حافظت المجتمعات الإسلامية على الاستحمام باعتباره تقليدًا إنسانيًّا مدى حياة المسلم.

«لو طال أفلاطون الأنف لقطعه»

شن أفلاطون حملة شعواء على العطور، واعتبرها أدوات للتخنث واللذة الجسدية، وذلك في زمن اقتصر فيه استعمال المعطرات على بائعات الهوى. ولدى أفلاطون، فإنه يتعين على الأشخاص الأفاضل ألا يهتموا بغير تنمية الخير في نفوسهم؛ وذلك بالاستماع إلى الموسيقى وتعلم الرياضيات؛ أما الجسد بكل روائحه فليس إلا مجرد قبر مؤقت للروح، وأنه يجب التخلص من المشاعر والرغبات التي تولدها الأنف التي تشم وذلك لقرب هذا العضو، الأنف، من المخ.

حط أفلاطون كثيرًا من قيمة الأنف بين الحواس، ورأى أن السمع والبصر يقومان بأنشطة نبيلة على صعيد التواصل الاجتماعي، لأن هاتين الحاستين تجعلان البشر في حالة تماس مباشر مع عالم الكمال؛ فالهندسة وليدة علم الرؤية، والموسيقى تلتقطها الأذن، وأما التذوق الحسي فهو أمر معهود الالتباس منذ القدم.

فقد اعتبر الكثير من الفلاسفة اللمس والشم أمورًا سوقية وأقرب للأعمال الدنيئة، حتى نجد أنه من النادر أن ترى بين الفلاسفة المتأخرين من تعرض لظاهرة الشم بأي درجة، وإن من أقدم على ذلك، مثل كانط، فإنه يحط من شأن هذه الحاسة ويزدريها، وترتب على ذلك جزئيًا تأخر خضوع حاسة الشم للبحث العلمي مقابل اهتمام بالغ بالبصر والسمع.

تم تبرير الربط بين الشم والحيوانية على أن الحيوانات تمتلك قدرة قوية على التشمم، هكذا ساد الاعتقاد القديم بأن الشم ينطوي على خصائص حيوانية أكثر منها إنسانية، وما زالت آثاره تظهر علينا، في تلك النظرة التي تسبغ على بعض الأعمال والمهن التي تتصل بالروائح الكريهة، فأولئك يكونون في أدنى درجات السلم الاجتماعي، كعمال الصرف الصحي وجامعي القمامة.

«نساؤنا يتعرقن لبنًا»

لما كانت روائح الجسم وما يصدر عنه من أنفاس تعد نتاجًا لعادات البشر في العيش، وطبيعة السوائل الحيوية، فقد كان ثمة أحكام مجحفة تطلق في جهات أخرى؛ فقد تم الزعم بأن السوائل الجسدية للمرأة يمكن أن تفسد بالاتصال الجنسي الزائد، أي المني الزائد، ولذلك كان يُطلق على المومسات لقب «المنتنات الرائحة»، وقد استخدم هذا اللقب الشاعر الروماني جوفينال، وأُطلق بعد ذلك على نوع من الثدييات الصيادة. جراء هذه الأحكام والاعتقادات، عانى المثليون الجنسيون، فقد كانوا غالبًا ما يتواجدون بجوار المراحيض العامة، وبالوقت اعتبرت الرائحة الحيوانية المحيطة بهم رمزًا لنزعتهم الشرجية.

آمن الأطباء أيضًا في هذا الوقت المتأخر بأن السائل المنوي يثير أعضاء وأنسجة الجسد، وأنه هو علة الرائحة الكريهة التي تصدرها أجساد الفحول من الرجال ولا ندركها بين الخصيان. بسبب ذلك أطلق الأطباء على روائح أجساد الرجال الفحول وما يصدر عنها من أنفاس اسم «عبير المني». كانت النتيجة من هذه التصورات أن نصح المختصين الرجال بعدم الاستحمام، لأن ذلك سيعينهم على الاحتفاظ بجاذبيتهم الجنسية.

نالت النساء حظها من تلك التصورات، فكتب أحد الأطباء في كتيب عن الأمراض المزمنة باعتبار أن عبير النساء يفوح برائحة اللبن «نساؤنا يتعرقن لبنًا، ويبُلن لبنًا، وعندما يتمخطن يُخرجن لبنًا، ويفرزن اللبن إذ يتغوطن». وبهذا الاعتقاد من أحد الأطباء لا ضرر من ذكر أنه في العصر الفيكتوري تكسبت بعض النسوة من بيع مناديل مشبعة بعرق إبطهن. وكان مكسب المرأة يزداد إذا ما كان لها الرائحة الأفضل. فمن الشائع دومًا أن رائحة الجسم مكروهة ومقززة للبعض، ولكن هاته النسوة كن يعتمدن على ما يثير الحب والرومانسية والجنس في مناديلهن ويبعنه.

