«إنسانية راقية»، هكذا وصف أهل إيران السينما الخاصة بهم، هذه السينما التي لم نتعرف عليها إلا في نهاية التسعينات وبداية الألفينات، وفي اعتقادنا الراسخ أن السينما في إيران بدأت منذ هذه الفترة، بدأت السينما الإيرانية منذ عام1929 ، بأول فيلم صامت يحمل اسم «آبي ورابي»، وتوالت بعدها إنتاج وإخراج الأفلام السينمائية، ومرت السينما بمراحل عديدة ما بين إبداع ومنع من عرض أفلام، سنحاول هنا إلقاء الضوء على كل مرحلة من هذه المراحل.

السينما الإيرانية من القصر.. إلى «آبي ورابي» أول فيلم فارسي صامت

عام 1900 دخلت أول «آلة تصوير سينمائي» في إيران على يد مظفر الدين شاه، وذلك أثناء زيارته لفرنسا، وانبهاره بهذه الآلة، طلب من المصور «إبراهيم خان» شراء آلة التصوير هذه، وطلب منهُ تصوير مهرجان «الأزهار» في فرنسا، وفي عام 1905 كان افتتاح أوَّل صالة لعرض الصور المتحركة في طهران، ولكن بعد فترة، ونتيجة للأحداث السياسية التي قامت ضد الأسرة الحاكمة في إيران، حدثت حالات نهب، وتدمير للأفلام، وتكسير لأجهزة العرض.

في عام 1922افتتحت أول صالة عرض سينمائي في طهران؛ ليتوالى إنشاء دور العرض بعد ذلك في أماكن مختلفة في إيران، وكان يعرض فيها أفلام أجنبية مترجمة للإيرانية، وبعض الأفلام الإيرانية، والتي كانت عبارة عن أفلام وثائقية، مثل تتويج الشاه رضا بهلوي في عام 1926، أو عرض جلسات مجلس الشورى.

الفيلم الإيراني الصامت «الحاجي آغا ممثل سينمائي»

في عام 1929 كانت بداية ظهور أول فيلم سينمائي إيراني صامت باسم «آبي ورابي»، للمخرج أوغانس أوغانيانس، وقد بلغت تكاليف الفيلم 560 تومان، وحقق إيرادات وصلت إلى 7000 تومان، ولا يوجد لهذا الفيلم غير نسخة واحدة فقدت في الحريق الذي حدث في سينما «ماياك» عام 1932، يشار إلى أن أوغانياس هو أول من قام بإنشاء مدرسة لـ «الفنانين السينمائيين»، في إيران في عام 1930، وقد قام طلاب هذه المدرسة بإخراج فيلم ساخر، وهو «العابث» في الفترة من 1932إلى 1933، وهو أيضًا أول من قام بإنتاج الأفلام السينمائية في إيران، بالإضافة إلى تأسيسه ستوديو «بيرس فيلم»، لم يتبق من الأفلام الصامتة، التي صورت في إيران حتى عام 1933غير فيلم «الحاجي آغا ممثل سينمائي».

فيلم «الفتاة لور» وبداية السينما الناطقة

بعد انتهاء مرحلة السينما الصامتة في إيران، تبدأ مرحلة السينما الناطقة بالتحديد في عام 1933، بأول فيلم فارسي ناطق وهو فيلم «الفتاة لور» وصورت أحداث هذا الفيلم في الهند، وهو للمخرج «عبد الحسين سبنتا»، وفي عام 1934 يخرج سبنتا بفيلم آخر تحت عنوان العيون السوداء، بالإضافة إلى ثلاثة أفلام أخرى، لكن لم تستطع السينما الإيرانية الظهور بالشكل الجيد في خلال هذه الفترة؛ ويعود السبب إلى ظهور الكثير من الأفلام الأمريكية صاحبة الإنتاج الأفضل والأضخم؛ ما جعل السينما الإيرانية تتجه إلى الإخراج السينمائي عن الأسرة الحاكمة في إيران، يشار إلى أن أفلام هذه الفترة كانت تقتبس قصصها من السينما الأجنبية، ولم تأت السينما الإيرانية بشيء جديد، باستثناء أفلام سبنتا مخرج فيلم الفتاة لور؛ إذ كان يهتم بالأدب الإيراني القديم في أفلامه.

أول فيلم إيراني ناطق « الفتاة لور »

ومن أسباب هبوط السينما الإيرانية، في خلال هذه الفترة نتيجة لفرض الرقابة الشديدة على السينما بسبب الحرب العالمية الثانية، خاصة أن السينما في إيران لم يكن يشاهدها كل الشعب، وإنما كانت قاصرة على الطبقة البرجوازية، وبعض الطبقات العليا. لكن الشئ الجديد الذي قدم في السينما الإيرانية في مرحلة الثلاثينات والأربعينيات، هو ظهور النساء في الأفلام كبداية لتحرر المرأة، ولم تظهر المرأة محجبة في الأفلام، إلا إذا كان الدور الذي تؤديها يطلب ذلك.

اضطرابات وتقلبات في مرحلة الخمسينات

بعد سقوط حكومة محمد مصدق عام 1953، بدأت السينما في الازهارد نتيجة لتأسيس الكثير من الشركات السينمائية على يد بعض المستثمرين، وظهور سوق النفط، وأصبحت السينما متاحة لكل الشعب، وليست على طبقة معينة، ووصل عدد شركات الإنتاج السينمائي في إيران إلى 22 شركة في خلال هذه الفترة، وقد كانت السينما متأثرة في خلال هذ الفترة بالسينما الهندية.

وعلى الرغم من ازدهار السينما، لكنها كانت تقدم أغلب أفلامها ترفيهية تجارية؛ نتيجة لسوء الأوضاع السياسية التي حدثت بعد الانقلاب؛ ما أدي إلى فرض القيود على الحريات، لكن كانت هناك بعض الأفلام الجيدة في هذه المرحلة، وهو فيلم «جنوب المدينة» للمخرج الإيراني فاروق جعفري الذي منع من العرض، نتيجة لصراحته الشديدة في تصويره لحياة الناس، الذين يعيشون في الأحياء الشعبية في إيران، وقد أتلف جزء كبير من هذا الفيلم.

فيلم «البقرة».. طوق النجاة للسينما الإيرانية الجديدة

شهدت مرحلة الستينيات تطورًا وشكلاً جديدًا في السينما في إيران، وكان السبب في ذلك هو ظهور جيل جديد من السينمائيين الإيرانيين من الذين قاموا بدراسة السينما في الخارج من أمثال داريوش مهرجوي، مسعود كيميائي، وقد ظهرت العديد من الأفلام الجيدة في هذه الفترة، مثل فيلم «البيت أسود» للشاعرة والمخرجة فروغ فرخزاد، وتحكي فيه عن الإيرانيين المصابين بالجذام، وفيلم «جلد الثعبان» للمخرج «هازير داريوش»، ويري النقاد بأن هذا الفيلم هو البداية الحقيقية للسينما الإيرانية الجديدة.

فيلم «البيت أسود»

يشار إلى أن هذا المخرج قام بتأسيس أول مهرجان سينمائي دولي في إيران، وقد انتحر عام 1995بعد أن ظلّ يعاني من الاكتئاب؛ بسبب القيود التي كانت تحاصره في إخراجه لأفلامه، ووصف إيران بأنها احتلت من قبل «اليمين الديني الرجعي الذي أعادها فكريا إلى العصور الوسطى» حسب موقع «العرب اللندنية».

ويعد أفضل أفلام هذه المرحلة، وهو فيلم «البقرة» للمخرج «داريوش مهرجوي»، ويحكي فيها عن «حسن» الشخص الوحيد الذي يمتلك بقرة في القرية بعد موت كل أبقار القرية؛ فتموت البقرة بعد ذلك أيضًا، ويرفض أهل القرية إخبار حسن بوفاة البقرة، ويقولون لها إنها هربت. يشار إلى أن هذ الفيلم منع من العرض؛ لرؤيتهم بأنه كان يصور حياة الريف بطريقة سيئة، وهناك رأى آخر يقول: إن البقرة رمز لحال إيران في زمن الشاه.

