لم تشهد إسرائيل منذ عقود طويلة هذا التحدي؛ ففي الوقت الذي كانت الأوساط الإسرائيلية تحتفي، والأوساط الفلسطينية تتخوف مما وجدته «هرولة» من رموز «عرب 48» نحو الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، والتخلي عن القضية الفلسطينية كليًا، فاجأ عرب الداخل المحتل إسرائيل والعالم بانتفاضتهم في وجه الإسرائيلي، والتضامن مع أهل القدس وغزة، في مقدمة هؤلاء كان عرب مدينة اللد، تلك المدينة التي يمتد تاريخها إلى آلاف السنين. 

 

اللد تضرب بجذورها في التاريخ القديم

تعود أصول مدينة اللد إلى عصور ما قبل الميلاد، ففي عام 1928، حيث عثر في مغارة شقبة التي تقع في وادي البطوف – على بعد 10 كيلومترات من مدينة اللد – على آثار تاريخية تشير إلى مرحلة انتقال الإنسان من حياة الكهوف والصيد إلى عصر الزراعة والاستقرار في القرى؛ ما جعل المؤرخين يرجعون تاريخ المدينة 12 ألف عامًا قبل الميلاد، كما وُجدت قرب المدينة أوان فخارية تعود إلى 9000 عام قبل الميلاد.

ويعود أقدم سجل مكتوب عن المدينة إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، حيث حملت المدينة اسم «الرتن»، وذكرت في قائمة وضعها الملك الفرعوني تحتمس الثالث للبلاد، حيث كانت المدينة مركزًا للدارسين والتجار من مختلف الأماكن، وبعد أن سيطر عليها اليهود لفترات وجيزة، خضعت المدينة لسيطرة الرومان، حيث حملت اسم ديوسبوليس التي تعني مدينة زيوس (إله اليونان العظيم)، ويذكر المؤرخ الروماني يوسيفوس فلافيوس ضمن تأريخه لتلك الفترة في القرن الأول الميلادي أن اللد كانت «قرية لا يقل حجمها عن حجم مدينة».

احتلت القدس أهمية كبرى في التاريخ المسيحي، ويقال إن القديس بطرس قد زارها للتبشير بالمسيحية، حيث وُلد في المدينة من سيعرف باسم القديس جاورجيوس لعائلة متنفذة من الأعيان، ولما شب جاورجيوس اعتنق المسيحية، وجاهر بها وأخذ يُدعو إليها، فأمر الإمبراطور ديوكليتيان بقتله، ولما اعتنق الإمبراطور الروماني قسطنطين المسيحية، قام بتكوين جاورجيوس وأقام كنيسة باسمه في المدينة، وتعتبر هذه الكنيسة من معالم المدينة، وقد أعيد بناؤها وترميمها في العصر العثماني.

حين فتح المسلمون فلسطين في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب، أعيد إليها اسمها القديم «للد»، وقد جعل القائد عمرو بن العاص من المدينة عاصمة لجند فلسطين، واستمرت كذلك حتى عام 715م حينما قام الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك – والذي كان حينا واليًا على فلسطين في عهد أخيه الوليد بن عبد الملك – بتأسيس مدينة الرملة قريبًا منها.

تم احتلال المدينة من قبل الصليبيين عام 1099م في طريقهم إلى القدس، ثم استعادها صلاح الدين، وأمر بتدمير حصونها؛ حتى لا يستفيد منها الصليبيون مرة أخرى، وقد استضافت المدينة بداية المفاوضات بين المسلمين والصليبيين، ولكن تلك المفاوضات لم تنجح، ليحتل الصليبيون المدينة مرة أخرى، إلى أن تمكن السلطان المملوكي الظاهر بيبرس من استعادتها عام 1267م، وأصبحت اللد مركزًا من مراكز البريد بين دمشق وغزة.

خضعت اللد للسيطرة العثمانية علي يد السلطان سليم الأول، ولم تحتل المدينة مكانة كبرى في عصر العثمانيين باستثناء كونها مركزًا للسياحة الدينية بسبب وجود كنيسة القديس جاورجيوس فيها، وقد وصفها الرحالة الفرنسي فورني في ذلك الوقت بأنها «تشبه اليوم مكانًا أشعل فيه العدو النار. ومع ذلك تقام فيها سوق يتوافد إليها أهل القرى المجاورة لبيع القطن المغزول».

«مذبحة صهيونية» بحق سكان اللد

في عام 1917، إبان الحرب العالمية الأولى، انتهت السيطرة العثمانية على اللد، ودخلتها القوات البريطانية لتستمر في السيطرة عليها طيلة 31 عامًا، ومنذ ذلك العهد أخذت المدينة تتوسع وتتضاعف أهميتها نتيجة مرور خط سكة حديد القنطرة – حيفا فيها منذ عام 1919، ثم أقام البريطانيون «فليهلما»، والذي تحول اسمه لاحقًا إلى مطار اللد، ليصير المطار الدولي لفلسطين، وتشير الإحصاءات أنه بحلول عام 1946، كان عدد سكان المدينة يقارب 20 ألف نسمة.