«لا تستحم.. فالطاعون قد يصيبك»

كان الطب هو الدافع خلف الاهتمام بحاسة الشم، خاصة مع الاعتقاد بأن الروائح الكريهة هي السبب في العديد من الأمراض، ففي القرن الثامن عشر، ونظرًا لنقص فهم طبيعة الأمراض المعدية، أرجع الأطباء السبب في كل الأمراض المزمنة والأوبئة مثل الطاعون والملاريا، التي تعني حرفيًا الرائحة الكريهة، إلى الأبخرة السامة الناتجة عن تحلل الجثث، والبول والغائط، فلطالما كانت هذه المسببات الخانقة والسامة في المستشفيات والسجون، ومات من جرائها الكثير من السجناء والمحامين.

في أواخر القرن التاسع عشر عمد القضاة إلى حماية أنفسهم عند زيارة السجون بإحاطة أنفسهم بروائح طاردة للروائح الكريهة خوفًا من التيفود، فكان في اعتقاد الأطباء أن الروائح السامة يتم امتصاصها عبر الجلد أيضًا، وكان الحل هنا هو الثوم الذي تم استخدامه إلى أواخر القرن التاسع عشر باعتباره طاردًا للأرواح الشريرة إذا كنت طبيبًا أو قريبًا لأحد المرضى، وانتشرت سجالات محمومة بين مذاهب التفكير التي زعمت أنه كلما بقي الإنسان على قذارته، فإن جلده يصبح حائط صد للروائح السامة، وبذلك فإن الجسم يضعف بتكرار الاستحمام، كما أن الاستحمام قد يتسبب في العقم.

هنا كانت بداية السعي المحموم من البشر خلف «مضادات الروائح الكريهة»؛ فبدلًا من إشعال الحرائق في كل شيء من حولنا للقضاء عليها وعلى المرض في آن معًا، اخترع الإنسان المطهرات ومبيدات الجراثيم، ونجح علماء الصحة العامة في مقاومة الروائح الكريهة في المدن والمستشفيات والمساكن الخاصة، وأُقيم نظام للصرف الصحي المغطى، وأُنشئت مصادر للتهوية وطرد الهواء الفاسد، وتم تزويد المستشفيات بالأحواض في الغرف، وغسل الكنائس بالجير وحمض الكبريت.

وتمادى أحد علماء الصحة الاسكتلنديين إلى درجة أنه راح يحطم نوافذ بيوت العمال البسطاء ليخلصها من الروائح الكريهة. وكما كان الأمر بين الفلاسفة في عهد أفلاطون، انساق الأطباء والباحثون خلف الدلالات السلبية حول الشم والروائح وكل ما يخرج من جسد الإنسان.

في هذه الأثناء كان الترياق الوحيد للأوبئة، النظافة والاستحمام، غير قابل للتحقيق، طالما أن معظم الأوروبيين يعتقدون أن الاستحمام خطر على الصحة، كما انتشر في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ولكن كان هناك عدد قليل شجاع قرر اتخاذ الاحتياطات الخاصة عند الاستحمام، مثل دهن الجسم بالزيت ولفه بقطعة قماش كبيرة معطرة، ووضع المساحيق العطرية على الشعر، وتحسين رائحة الفم الكريهة بمضغ الأعشاب العطرية اللاذعة.

الاستحمام لمن تشعر برغبة جنسية

اتجه بعض المعارضون للنظر إلى الاستحمام بطريقة مختلفة، ولأسباب غير تلك التي نعرفها، وظهرت فكرة تنظيف الأجزاء الظاهرة من الجسم فقط بعرق اللؤلؤ، وأفضل ما قد تنتجه الطبيعة، وهو عبارة عن تلك المادة التي تبطن بعض الأصداف، في اعتقاد بأنها تطهر الروح. وفي بداية القرن التاسع عشر، أعلن الأب ماري دو سان أورسان عن دور الاستحمام في كبح الدوافع الجنسية، وقال: «إن صادفنا فتاة شاحبة الوجه، تنشد العزلة، وتدع نفسها نهبًا للخيالات السوداوية، فعلاجها يكون في أخذ حمام ساخن طويل، لتهدئة عوامل الهياج الجنسي الذي اعتراها».

في ذلك الوقت نصح المختصون ضحايا الشعور بالعواطف الجنسية من النساء بالاستقرار في مكان ثابت والبقاء بعيدًا عن الشمس ولبس القفازات، وبعد الاستحمام الذي لا يمكن ممارسته أكثر من مرة أسبوعيًا، فعلى المرأة أن تغلق عينيها حتى تجفف أعضاءها التناسلية، كما على الفتيات الصغيرات نفض الماء في المغطس قبل النزول إليه حتى لا يكون سطحه الساكن مرآه تنعكس عليها صورة أجسادهن العارية.

Embed from Getty Images

ثورة «الأنف عضو يستحق الرأفة»

مع علو نبرة العاطفة والرغبة والحدس عند فلاسفة عصر التنوير، ارتفع شأن حاسة الشم وامتدحها روسو وجوته وأقرا بأهميتها للشواغل العاطفية. عادت أهمية المشاعر والحياة الجنسية والحب ومعها روائح الجسم حتى الكريه منها، فقد حاول الرومانتيكيون التمرد على ما فات في حضارتهم البرجوازية، وعاشوا في عزلة يتفحصون أجسامهم ومشاعرهم ويثملون ويطلقون العنان لنزعتهم الجنسية، وأعلوا شأن السعادة الحسية المرتبطة بالشم واللمس، هاتين الحاستين المذمومتين، ليعودا ويظهرا بالأدب عند الطبيعيين عند إميل زولا وبلزاك وفلوبير، وظهر العطر بثياب الملكة فيكتوريا عندما زارت فرنسا عام 1855، وصاحت نساء البلاط الفرنسي فور أن اشتمت أنوفهن رائحة المسك فيه.

مع انتشار عطور الأزهار والأعشاب أصبحت فرنسا المهيمن على صناعة العطور العالمية، وأنتجت أكثر روائحها شعبية، وهو عطر الكولونيا، وهو وصفة تم إنتاجها في الأصل حمايةً من وباء الطاعون. * من مقالة بموقع The week

عاد الاستحمام باعتباره عادةً إنسانية وتقليدًا ضروريًّا خلال الثورة الفرنسية، وتحول البشر لارتداء طبقات أقل من الملبس، وأقمشة قطنية سهلة الغسل، وتخلص الكثير من تلك الرائحة السيئة والقذارة المتراكمة على الجلود، والاعتقاد بأنها تحميهم من المرض، وكما الأوروبيون، كان الأمريكيون مترددين في الاستحمام حتى أواخر القرن التاسع عشر وانتشار دراسات حول ضرورة الاستحمام.

ومع الاهتمام المتزايد بالنظافة، لم تعد العطور القوية ضرورية لمكافحة روائح الجسد الكريهة، وأصبح ارتباطها بالطبقة الأرستقراطية عائقًا للمبيعات، لذا أصبحت الصناعة متوافقة أكثر مع الموضة، وانتقلت العطور من أرفف الأدوية إلى أرفف مستحضرات التجميل، وبدأ ارتباطها المتزايد بالإناث، في حين ظلت روائح مثل التبغ والصنوبر معلقة بياقات الذكور.

العطر والأحكام القابعة بداخلنا

حتى أواخر القرن الثامن عشر كانت العطور الأكثر شعبية هي تلك التجميلية وليست الطبية، فاختار الناس العطور الثقيلة والقوية من الحيوانات كالمسك والزباد والعنبر. ولكن سرعان ما انتهت الحاجة لهذه الروائح مع عودة الإنسان لعادة الاستحمام، واللجوء لموضة العطور الرقيقة الأنيقة، وأصبح من يتعطر بالمسك يثير حوله الشكوك في نظافته، حتى ارتبط المسك بالغرائز الجنسية الحيوانية المتعارضة مع المدنية الحديثة في ظهورها.

حاول عالم النفس والمتخصص في أمور الجنس هافلوك إيليس رد تشويه سمعة المسك باعتبارها نقطة تحول مهمة في تاريخ الجنس، وادعى أن النساء اللواتي استمررن في استخدام المسك حتى القرن الثامن عشر، استخدمنه باعتباره وسيلة لإبراز أنفسهن، وليس إخفاءً لرائحة الجسد الكريهة، وشبه هافلوك وظيفة المسك عند المرأة بوظيفة «الكورسيهات» التي كانت تستخدم لإبراز وتضخيم المنحنيات الأنثوية.

يشير المؤرخ الفرنسي آلان كوربن إلى تزامن تراجع التعطر والاهتمام بالروائح الطيبة مع ظهور العقلية البرجوازية، في أواخر القرن الثامن عشر. وكانت البرجوازية في أكثر حالاتها تشددًا مسؤولة عن انتشار اللهجة المنددة بانتشار العطور من جهة أخلاقية، فإن الطبيعة المؤقتة للعطور ترمز بوضوح إلى التبذير والإسراف، والاستمرار في استخدامها استمرار لإعلاء قدر المتعة المنحطة المضادة لأخلاقيات العمل، ورفضت هذه الطبقات العطور القوية المفعمة بالحيوية بشكل خاص بسبب طبيعتها الجنسية الفاضحة.

بشكل خاص ستستمر الروائح وكيف تبدو رائحتنا مصدر قلق واهتمام، فحتى الآن ما زال يتجه الكثير بعدًا عن العطور الثقيلة نحو العطور الرقيقة الخفيفة، ويرتبط هذا التوجه بنزعة أخلاقية بداخلنا تتزامن مع التوجه نحو الأكل الصحي وممارسة الرياضة وما يسمى بحركات الاعتدال الجديدة وغير ذلك من الموضات التي تفرض تزمتًا في قواعدها.

عصر «الفيرمونات»

حتى وقت قريب، ارتبط الشم عند الكثير مثل فرويد واقتصرت رائحة جسم الإنسان لديه في التغوط، واعتبر فرويد المرحلة الشرجية من مراحل التطور النفسي، وشارك فرويد وعاصره مختص الأنف والأذن والحنجرة فيلهيلم فليس والذي طور نظرية أنفية ذات توجه جنسي، واعتقد في أنه ثمة انعكاس عصبي يقوم بالأساس على ترابطات بين الشم والأعضاء التناسلية؛ وبناء على هذا الاعتقاد، أجرى فليس عمليات صغيرة في داخل فتحة الأنف ليخفف من الاضطرابات النفسية والجسدية الجنسية لدى النساء.

Embed from Getty Images

انتظرت البشرية بعد ذلك كثيرًا، ففي عام 1959، أدخلنا الكيميائي الألماني أدولف بوتينانت عصر «الفيرمونات»، وهي الرائحة الأصلية للجسم بدون عرق أو قذارة، وذلك بعد أبحاث استمرت 20 عامًا، قام فيها بتشريح مليون من فراشات دودة القز، وتمكن من عزل المادة الكيميائية الفعالة «الفيرمون» الذي يغوي ذكور الفراش. وتوصلنا معه إلى أن الفيرمونات هي رسائل كيميائية تشبه الهرمونات، ولكنها تؤثر على الآخرين من نفس النوع، وتعمل بتركيزات ضئيلة للغاية، وبكميات أقل من أن تكتشفها حاسة الشم.

وتحس بالفيرمونات الأنثوية خلايا عصبية متخصصة لدى الذكر، ويكفي فيرمون واحد ليقشعر شعره وينطلق نحوها محملًا بعواطفه دون إدراك الدافع؛ فالفيرمونات تعمل على مستوى اللاوعي وتمر إلى المخ مباشرة، فهي روائح بلا رائحة.

وبسبب ذلك أقيمت مئات الدراسات التي توصلت لنتائج لم نكن نتخيلها مثل أن الفتيات اللواتي تسكن نفس الغرفة تتزامن لديهن مواعيد الدورة الشهرية بعد انتشار فيرموناتهن بالغرفة، أو أن النساء ليست في حاجة إلى عطر «شانيل 5» من أجل جذب الرجل، فلديهن ما هو أقوى.

ليس من الواضح لنا حتى الآن كيف تتم العملية الحسية داخل الأنف، ولكننا نعلم أن للأنف روابط خاصة مع الجزء الشمي من الدماغ، فهناك عدد من الممرات العصبية تمضي عبر ثقوب في مصفاة عظام الأنف وتصل إلى أماكن أخرى بالمخ، وفيها يتم تفعيل ونقل الإشارات لمواضع لها أهميتها في التعبير عن الانفعالات كالنزوع العدواني والسلوك الجنسي.

المصادر

Declaring war on body odor: a brif history of deodorization
عرض التعليقات
تحميل المزيد