مشهد من فيلم«البقرة»

في عهد آية الله الخميني شاهد الفيلم وسمح بعرضها، وقال «نحن لا نعارض السينما، ولكننا نعارض الفحشاء كطوق نجاة للسينما الإيرانية»، حسب كلام مخرج الفيلم نفسه، وهو داریوش مهرجوی، وبذلك أصبح فيلم البقرة طوق النجاة للسينما الإيرانية.

الرقابة والمنع والحرق في بداية «الثورة الإسلامية»

تمكنت السينما منذ الستينات، وحتى منتصف السبعينات من إنتاج أفلام بمستوى وجودة عالية، وتم تدريس الفن السينمائي في «المدرسة العليا للسينما والتلفاز والفنون الجميلة»، وفي عام 1972أقيم أول مهرجان سينمائي دولي، وقد دعم الشاه «محمد رضا» هذا المهرجان، وأعطى الفرصة لأعداد كثيرة من المخرجين من خارج إيران بتصوير أفلامهم في إيران مثل فيلم الجانب الآخرللريح للمخرج أورسن ويلز.

لكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً، وبدأت السينما في التراجع مرة ثانية، مع اقتراب الثورة الإسلامية في إيران للإطاحة بنظام الشاه، في إحدى أيام شهر أغسطس (آب) 1978، حدث حريق في سينما «ريكس»، وكانت النتيجة هي وفاة 400 شخصًا، وتضاربت الأقوال وقتها حول من قام بهذا الحريق، وقد أعلن بعد ذلك أن مجموعة من المتشددين الإسلاميين قامت بهذا العمل.

صورة من حريق سينما ريكس

وبدأت النظرة للسينما تتغيير، وأصبح النظر إليها بأنها رمز من رموز نظام الشاه إيران والنظام الغربي، وقد أسفر ذلك عن إحراق 180دار عرض سينمائي في إيران، وفي عام 1983أنشئت «مؤسسة الفارابي» للرقابة على الأفلام السينمائية، ومنعت بعض الأفلام الإيرانية من العرض؛ لأنها مخالفة للنظام الإسلامي الجديد، وفي منتصف الثمانينات، بدأت سياسة الدولة تتغير نحو السينما في إيران، وبدأت في دعم الأفلام المحلية الإيرانية، لكن هذا لم يغير شيئًا، ولا تزال الرقابة موجودة لتمنع عرض الكثير من الأفلام، في خلال هذه الفترة .

السينما الإيرانية بشكل جديد على الساحة

تعتبر مرحلة التسعينات أفضل مراحل السينما في إيران، فكانت البداية في عام 1990مع فيلم كلوز آب للمخرج عباس كيارستمي، وعلى الرغم من هذا لم يكن الفيلم الأول له، فقد سبقه قبل ذلك أفلام كثيرة مثل فيلم «أين منزل الصديق؟»، الذي أنتج في عام 1987، بالإضافة إلى أفضل أفلام «كيارستمي»، وهو فيلم «طعم الكرز»، والذي حصل فيه على جائزة السعفة الذهبية في عام 1997. وهناك أيضًا أفلام أنتجت في هذه الفترة، مثل فيلم «لون الفردوس» من إخراج مجيد مجيدي وقد حصل هذا الفيلم على الجائزة الذهبية لأفضل فيلم في مهرجان مونتريال السينمائي الدولي، وغيرها من الأفلام.