في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1948، تبني مجلس الأمن الدولي قرارًا يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة للعرب وأخرى لليهود بعد انتهاء الانتداب البريطاني عليها، كان من المفترض – وفقًا لذلك القرار – أن تكون اللد جزءًا من أراضي الدولة الفلسطينية الجديدة، إلا أن العصابات الإسرائيلية لم تلتزم بذلك، وكتب بن غوريون – مؤسس إسرائيل وأول رئيس وزراء لها – أن حدود دولته الجديدة «ستحددها القوة العسكرية وليس قرار التقسيم»، وشنت الفرق الصهيونية حملات عنيفة لانتزاع أراضي المدينة بالقوة من العرب؛ لتصير اللد من المدن التي شهدت أكبر حملات التهجير الجماعي في ذلك الوقت.

 

ارتكبت العصابات الصهيونية في اللد مجزرةً راح ضحيتها في أول أيام الهجوم 426 فلسطيني، لم يفرقوا في ذلك بين رجل أو امرأة أو طفل، وقد وصف صحفيان من «نيويورك تايمز» – كانا شاهدي عيان على المجزرة – تلك الأحداث بالقول: «عمليًا، لقد قتلوا كل شيء في طريقهم. كانت أشلاء الجثث ملقاةً على جانبي الطريق.. تناثرت جثث العرب من رجال ونساء وحتى أطفال في أعقاب المجزرة التي تم ارتكابها بلا رحمة».

وفي اليوم التالي طاف الجنود الإسرائيليون بالمنازل، وطردوا عشرات آلاف الفلسطينيين خارج المدينة إلى الضفة الغربية، وقد وصف المؤرخ الفلسطيني سبيرو منير ذلك المشهد بالقول: «ذهب الجنود الصهاينة إلى المنازل في المناطق التي احتلوها، جمعوا السكان وطردوهم. امتلأت الشوارع بالناس المتجهين إلى مصيرٍ مجهول».

بعد تلك المذبحة لم يبق من السكان الفلسطينيين في المدينة سوى ألف شخص فقط (من أصل نحو 20 ألف نسمة)، وقد حرص القادة الإسرائيليون على إغراق المدينة بالمستوطنين، فبعد عام واحد فقط، في نهاية 1949، بلغ عدد سكان اللد أكثر من 10 آلاف شخص، كان 90% منهم من المستوطنين اليهود المهاجرين حديثًا، ويبلغ عدد سكان اللد اليوم نحو 77 ألف نسمة، وفقًا لآخر إحصاء سكاني إسرائيلي، وتشير التقديرات إلى أن عدد السكان العرب يبلغ من ربع إلى ثلث السكان.

اللد تنتفض في وجه إسرائيل

في 11 مايو (أيار) الجاري شارك أبناء اللد في مسيرة سلمية تضامنًا مع أهالي حي الشيخ جراح، واحتجاجًا على اعتداءات الجنود الإسرائيليين والمستوطنين بحق المسجد الأقصى، كجزء من حركة شعبية أكبر عمت كثيرًا من مدن الداخل الفلسطيني (عرب 48)، وقد تعرضت المظاهرة لقمع الجنود والفلسطينيين الذين قتلوا شابًا عربيًا، وأصابوا اثنين آخرين.

على أثر ذلك اندلعت احتجاجات عربية واسعة في المدينة، وبدعم من أعضاء كنيست متطرفين، انتقل عشرات المستوطنين إلى المدينة للاشتباك مع العرب، الذين اشتبكوا مع اليهود، وقام المنتفضون العرب بالتصدي لهجمات الإسرائيليين، كما هاجموا عشرات السيارات للمستوطنين فضلًا عن منشآت ومقرات السيطرة الحكومية والشرطة.

أمام هذه «الانتفاضة» العربية غير المسبوقة منذ عقود، اضطرت الشرطة الإسرائيلية إلى إخلاء عائلات المستوطنين خوفًا على حياتهم من الهجمات الانتقامية، وصرح رئيس بلدية اللد أنه «تم فقدان السيطرة كليًا على المدينة» معتبرًا أن ما يحدث هو «حرب أهلية بين العرب واليهود»؛ ما اضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع بيني جانتس إلى التدخل لفرض حالة الطوارئ في المدينة، واستدعاء قوات من سلاح «حرس الحدود» من مدن الضفة الغربية إلى اللد للسيطرة على الأوضاع.

ويعاني سكان اللد منذ حرب 1948 من تهميش متعمد من قبل الحكومة الإسرائيلية، حيث حرصت على الإبقاء على السكان العرب أقلية، ودعمت انتقال المستوطنين اليهود إلى مركز مدينة اللد، وباعت لهم فيها أراضي بأسعار زهيدة ودعمت تطوير الأحياء اليهودية في الوقت الذي ظلت فيه الأحياء العربية فقيرة ومهمشة. وصممت الحكومة الإسرائيلية جدران «فصل عنصري» لعزل الأحياء العربية عن الأحياء اليهودية.

هذا الوضع الفريد في اللد وغيرها من المدن العربية دفع الكثير من الساسة في تل أبيب إلى اعتبار أن ما يحدث «تهديد وجودي لإسرائيل»، كما أنه وفي تصرف فريد من نوعه أصدر «جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك)» بيانًا أعلن فيه أنه سيضطر للتدخل «للعمل جنبًا إلى جنب مع الشرطة المدنية لوقف العنف بين العرب واليهود»، كما طالب الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين قيادات «عرب 48» بالتدخل لوضع حد لما وصفه بـ«العنف الذي يمزق المجتمع».

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهرين
«رجل المستحيل».. لماذا أطلقت حماس اسم يحيى عياش على أخطر صواريخها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد