منذ تسعينيات القرن الماضي، كانت أخبار قراصنة الصومال التي تناولتها وسائل الإعلام، مفزعة ترجف القلوب. قراصنة يسيطرون على سواحل الصومال ومياه المحيط الهندي، يهاجمون السفن والبحارة، يحتجزون الرهائن. قلة هم الناجون، وقليلة هي قصصهم. كان الاحتجاز في مقابل فدية مالية. إلا أنه قد يدوم لسنوات. يقول أحد الناجين إنهم اضطروا لأكل الفئران، خمس سنوات، للبقاء على قيد الحياة. وبقدر ما كانت قصص الناجين تبث الرعب في النفوس. كان تاريخ القرصنة يشعل الحماسة في نفوس صانعي الأفلام والحكايات؛ فيتناولونه في شكلٍ فانتازي. وكأن القرصنة خيالًا يشبه الأساطير عن عودة الموتى وغضب البحر. لكن هل كان للقرصنة يومًا تاريخًا حقيقيًّا؟

«تورغوت باشا».. الأمير العثماني الذي حرر ليبيا من سطوة فرسان مالطا

«البحر الأبيض المتوسط».. شاهد على القراصنة القدماء

في التاريخ، يقولون عن القرصنة إنها عملية مهاجمة سفينة أو سرقتها. ويأتي أقدم ما عرفناه عنها، من رسائل تل العمارة. إذ كان ذلك في عهد الفرعون المصري إخناتون (1353- 1336) قبل الميلاد. فممالك الشرق الأدنى القديم ومصر تبادلا  المراسلات، وذلك بعدما تعرضت السفن التي تبحر في البحر المتوسط شمال أفريقيا لهجمات القراصنة. اتهم الملك إخناتون في إحدى هذه المراسلات الممالك القبرصية بتقديم المساعدة والدعم للقراصنة في آسيا الصغرى، وقد كانوا يهاجمون مدن الملك المصري الساحلية.

في ذلك الوقت كان القراصنة يعيشون على سواحل صقلية، ويستخدمون القوارب الصغيرة ذات الحركة الخفيفة في أعمال القرصنة. يهاجمون السفن المارة في المياه البحرية القريبة، كما لم تنج منهم الموانئ ذات الدفاعات الضعيفة. يعرفهم التاريخ باسم «أقوام البحر»؛ هكذا ذكرتهم المتون المصرية التي يرجع عهدها إلى الدولة الحديثة. إذ كان هناك صعوبة في تحديد قومية محددة لقراصنة الشرق الأدنى القديم.

يرجح المؤرخون في «موسوعة مصر القديمة: الجزء السابع»، أنهم أقوام متعددة، سكنوا أجزاءً مختلفة من آسيا الصغرى؛ وذلك يرجع إلى صعوبة تحديد موطنهم الأصلي. وقد أتى «أقوام البحر»، نتيجة هجرات متعددة ودورية لشعوبٍ سكنوا البلقان، وتراقيا، وآسيا الصغرى، وتألفت منهم بلاد لوبيا التي عرفت بـ«أقوام البحر الأبيض المتوسط»، وخرجوا في حملات قرصنة على مصر وسوريا.

وقد شملت النصوص المصرية القديمة الكثير من نقوش النصر على أقوام لوبيا، والاحتفاء بشجاعة الملك مرنبتاح، فنجد في نقوش «معبد الكرنك»، ذكر النصر الذي أحرزه مرنتباح في لوبيا أو «أراضي لوكا»، كما تعرفها بعض المصادر؛ بعدما تمكن مرنبتاح من وقف زحف الشماليين. «كل الآلهة دروعه، وكل مملكة في خوفٍ عند النظر إليه»، هكذا تحدثت النصوص عن الملك المصري.

«تركت الأراضي لتكون مرعى للماشية، بسبب أقوام «الأقواس التسعة»، وقد تركت خرابًا منذ زمن الأجداد، كل ملوك الوجه القبلي يسكنون في أهرامهم، وملوك الوجه البحري ظلوا في وسط مدنهم محصورين في القصر الحكومي لقلة الجنود». *موسوعة مصر القديمة عن اعتداء اللوبيين -نقوش الكرنك

في النقوش القديمة، نجد ذكر قوم «الثكر» وهم أحد أقوام البحر التسعة، كما وردت في المصادر المصرية، الذين هاجموا مصر وسوريا في عهد «رعمسيس الثالث»، وكانوا من سكان الجزر، ويحكمون دولة دور الواقعة على الساحل الفينيقي. وقد عُرف عنهم أنهم «قراصنة بحر»، إلا أنهم لم يهاجموا مصر من جهة البحر فقط، بل تعدوا ذلك إلى هجوم بري قاصدين به التوجه شمالي سوريا.  وقد تصدى لهم رعمسيس الثالث برًّا وبحرًا وانتهى غزوهم بتفرق قبائلهم، واستقرار سكانها مسالمين في أرجاء البحر المتوسط.