فيلم «طعم الكرز»

وفي بداية الألفينات ظلت السينما الإيرانية مستمرة في ازدهارها، وكانت البداية مع فيلم «قندهار» للمخرج محسن مخملباف، والذي يحكي قصة فتاة تأتي من أمريكا إلى أفغانستان؛ لتبحث عن أختها التي أرسلت لها رسالة كتبت فيها بأنها ستنتحر، وقد حصل هذا الفيلم على جائزة «لجنة التحكيم السينمائي» من مهرجان كان، ويري النقاد أن السبب وراء نجاح هذا الفيلم، وحصوله على جائزة هو وقت عرض الفيلم؛ خاصة أن الفيلم ظهر للنور بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ ليوضح مدى الحياة البائسة التي تعيش فيها أفغانستان، خلال «حكم طالبان».

برومو فيلم «قندهار»

وهناك أيضًا فيلم رجم ثريا، وهو مأخوذ عن قصة حقيقية حدثت في إيران، ولعل من أبرز أفلام هذه المرحلة هو فيلم انفصال الذي حصل على العديد من الجوائز، منها جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي في عام 2012، بالإضافة إلى ترشيح الفيلم لبعض الجوائز الأخرى.

https://youtu.be/rI5SSjwhX9g

فيلم «رجم ثريا»

يشار إلى أن إيران تنتج تقريبًا كل عام 80فيلمًا، ويقال أيضًا إن الحكومة تسمح بميزانية بنسبة 10% للأفلام التي تنتج في إيران، بالإضافة إلى أن نسبة 30إلى 40% من هذه الأفلام، تنفذ أيضًا بمساعدة الدولة، بالإضافة إلى هيئات ثقافية ومؤسسات أخرى، وتـسـاعـد وزارة الـثـقـافـة الأفــلام غير الجماهيرية، في توزيعها هذا الكلام حسب مجلة «السينما العربية»، طبقًا لتصريح الناقد السينمائي «أميد روحاني» من طهران.

لماذا نجحت السينما الإيرانية الجديدة؟

لا نستطيع أن ننكر أن الأحداث التي مرت بالسينما في إيران، والاضطرابات التي عاشت فيها إيران كان لها التأثير الأكبر على السينما؛ خاصة أن هناك الكثير من الأفلام التي منع عرضها، ولم نتعرف عن السينما في إيران غير في مرحلة قصيرة، تقريبًا في التسعينات؛ والسبب هو ظهور الأفلام الإيرانية في المهرجانات والحصول على جوائز.

فيلم «لون الفردوس»

في تقرير لصحيفة «عكاظ» رأت فيه سبب نجاح السينما الإيرانية الجديدة؛ هي محاولة السينما الإيرانية جعل نفسها ذات طابع مستقل بها «من خلال استخدام لغة وطريقة مختلفة في سرد أحداث الفيلم، والاهتمام بأشياء مميزة مثال ذلك: الحضور الديني الدائم في أغلب الأفلام الإيرانية، وعدم وجود فيلم يخلو من مشهد صلاة أو صوت آذان»، ويضيف التقرير بأن من أسباب نجاحه أيضًا «هي الالتقاط المبهر، الذي تقوم به الكاميرا للتعبير عن أبعاد معينة داخل نسق الفيلم، فهي سينما تعتمد على الإيحاء والترميز، من خلال توظيف الكاميرا»، وجعل المشاهد يشعر بأنه أمام مشاهد حقيقية تحدث على أرض الواقع، وليست مشاهد سينمائية.

ويشير التقرير أيضًا إلى أنه «غالبًا ما تكون الفكرة والقصة في السينما الإيرانية متشكلة من أبعاد عدة، وتحمل عمقًا فلسفيًا، سواء في السيناريو، أو في الشخصيات»، بالإضافة إلى تنوُّع الأبعاد في الفيلم ما بين فكرية واجتماعية وسياسية وروحية، ولعل أفلام المخرج مجيد مجيدي خير دليل على ذلك، مثل فيلم «لون الفردوس»، و«أطفال السماء».

ليبقى السؤال: هل نجحت السينما الإيرانية تحت مظلة الحكم الإسلامي في إيران في تحقيق أهدافها أفضل من الماضي أم لا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد