تعود الأعمال الفنية والثقافية الهندية المكتوبة والمنحوتة، والتي تصف النشاط الجنسي  للإنسان وممارسته، إلى آلاف السنين، وتتمع الهند بتاريخ توثيقي حافل للمتعة الجنسية، وكيفية الاستفادة منها جسديًا ونفسيًا ورحيًا.

ولكن كذلك كان هُناك بعض التناقضات في تاريخ الهند مع الجنس؛ فمع أن بعض المناطق شجعت تعزيز المتعة الجنسية لدى المرأة، والذي وثقته العديد من الكتب الأثرية في تاريخ الهند، كان هُناك كذلك من يحرق النساء الأرامل في العلن؛ نظرًا – من وجهة نظرهم – لأنهن لم يعد لهن الحق في الحياة بعد وفاة أزواجهن.

تاريخ البشر في الهند طويل ومعقد ومليء بالحضارات والثقافات، واللغات، والأديان المختلفة والمُهمة، وفي هذا التقرير نأخذكم في رحلة مع هذا التاريخ الثري والمعقد فيما يتعلق بالشأن الجنسي في تاريخ الهند الحافل.

الجنس أقوى الغرائز.. ماذا سيحدث إذا امتنع البشر عن ممارسته؟

«الكاماسوترا».. الهند تأخذ المبادرة

تعتبر الهند من أول الثقافات التي شجعت التثقيف الجنسي، واهتمت بوجود نصوص تعليمية  وأعمال فنية تشرح العملية الجنسية، ولكن التعليم الجنسي في الثقافة القديمة للهند لم يكن بالشكل المتعارف عليه الآن، أي لم تكن هناك جامعات أو مدارس متخصصة ترتب دروسًا في هذا الشأن، وإنما كان هناك مُعلمون يصدرون كتب أو فنانون يخرجون أعمالًا فنيةً تثقيفية متاحة للجمهور العام، وشجّع الحكام والمؤلفين الشعوب على انتشار تلك المؤلفات والأعمال الفنية.

لم يكن هناك الوعي الكافي بالأمراض الجنسية، أو وسائل تحديد النسل، بل كان التثقيف الجنسي في الهند القديمة يتطرق إلى الأفكار الفلسفية المعقدة وراء تلك الممارسة وربطها بالدين والحياة، وكان الغرض من وجود المنحوتات والرسومات التي تشرح التشريح لجسم الإنسان؛ هو وصول المعلومات لمن لا يستطيعون القراءة في ذاك الوقت.

مصدر الصورة موقع إنشنت أورجينز

من الكتب المُهمة في هذا الشأن والذي قدمته الهند القديمة عن العالم الـ«كاماسوترا» وهو ليس مجرد كتاب للتثقيف الجنسي، والعلاقات الحميمية والعاطفية، والأوضاع الجنسية المختلفة؛ بل هو يعتبر دليلًا مكتوبًا باللغة السنسكريتية يبحر في فن حب الحياة والاستمتاع بها، وكيفية الحصول على شريك حياة مناسب للمرء، والمتعة البشرية بشكل عام، ووجد هذا الكتاب أن الجنس جزءًا مُهمًا في حياة الإنسان ووصوله إلى التوازن العقلي والنفسي.

توضح المؤرخة الإنجليزية ويندي دونيجز التي شاركت في ترجمة الكتاب ونشرت العديد من المقالات التحليلية عنه؛ أن نسخة «كاماسوترا» المعروفة لنا بشكلها الحالي، قد جُمعت في القرن الثاني الميلادي، على الرغم من بعض الآراء التي تشير إلى أن هذا الكتاب يعود لعصر ما قبل الميلاد، إلا أن ويندي ترى أن الكتاب يشير إلى السلالات الحاكمة التي تعود للعصر المسمى بـ«أبهيرا» والذي يعود تاريخه للقرن الثاني الميلادي.

كتاب «الكاماسوترا» والذي كتبه الفيلسوف الهندي «فاتسيايانا»؛ ارتبط في الأذهان بالجنس، حتى أن محرك البحث «جوجل» يُظهر لك ما يزيد عن 14  مليون نتيجة في أقل من الثانية لكلمة كاماسوترا وكلها أشياء متعلقة بالجنس ومنتجات جنسية مستوحاة من الاسم مثل الواقيات الذكرية، والألعاب الجنسية، والشوكلاتة، والمسلسلات والأفلام.

«الجنس أفيون الشعوب».. 5 من أغرب الممارسات الجنسية عبر التاريخ

إنه ليس كتابًا إباحيًا

بينما ترى ويندي أن حصر هذا الكتاب الغني بالمعرفة الإنسانية في خانة الجنس فقط فهو ظلمًا له، فهذا الكتاب يعتبر مرجع كامل لكل ما يخص علاقة الإنسان بالآخرين والحياة، وتقول عنه في كتابها «Nature and Culture in the Kamasutra» : « إنه ليس كتابًا إباحيًا، وليس مجرد كتاب سخيف عن الأوضاع الجنسية، فلا تُحرجون من قراءته. أريد للقراء أن يدركوا كم هو كتاب رائع عن التفاعلات الدقيقة بين الرجال والنساء فيما يخص الجنس بوصف شديد التحضر، وأنه مليء بالملاحظات النفسية العميقة والنصائح الفعالة لنجاح الحياة الزوجية».

بعض النصوص من الكتاب لغته الأصلية «السنسكريتية»

في المقابل تؤكد ويندي أن في الكتاب بعض الأبواب التي قد تثير حفيظة البعض، مثل الحديث للرجال عن كيفية إدارة حياتهم الجنسية خارج الزواج، بل يتحدث الكتاب أيضًا عن كيفية حصول امرأة على رجلٍ آخر، والمغريات التي قد تساعد على هذا.

ولكنه في النهاية، وبعد أن يشرح تلك الطرق، يحذر الرجال من مخاطر تلك العلاقات على الجنس، الأمر الذي تراه ويندي يعتبر متحضرًا للغاية، ويحترم الحرية الشخصية للمرء، وقدرته على التفريق بين الخطأ والصواب في اختبار واضح له.

موضحة ويندي في كتابها أن كتاب «كاماسوترا» يرفض في نصوصه الرقابة الأبوية المعتادة للنصوص القديمة، والذي يضع عقوبة قاسية لكل من يمارس الجنس خارج إطار الزواج، أو حتى يرتكب خطيئة الخيانة، فالكتاب موجه للإنسان بكل متناقضاته وأخطائه، وقد أشار الكتاب أيضًا إلى المثلية الجنسية دون الحكم على من يمارسونها.

مصدر الصورة تايمز أوف سان إنديجو

ولكن  كتاب «كاماسوترا» لم يحظَ بتلك الشهرة البالغة في القرون القديمة، وهذا بسبب اللغة المعقدة المكتوب بها، ولذلك جاء كتاب «Ananga-Ranga» والذي كتبه الشاعر الهندي كاليانامالا في القرن الخامس عشر، ليكون بمثابة كتاب توضيحي وأكثر بساطة لما ورد من معلومات جنسية في كتاب «الكاماسوترا».

الدور المجهول لصناعة «البورنو» في تغذية أفكار اليمين المتطرف  

التانترا: «الجنس طقسًا تأمليًا لتوسيع الوعي»

كلمة «تانترا» هي كلمة في اللغة السنسكريتية وتعني «منسوجين سويًا» أو «نسيج واحد»، وهي دلالة على الغرض منها أثناء ممارسة الجنس بين الرجل والمرأة، حينما يتوحد الشريكان جسديًا وروحيًا في نسيج واحد، حتى يتحولا إلى كيان روحاني واحد منسوج بدوره مع القوى الكونية العليا أو الإله، تلك باختصار هي فكرة التانترا في الثقافة الديانة الهندوسية.