(القرصنة قديمًا)

أما عن القرصنة في عصر الإغريق، فلم تختلف كثيرًا عن عصر الفراعنة؛ إذ سكن أقوام البحر ساحل الآخيين، وعاشوا على القرصنة البحرية، واستخدموا فيها قوارب صغيرة ضيقة، لا تتسع لأكثر من 25 شخصًا. أطلق الإغريق على تلك القوارب اسم «كاماري». وكان القراصنة يعدون أساطيل صغيرة بهذه «الكاماري»، ويغيرون على السفن التجارية الكبرى. وفي أحيان أخرى يغيرون على مدينة أو بلدٍ بأكلمه. وبتلك الطريقة سيطروا على البحارِ في العصور القديمة.

وفي عصر الرومان تلقى القراصنة العون من سكان البسبور؛ إذ قدموا لهم المراسي والأسواق لبيع غنائمهم من السرقات. وفي ساحل الآخيين المفتقر للمراسي، كان القراصنة بعد عودتهم من الغارات يحملون سفنهم على أكتافهم، ويدخلون بها إلى الغابات، حيث مساكنهم وأراضيهم الشحيحة. وعندما يحين موعد الإبحار، يحمل البحارة سفنهم على أكتافهم مرةً أخرى إلى البحر.

بالطريقة ذاتها احترف القراصنة تجارة العبيد؛ ففي المدن التي عرفوا فيها أماكن الغابات، كانوا يحملون سفنهم ويخفونها بين الأشجار، وفي الليل يخرجون للسطو واختطاف الناس. ومن ثم يحملونهم إلى أماكن كاماراتهم. وكانوا يخيرون المخطوف ما بين دفع الفدية أو الذهاب معهم عبدًا. بعدها يخرجون إلى عرض البحر متجهين إلى أسواق بيع غنائمهم. هكذا عاش أقوام البحر في العصور القديمة وحتى العصور الوسطى.

أعمال بطولية.. قرصنة نهاية العصور الوسطى وبداية عصر النهضة

إذا كانت قرصنة القدماء قد تميزت ببيع العبيد، واشتهرت بالسرقة والاختطاف؛ فإن قرصنة العصور الوسطى قد اتخذت طابعًا مختلفًا، يحمل سمات البطولة، وذلك عن طريق قرصانين، هما: جون وارد وخير الدين بربروس.

«جاك سبارو».. القرصان الذي أنقذ المسلمين خلال سقوط الأندلس

«اذهب إلى ملك إنجلترا وأخبره، إذا كان له كل ملك الأرض، فسوف أمتلك البحر». *جون وارد

ربما شاهدنا جميعًا فيلم «قراصنة الكاريبي»، ورأينا فيه شخصية «جاك سبارو» التي جسدها الفنان جوني ديب، قرصانًا سكيرًا، ماهرًا في مهنته، يحارب الموتى الأحياء، ويحفظ خرائط البحر وأماكن كنوزه. إلا أن شخصية سبارو لم تكن من وحي خيال المؤلف؛ إذ يعتقد البعض أنها مقتبسة عن شخصية القرصان جون وارد.

ولد وارد في عائلةٍ فقيرة بالمملكة المتحدة، وقضى حياته المبكرة يشتغل بالصيد في مدينة كينت. وقد كان في شبابه سكيرًا يحلم بتكوين ثروة طائلة. جاءت فرصته عندما أصدرت الملكة إليزابيث تراخيص تقنن بعض أشكال القرصنة، تلك التي تستهدف السفن الإسبانية المكروهة لدى الإنجليز. وكان وارد واحدًا من البحارة الذين سعوا للحصول على هذه التراخيص.

كانت العصور الوسطى هي العصر الذهبي للقرصنة، وكانت حياة القرصان بسيطة؛ إذ يحصل التاج البريطاني على 5% من المسروقات، في حين يحصل عملاء الأميرالية – وهي قيادة البحرية الملكية البريطانية- على نسبة 10%. أما الباقي، فيقسم ما بين القرصان وطاقمه. في ذلك الوقت، نجح وارد في أن يصبح قائدًا خاصًّا، وتعلم خلال ذلك حيل القرصنة. وقد استمر في هذا العمل حتى صيف عام 1604؛ عندما انتهت الحرب الأنجلو- إسبانية، ما بين التاج البريطاني وإسبانيا، ولم تعد البحرية البريطانية في حاجة إلى قراصنة؛ إذ حظرت البعثات الاستكشافية الخاصة، ووجد وارد نفسه عاطلًا عن العمل.

