774

أمس الأول وفي أول قاعة عرض سينمائي افتُتحت بالمملكة العربية السعودية، أُطفئت الأنوار، وبدأ عرض أول للفيلم الهوليودي «Black panther». كان العرض خاصًا جدًا، بدعواتٍ محدودة لمجموعة قليلة من السعوديين، إلا أنه أعلن بوضوح انتهاء عقود من منع السينما، وحرق قاعات العرض بالمملكة العربية.

كانت الأفلام السينمائية منذ ثمانينات القرن الماضي، وحتى أسابيع قليلة من تاريخ المملكة، تُهرب كالمخدرات، إلا أن السلطات السعودية صرحت أنه، ومن اليوم الموافق الخميس 19 أبريل (نيسان)، سيتمكن الجمهور السعودي من حجز تذاكر العروض السينمائية ليوم الجمعة، وهو الأمر الذي من الممكن أن يتأجل بضعة أيام، نظرًا لخضوع الأفلام المعروضة للعرض على مجموعة من الرقباء الحكوميين؛ لاختيار المناسب منها، وهو الأمر الذي لم يسلم منه حتى فيلم العرض الخاص؛ إذ تم قطع مشهد أخير منه يتضمن قبلة، لكن ماذا عن وضع السينما ما قبل ثمانينات القرن الماضي؟ وهل كانت هناك دور عرض سينمائي بالمملكة العربية مُنعت بالقوة؟

السينما السعودية.. من «أحواش المنازل» والنوادي والسفارات إلى قاعات العرض

أشار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في أكثر من حوارٍ صحافي وتلفزيوني إلى أن الحياة في المملكة العربية السعودية قبل ثمانينات القرن الماضي كانت أكثر انفتاحًا؛ إذ كانت المملكة تعرض الأفلام السينمائية في قاعات العرض، وكانت المرأة السعودية تتمتع ببعض الحريات، إلا أن حياة المجتمع السعودي قد شهدت تغيرًا جذريًا، وانغلاقًا وتشددًا دينيًا؛ أعقب قيام الثورة الإيرانية، والتي اتخذت طابعًا دينيًا إسلاميًا في نهاية السبعينات، مُلقيًا اللوم على تلك الثورة فيما تعاني منه المملكة اليوم.

صرح ابن سلمان أكثر من مرة أنه سيعيد السعودية لما كانت عليه قبل الثورة الإيرانية، وصعود تيار الصحوة الإسلامية بالمملكة – وهو تيار فكري متشدد انتشر في نهاية ثمانينات القرن الماضي بهدف معلن هو الحفاظ على العقيدة الإسلامية من التغريب – وهو الأمر الذي جعل الأمير الصغير يساند حصول المرأة السعودية على رخصة للقيادة، ويسمح بإقامة الحفلات الموسيقية، هذا إضافةً إلى افتتاح أول دار عرض سينمائي في المملكة أمس الأول، لكن ماذا عن دور العرض السينمائي التي تحدث عنها في سبعينات القرن الماضي؟

(السعودية في السبعينات)

يروي الكاتب والناقد السينمائي السعودي خالد ربيع السيد في كتابه «الفانوس السحري: قراءات في السينما» عن دور العرض السينمائي السعودية التي تربى عليها في مدينة الطائف قبل 35 عامًا، قائلًا: «والدي قد اعتاد على إقامة عرض سينمائي في بيتنا عصر كل خميس. كان يوم الخميس ومساؤه يعني لنا ولأهل الطائف عامةً مهرجان فرحًا تلقائيًا يلف المدينة من أقصاها إلى أقصاها»، مُشيرًا إلى أن والده اعتاد كل خميس على جلب ماكينة عرض الأفلام، إضافةً إلى كرات شرائط الأفلام مربوطة في ملاءاتٍ بيضاء، كتب عليها اسم الفيلم بخطٍ منمق، إلى جانب اسم البطل والبطلة.

قبل أن تصبح طي النسيان.. ذكريات المجتمع السعودي في زمن الصحوة

كانت دار العرض السينمائي في حي «معشي»، كما يصفها ربيع، عمارة ضخمة بيضاء مبنية على الطراز العثماني القديم، بنى مكونًا من أربعة طوابق، وفي كل طابق عدة غرف تكدست مئات الأفلام المحفوظة، كل ملفوف في غطاءٍ أبيض، ومدون عليه اسمه، في بكرات كبيرة بحجم عجلات قيادة السيارات، بعض هذه الغرف كان يستخدم لحفظ أجهزة العرض السينمائي، السماعات الكبيرة وأسلاك الكهرباء؛ إذ كان والده يصطحبه معه إلى بيت السينما هذا، كما أطلقوا عليه حينذاك، أسبوعيًا.

يحكي ربيع عن «عم عثمان السوداني» وابنه علي اللذين كانا يعيران والده الأفلام السينمائية وآلات العرض؛ ليستخدمها في منزله المتواضع بمدينة الطائف، في حين كانا يؤجرانها إلى الآخرين يومًا وليلة مقابل 20 ريالًا؛ إذ كان عم عثمان متعهدًا بتزويد سينما النادي العسكري التابع لقشلة الجيش السعودي بالأفلام.

كانت ساحات المنازل كلها، بحسبه، عبارة عن دور عرض سينمائي، قائلًا: «كنا نهيئ إحدى غرف البيت، نظلمها ونفرش بساطًا (حنبلًا) كبيرًا، بعدها ترسلنا أمي بدعوة الجارات وأطفالهن (الحريم)، وينتقل الخبر في الحارة: بيت عم ربيع عندهم اليوم سينما»، مُشيرًا إلى تجمع الأهالي في منزلهم لمشاهدة هذا السحر العجيب.

(دار عرض سينمائي في السبعينات بالسعودية)

أما عن دور العرض السينمائي حينذاك، فيشير ربيع إلى وجود أكثر من دار عرضٍ شعبية حينذاك، مثل سينما الششة، وسينما أبو الروس، وسينما حوش اليماني وسينما عكاظ، وكان رسم الدخول لا يتعدى ريالين أو ثلاثة ريالات، وفي تقرير نشر في مؤسسة عكاظ للصحافة والنشر بجدة، أشير إلى انتشار العديد من أحواش العرض السينمائي في منتصف القرن العشرين بالمملكة؛ إذ اشتهرت تلك الأحواش في منطقة البغدادية الشرقية، أو كما تعرف بـ«حارة الجماجمة»؛ وذلك لسيطرة آل جمجوم على معظم مساحات هذه المنطقة وتجارتها، هذا إلى جانب العديد من الأحواش المتفرقة في مدينة جدة، وكانت تلك الأحواش تعرف حينذاك بالسينما الشعبية.

على جانب آخر، كان سكان مكة المكرمة والحجاز والطائف زبائن دائمين لاستئجار الأفلام السينمائية وآلات العرض، والتي انتشر تجارها في كل منطقة من هذه المناطق؛ وذلك قبل أن تتحدد مشروعيتها من عدم مشروعيتها، بحسب التقرير، فانتشرت إلى جانب أحواش آل جمجوم، سينما باب الشريف، وسينما محمد أبو صفية في الهنداوية، وسينما خليل بغدادي في حي العمارية.

أما عن سينما النادي العسكري، والتي يصفها خالد ربيع في كتابه كأكثر دور العرض السينمائي رقيًا حينذاك، فهي دار حديثة وراقية، بناها الأمريكان على أحدث طراز حينذاك لتحاكي الصالات العالمية، وقد كانت الوحيدة حينذاك التي استخدمت آليات عرض غير بدائية؛ إذ كانت صالة مدرجة، ومقسمة إلى فئات، أما شاشتها فتعلو سطح مسرح مرتفع حوالي نصف المتر.

كانت القاعة كأي دار عرض سينمائي في العالم، بحسبه، تفتح بها الستائر الحمراء أتوماتيكيًا بواسطة الكهرباء؛ لتنذر ببدء العرض؛ ليظهر سطح الشاشة البيضاء، قبل أن يتلون بالصور المتحركة، مُشيرًا إلى أن القاعة كان فارهة حتى بمقاييس عصرنا الحالي، وكان أغلب روادها من الموظفين المرموقين، وبعض المدرسين والضباط الأمريكان والإنجليز المستشارين في وزارة الدفاع حينذاك؛ إذ كان سعر تذكرتها يصل إلى خمسة ريالات، وهو أكثر من ضعف ثمن تذكرة السينما الشعبية، إلا أن تلك الدار المنمقة قد اختفت من الوجود عام 1963؛ وذلك بعد أن أُحرقت عن آخرها على يد فاعل مجهول.

قبل أن تصبح السينما «محرمة».. هذه هي الأفلام التي أثرت في وجدان المجتمع السعودي

يروي علي فقندش في تقرير مؤسسة عكاظ عن ذاكرته السينمائية من تلك الحقبة التي ولت في المملكة السعودية قبل 35 عامًا قائلًا: «تربينا صغارًا على متابعة الأفلام السينمائية أولًا بأول من خلال هذه الأحواش الخاصة بالعروض، وهي التي كانت تقريبًا المنهل الحقيقي، وربما الوحيد لتثقيفنا سينمائيًا»، مُشيرًا إلى أنه كان يتابع في صغره من فيلمين إلى ثلاثة أفلام في اليوم الواحد، واصفًا التنوع في العروض السينمائية حينذاك بأنه كان يتابع فيلمًا عربيًا، وآخر أمريكيًا، وفي حالة وجود ثالث يكون أوروبيًا، أو هنديًا، ينتهي في الساعات الأولى من فجر اليوم التالي، وهو الأمر الذي أدى لمواكبة العالم حينذاك.

(تقرير عن تاريخ العرض السينمائي في المملكة)

يحكي فقندش عن العم عليان محمد شعبين، البالغ من العُمر 70 عامًا، والذي اعتبره مكتبة سينمائية تسير على قدمين؛ إذ ظل يعمل في مجال التأجير والعرض السينمائي، وذلك قبل أن تختفي تلك التجارة من المملكة، مُشيرًا إلى أن مدخل شارع الملك عبد العزيز كان يشهد عرض أفيشات الأفلام الجديدة بجرأة، من إنتاجات السينما العربية، تحديدًا السينما المصرية، والتي كان يتابعها بشغف أغلب الأهالي.

أما الأفلام الأجنبية فكانت تصل إلى المملكة عبر تجمعات شركة «أرامكو» للنفط – والتي كانت سابقًا تعرف باسم شركة ولاية كاليفورنيا – وكان العاملون بها من جنسياتٍ مختلفة هم أول من أدخل السينما للمجتمع السعودي؛ إذ قاموا بتركيب شاشات عرض كبيرة في مجمعاتهم السكنية خلال ثلاثينات القرن الماضي؛ ليتمكنوا من مشاهدة الأفلام الأمريكية والأوروبية، ومن تلك المجمعات السكنية، انتشرت دور السينما في المدن السعودية الرئيسة الأربع: الرياض، والطائف، وجدة، وأبها، ووصل عدد صالات العرض السينمائي في جدة وحدها إلى 30.

بيع «أرامكو المقدسة» يُرعب السعوديين من المُستقبل

أما الأفلام التي أثرت في وجدان المجتمع السعودي حينذاك، فيذكرها خالد ربيع في كتابه، مُشيرًا إلى أنه وأفراد أسرته والجيران قد شاهدوا بالفعل أغلب أفلام عبد الحليم حافظ، وإسماعيل ياسين وأنور وجدي، ومن تلك العروض حينذاك عرف فاتن حمامة وعماد حمدي، وفريد شوقي، وهو ما يدل على سيطرة السينما المصرية على دور العرض السعودية حينذاك.

يذكر ربيع بعض الأفلام بأسمائها، والتي مازالت حاضرة في ذاكرته حتى الآن، مثل: «السندباد البحري، وأمير الظلام، والوصايا العشر، وأبي فوق الشجرة»، كل هذا في زمنٍ لم يكن فيه التلفزيون موجودًا، بحسبه، مُشيرًا إلى أنه شاهد فرانك سيناترا لأول مرة كواحد من هؤلاء النجوم الذين علقوا في الذاكرة.

«كان نساء الحارة يحتشمن ويتلثمن خشية أن يراهن الممثلون الرجال الذين يظهرون أمامهم، وبكل تأكيد كن يدرن وجوههن ويضعن كفوفهن على خدودهن، ويطرقن برؤوسهن خجلات، إذا ما شاهدن مشهدًا عاطفيًا يجمع البطل والبطلة»، هكذا وصف ربيع ما يدور خلال العروض السينمائية في غرف العرض المغلقة، مُضيفًا أن المجتمع السعودي حينذاك كان يتعامل مع السينما كواقع حقيقي، ويبدي دهشته من النساء السعوديات اللواتي كن يغطين وجوههن عند ظهور فريد شوقي ورشدي أباظة، في حين لا يعبأن بعبد الحليم حافظ أو أنور وجدي إن رأين وجوههن مكشوفة.

«صناعة السينما السعودية».. وُئدت قبل أن تولد

بدأت بمحاولات منفردة ومتقطعة منذ العام 1977، وكان أولها قيام المخرج عبد الله المحيسن بتقديم فيلم «اغتيال مدينة» في مهرجان القاهرة السينمائي الثاني، وحصوله على جائزة أفضل فيلم قصير عنه *خالد ربيع السيد

إن كانت دور العرض السينمائي بالمملكة قد تواجدت بكثرة في النصف الأول من القرن الفائت، فماذا عن الإنتاج السينمائي؟

يجيب عن هذا السؤال خالد ربيع، ذاكرًا البدايات المتوترة لصناعة السينما السعودية، في فصلٍ كامل من كتابه قائلًا: «إن تلك الفترة من حياة صناعة السينما في المملكة يمكن الإشارة إليها بإرهاصات السينما السعودية، وذلك نظرًا إلى إمكاناتها المحدودة؛ إذ اتجهت الصناعة السينمائية في ذلك الوقت إلى الأفلام التسجيلية، إلى جانب السرد الروائي القصير».

يشير ربيع إلى أن فيلم «اغتيال مدينة»، والذي يعد بمثابة الخطوات السعودية الأولى نحو الإنتاج السينمائي، كان بمثابة معالجة تسجيلية لأحداث الحرب اللبنانية، قائلًا: «تميزت المعالجة برؤية سينمائية منطقية بعيدة عن إثارة النعرات الإقليمية، ونجحت كاميرته في التقاط مشاهد معبرة عن رفضه للعنف والحرب والدمار في لون من الرثاء لمدينة بيروت التي أحبها».

لكن لم تكن محاولة عبد المحيسن هي الأولى؛ إذ سبقتها محاولات أخرى، كان أولها فيلم «تأنيب الضمير»، عام 1966، والذي يعد بمثابة الإنتاج السينمائي الأول في المملكة العربية، فكان الأول الذي يتم تصويره بكاميرا تصوير سينمائي، وفي عام 1980 تم إنتاج فيلم «موعد مع المجهول»، والذي يعد أطول فيلم روائي سعودي، يحكي عن ضابط شرطة يكتشف أن مهمته الأخيرة هدفها اختبار استحقاقه بالترقية في العمل، ليكون من أواخر أعمال الإنتاج السعودي.

كان الإنتاج السينمائي في تلك المرحلة لا يتعدى كونه إنتاج عدد قليل من الأفلام الوثائقية، ساهمت شركة أرامكو للنفط في إنتاجها، وكان من بينها فيلم تسجيلي عن افتتاح أول بئر بترولي، حضر تصويره الملك عبد العزيز آل سعود بنفسه، إلا أن أحلام صناعة السينما السعودية قد تقلصت بعدها بوقتٍ كثير، وقبل أن تشهد حتى بداية حقيقية؛ إذ نتج عن التغيرات الدينية والاجتماعية في المملكة ثمانينات القرن الماضي، فتم إغلاق دور العرض السينمائي في وجه سكان المدن، كما أغلقت السفارات، والتي كانت في الماضي منفذًا تثقيفيًا للفن السابع، أبوابها للسكان المحليين، وبعدها أصبحت الأفلام مُحرمة، كما أصبح التصوير السينمائي في المملكة بالنسبة لكثيرين «جريمة أخلاقية».