وضع الهنود القدماء من خلال  التانترا تمارين تساعد الشريكين للوصول لتلك الحالة الروحانية الممزوجة بالمتعة الجنسية، وليس بالضرورة أن يحتوي التمرين على ممارسات جنسية في حد ذاته، فهناك تمرين يمكن ممارسته بسهولة عن طريق  الجلوس أمام شريكك، وتتفرس في عينيه بدقة، وينصح التمرين باختيار عين واحدة من عينان الشريك لتركز كل طاقتك عليها، ومن ثم  تأملها جيدًا فالعين هي نافذة الروح، وعلى شريكك أن يفعل المثل، ثم ابدأ في تنسيق أنفاسكما سويًا،ً الشهيق مع الشهيق والزفير مع الزفير، وبعد دقيقة تبادلا الأدوار؛ فلو كان شريكك يشهق ازفر أنت  وهكذا، حتى يتحول الشريكان إلى نسيج واحد يتنفس نفسًا واحدًا.

مصدر الصورة موقع «بي بي سي»

وهناك تمارين في التانترا لمساعدة المرأة للوصول إلى هزة جماع للجسد بأكمله، والتي يُطلق عليها «Full Body Orgasm»، وتلك التمارين على عكس ممارسة الجنس المعتادة، والتي يكون الهدف الأساسي منها هو الوصول لـ«الأورجازم» والشعور به في الأعضاء التناسلية فقط، فالتانترا تعلم ممارسها تحريك رغبته الجنسية من الأعضاء التناسلية، ونشرها في الجسد كاملًا، وحينما ينجح ممارس التانترا في ذلك – كما تؤمن الثقافة الهندية القديمة – يكون قادرًا على الشعور بهزة الجماع في الجسد كله، وليس في الأعضاء التناسلية فقط.

أوشو.. «إن الحب يعطي روحًا جديدة للجنس»

أوشو أو تشاندرا موهان جاين جنسيته الهندية، وكان أستاذًا للفلسفة ومتصوفًا ومعلمًا روحيًا، ولديه أتباع من جميع أنحاء العالم، وكان يلقى محاضرات في الكثير من البلاد في فترة الستينات، وتميزت دروسه بالتشجيع على الانفتاح تجاه المواضيع التي تخص حياتنا الجنسية، وقد أدى ذلك فيما بعد إلى تلقيبه بلقب «معلم الجنس» داخل الهند وخارجها، وهذا بسبب اهتمامه الشديد بنشر الوعي في العالم عن مفهوم التانترا والجنس.

أوشو مصدر الصورة موقع ريلايزيشن

ويقول أوشو متحدثًا عن التانترا؛ إن الحب يعطي روحًا جديدة للجنس، ومن ثم يتجلى الجنس ويصبح أكثر جمالًا؛ لأنه لم يعد مجرد جنس، بل أصبح له أبعاد أخرى. أصبح جسرًا؛  فأنت يمكنك أن تحب شخص لأنه يشبع رغباتك الجنسية، ولكن هذا ليس حبًا. إنها مجرد صفقة. ولكن عندما تمارس الجنس مع شخص لأنك تحبه، فستجد – بحسب أوشو – أن الجنس يلاحق علاقتكم باعتباره جزءًا من الحب؛  ومن ثم يصبح شيئًا جميلًا، وخاليًلا من الحيوانية، ومن ثم ستشعر بشيء أكبر منكم يدخل إلى العلاقة، وحينها يُطلق على تلك الحالة «يقظة الكونداليني».

شكل الكونداليني كما وصفته الثقافة الهندية القديمة. مصدر الصورة موقع بينترست

وفي الديانة الهندوسية «الكونداليني» ترمز إلى أفعى مُتخيلة، ترقد بثبات على قاعدة العمود الفقري للإنسان، ملفوفة على نفسها وساكنة،  تنتظر من الإنسان أن يوقظها بتمرينات التانترا في مزيج من التأمل واليوجا، ويوصف في الهندوسية استيقاظ تلك الأفعى بأنه حالة توسيع للعقل والوعي، وإيقاظ تلك الأفعى بداخل الإنسان يساعده على استخدام عقله بنسبة أكبر؛ بغرض خوض الرحلة الروحانية في الحياة، و حتى يصل إلى السلام في نهايتها.