«أين ذهبت تلك الأيام، حين كان بإمكاننا الغناء واللعن والشرب حد السكر. حين كنا نقتل الرجال ببساطة تشبه قتل صانع الكعك للذباب». *جون وارد -أرشيف «بي بي سي» التاريخي

يقول وارد عن مهنته: «كان البحر كله إمبراطوريتنا»، ولهذا لم يستطع التخلي عن تاجه، وعندما سمع أن هناك سفينة تجارية صغيرة ترسو في ميناء بورتسموث، أقنع طاقمه بالاستيلاء عليها والإبحار في القناة الإنجليزية. حينها اقتحموا السفينة الصغيرة وحققوا نجاحهم الأول. بعدها استولى وارد على سفينة فرنسية كبيرة، وأنشأ فريقًا كبيرًا من البحارة وتوجهوا إلى البحر الأبيض المتوسط وبعد عدة هجمات ناجحة، اتجه وارد إلى مدينة تونس العربية، والتي كان يحكمها قائد الجنود الإنكشارية عثمان داي التابع للسلطان العثماني.

عندها كان لدى عثمان داي مجموعة من الفرسان الذين يفترسون البحر ويتخذون من تونس قاعدة لهم، وقد رأى القائد في شخصية وارد قرصانًا ماهرًا يمكن أن ينضم إليهم. في عام 1610 أعلن وارد إسلامه وقرر الاستقرار في تونس هو ورجاله، وسمى نفسه يوسف ريس، وقد تزوج هناك للمرة الثانية؛ إذ كان لديه زوجة أولى في بريطانيا، وعاش هناك في ثراء، عضوًا في البحرية العثمانية حتى مات.

يقول البعض عن وارد، إنه في أثناء سقوط الأندلس، لعب دورًا مهمًّا في إنقاذ المسلمين واليهود الهاربين من جحيم محاكم التفتيش. إذ أجبر المسلمون حينها في إسبانيا على اعتناق المسيحية أو القتل، واضطر الكثير منهم إلى الهرب، بعضهم فرَّ عن طريق البحر. وكان من أنقذهم هو جون وارد بحسب بعض الروايات.

خير الدين بربروس.. قرصان الإمبراطورية العثمانية

لم تكن شخصية جاك سبارو وحدها هي المستوحاة من تاريخ القرصنة إبان المد العثماني، بل كان هناك القرصان «بربروسا» والذي رأيناه في فيلم «قراصنة الكاريبي»، كشخصية ماكرة، كل ما يهمها هو النهب والسرقات. في الحقيقة، كانت تلك الشخصية مقتبسة عن حياة أحد قادة الأساطيل العثمانية.

اسمه الأصلي هو خضر بن يوسف بن يعقوب التركي، وقد لقبه السلطان سليم الأول بـ«خير الدين»، وعُرف في المصادر الأجنبية باسم خير الدين «بربروس» نظرًا إلى لحيته الحمراء. وقد ورث خير الدين عن أخيه أسطولًا ضخمًا قوامه عدة آلاف من القراصنة. في ذلك الوقت كان بربروس شابًا طموحًا، أمامه طريقان، إما أن يواصل طريقه في القرصنة، ويعلن نفسه أميرًا للجزائر بعد وفاة أخيه، وإما أن ينضم إلى الباب العالي، ويتنازل عن طموحاته في الجزائر للسلطان التركي.

(صورة لأسطول خير الدين بربروس)

اختار بربروس الطريق الثاني، وأصبح فيما بعد أحد أكبر قادة الأساطيل العثمانية. لكن إن كان لجون وارد نصيب قليل في إنقاذ مسلمي الأندلس، فقد كان لبربروس النصيب الأكبر في إنقاذ آلاف المهاجرين؛ إذ عمل البحار في أثناء شبابه مع والده وأخيه في التجارة البحرية، بعدها تحولوا جميعًا إلى بحارة مجاهدين في مواجهة فرسان القديس يوحنا. وقد استطاعوا التصدي للحملات العسكرية الصليبية في شمال أفريقيا.