وعلى الرغم من انتشار ثقافة التانترا بين العامة من الشعوب في أنحاء العالم والمشاهير منهم أيضًا، إلا أن التانترا في الديانة الهندوسية كانت حكرًا على المتدينين أو الذين لهم مهام لاهوتية؛ بغرض استخدام الجنس في المعرفة الروحية، ومن المشاهير الذين تحدثوا عن ممارستهم التانترا كان الممثل توم هانكس، والذي صرح أنها واحدة من أهم أسباب نجاح زواجه ودوامه لعشرات السنوات.

«الإيكونومست»: الهند قارة أم دولة؟

كيف أثر الإسلام على مفهوم الجنس في الهند؟

في القرن الثالث عشر، وصلت الفتوحات الإسلامية إلى شمال الهند، وهُناك أسسوا سلطنة في مدينة دلهي، وحين دخل الإسلام كان له تأثيرًا على مفهوم الجنس في عقول المجتمع الهندي، ولأن الهند تعتبر بلدًا كبيرًا للغاية، فمن الصعب التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة، ولذلك ما تركه الإسلام من أثر على المفهوم الجنسي؛ جاء في المناطق الهندية التي وصل الإسلام لها فقط.

ومع أن الديانة الإسلامية كانت ديانة أقلية في الهند، إلا أنها كان لها تأثير واضح على المجتمع الذي احتفظ بالديانة الهندوسية. على سبيل المثال فرضت السلطنة اللباس المحتشم للمرأة مثل الحجاب والبردة، بينما عرفوا الستائر والنوافذ الخشبية التي تعزل بين الرجال والنساء، وهو الأمر الذي تحول إلى عادة اجتماعية أخلاقية لبعض الهندوسيين مع الوقت.

مصدر الصورة موقع ستانفورد

ولكن مع الجو الحار الاستوائي الذي تتميز به الهند، لم يكن الأمر هين على كل النساء، فكن تخرجن شبه عاريات الصدر، ولم يكن الأمر مقتصرًا على عامة الشعب فقط، بل إن محاولة السيطرة على المرأة في ذاك الوقت لم تكن مقبولة من داخل السلطنة ذاتها، خاصة حينما ظهرت راضية سلطان ابنة السلطان شمس الدين التتمش، والذي كان الحاكم الثالث لسلطنة دلهي بعد قطب الدين أيبك، وأدارت – راضية – السلطنة بكفاءة عندما غادر أبيها المملكة في إحدى الحملات العسكرية.

في القرن الخامس عشر، وخلال تواجد الإسلام ومحاولة انتشاره في الهند، كُتبت نسخة جديدة لكتاب «Ananga-Ranga» باللغة العربية والفارسية والأردية، وتداول المسلمين الكتاب تداولًا واسعًا بين الإمبراطوريات الإسلامية في العصور الوسطى، وبعض دارسي التاريخ أشاروا إلى أن الكتاب في نسخته المسلمة قد انحاز للرجل بعض الشيء، ولكن من يتداولون تلك النظرية لم يسجلوا فارقًا كبيرًا بين الكتاب الأصلي بنسخته الهندوسية بعد أن تُرجم للعربية على أيادي مسلمين.

وأكد هؤلاء أنفسهم أن لهجة الكتاب واحدة ولم تتغير وتركز على ضرورة متعة الرجل والمرأة بالتساوي في العلاقة الجنسية، بينما  يدرجون في حجتهم، تجاهل الكتاب التحفيز للأعضاء الأنثوية بالأصابع، ولكن تلك هي النقطة الوحيدة التي فقدت في نقل الكتاب، وهو الأمر الذي فسره البعض على كونه اختلاف ثقافي أكثر من كونه اختلاف ديني، وهذا لأن «كاماسوترا» يشرح ويفسر العلاقة الجنسية بين الزوجين، وهو الأمر الذي تحدث فيه رسول الإسلام محمد كثيرًا وبالتفصيل مؤكدًا على ضرورته في الحياة الزوجية، ولذلك لم يكن التثقيف الجنسي أمرًا بعيدًا عن الثقافة الإسلامية.

«الإندبندنت»: العفة وحقيقة الحياة الجنسية لغاندي

المصادر

تحميل المزيد