وإبان سقوط غرناطة، وبعدما تعرض المسلمين هناك للتهجير والتنكيل، استطاع بربروس إنقاذ ما يقرب من 70 ألف من المهاجرين والأسرى الأندلسيين، ونقلهم إلى الجزائر وتونس. إلا أن المصادر الغربية ترجع تصرف بربروس إلى الحقد الدفين، عن ذلك يقول ياتسيك ماخوفسكى في كتابه «تاريخ القرصنة في العالم»، إن «أميرالات بربروس كانوا يشعرون دائمًا بالحسرة والغم لافتقادهم إلى قاعدة برية دائمة لهم، خاصةً مع عدم تمكنهم من العودة إلى ميناء الجزائر، وذلك لاحتفاظ الإسبان بقلعتهم الحصينة في جزيرة بنيون. وعندما استولوا عليها دفعهم الحقد لهدم القلعة كاملة».

أما المصادر العربية، فتقول عن تلك المعركة الأولى، إن بربروس أراد اقتناص تلك القلعة من يد الإسبان، بعدما ضربوا حصارًا على الجزائر. وقد تمكن من تحرير تلك الجزيرة من حصار الإسبان تحت راية الخلافة العثمانية. ومن ثم أتم تحرير الجزائر كاملةً، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يطلق فيها اسم الجزائر على المغرب الأوسط.

قرصنة العصر الحديث.. الصومال مثالًا

بدأت قرصنة الصومال في تسعينيات القرن الماضي؛ نتيجة للحرب الأهلية الصومالية؛ إذ سيطر القراصنة على منطقة القرن الأفريقي، وشكلوا خطرًا على عمليات النقل البحري في المحيط الهندي وسواحل الصومال. وقد عرف عن قراصنة الصومال قدرتهم على التنظيم ومهاجمة السفن المارة عبر منطقة القرن الأفريقي، واختطاف البحارة واحتجازهم، من أجل طلب فدية.

طوال ذلك الوقت، انتشرت قصص المختطفين عبر وسائل الإعلام المختلفة، يروون  عن الأهوال التي لاقوها في أثناء احتجازهم لدى القراصنة الصوماليين؛ يقول أحدهم إنهم احتجزوه 977 يومًا في مدينة جالكايو بوسط الصومال، ويضيف: «كل يوم كنت أفكر في اختطاف البندقية من حارسي وأتساءل كم منهم سأقتل قبل أن يقتلوني». كانت هذه هي قصة اختطاف الكاتب مايكل سكوت مور من قبل الصوماليين. وقد اختطف مور في أثناء وجوده في الصومال من أجل الكتابة عن القراصنة عام 2012.

لم تكن تلك هي القصة الوحيدة التي تداولتها وسائل الإعلام؛ إذ روى البحار الفلبيني أرنيل بالبيرو لوكالة «بي بي سي» الإخبارية، عن احتجازه هو وزملائه مدة خمس سنوات، شعروا فيها كأنهم أموات، وقد اضطروا لأكل الفئران للبقاء على قيد الحياة، قائلًا إنهم لم يحصلوا سوى على كميات قليلة من الماء لم تكن تكفيهم.

في قرصنة العصر الحديث، لا يفرج القراصنة عن ضحاياهم إلا بالحصول على الفدية المالية المناسبة. وتشير «الجزيرة» إلى احتجاز حوالي 3741 شخص من قبل القراصنة الصوماليين في الفترة ما بين 2005 وحتى 2013، وقد وصل عدد السفن المختطفة عام 2009 وحده إلى 46 سفينة، ووصل في عام 2010 إلى 47.

أما عن الأسباب التي دفعت بعض الصوماليين إلى امتهان القرصنة، فقد كان أولها هو القحط والمجاعة التي لحقت بالصومال، إبان الحرب الأهلية. عن ذلك يقول أحد القراصنة إنه عمل صيادًا لفترة طويلة، إلا أن شباكه قد تدمرت بفعل زورق صيد غير قانوني. حينها لم يتبق له أي من المعدات ليعمل عليها، يقول الرجل إن النشاط الذي بدأ بوصفه فعلًا دفاعيًّا ضد سفن الصيد الكبيرة التي كانت تمارس نشاطها في السواحل الصومالية؛ قد تحول فيما بعد إلى تجارة رائجة غير شرعية، وتحول الدفاع إلى قرصنة على السفن التجارية واحتجازها، وذلك سعيًا للحصول على فدى مقابل إطلاق سراحها.

لكن الفقر لم يكن وحده هو الدافع؛ إذ اجتذبت هذه المهنة أفراد المليشيات السابقين، ممن حاربوا لصالح زعماء الحرب الأهلية الصومالية طويلة الأمد، وقد كان تكوين الثروات هو المحرك الرئيسي لنمو ظاهرة القرصنة وانتشارها منذ التسعينيات وحتى الآن.

بين محاكم التفتيش والإطعام القسري.. كيف غامر مسلمو الأندلس بصيام رمضان؟

المصادر

تحميل المزيد