محمد حسن خليفة 40
محمد حسن خليفة 40

في بداية السينما كانت الصورة تصحبها الموسيقى، يؤدي الممثلون أدوارهم أمام كاميرا عملاقة دون كلام، صمت تام؛ لا حوار يسمع، فقط إشارات بالأيدي، نوع من التواصل هدفه إيصال المشاعر دون الحاجة للنطق، هكذا نعبر، وهكذا نخلق القصة دون شائبة، أو افتعال في غير محله، نتحدث ونشير بالأيدى، نجري ونأكل، كل هذا يتم دون صوت، فقط الموسيقى تصحب كُلَّ هذا دون البعد عن الموضوع، بل لإيصاله أكثر، والعمل على الدمج بمن يشاهده.

البداية عند الأخوين لوميير

سواء كنت مغرمًا بالسينما أو كانت لا تستهويك، فربما أنت على علمٍ بأنها لم توجد من الأساس على هذه الطريقة، بل مرت بمراحل كثيرة، وأول تلك المراحل كانت السينما الصامتة، حيث لا لغة، إلَّا لغة الصورة، هل تعرف أحد على هذه الأرض لا يفهم لغة الصورة؟

الكل مهما كانت لغته، أو ثقافته، أو جنسه، أو عرقه، أو دينه، يعرف لغة الصورة، لذا كانت السينما أول الأمر مجردة تمامًا من الصوت، يتخللها فقط في بعض الأحيان الموسيقى، أما الحوار والأصوات فغائبة تمامًا، لذا فربما كان وصولها لكل شعوب العالم أيسر من وصول كولومبوس لأمريكا.

كان السبب في ظهور الأفلام الصامتة أول الأمر هو الرغبة الملحة في تصوير اللحظات الحية التي يعيشها الناس، ومعاودة مشاهدتها مرارًا، فجاءت السينما الصامتة دون صوت، بسبب افتقار صناعها حين ذلك لتقنيات دمج الصوت.

بداية السينما الصامتة كانت عند الأخوين لوميير قبل 120 عامًا، وتحديدًا عام 1896، إذ قاما حينها، وبعد تجارب استندت على إنجازات علماء آخرين، بإنتاج أول فيلم صامت في تاريخ البشرية، بمدينة ليون الفرنسية، وذلك عندما قاموا بتثبيت ماكينة تصوير بصحبة المصور ألكسندر بروميو، حيث قاموا بتصوير مجموعة من العمال لحظة خروجهم من المصنع، ووصلت مدة الفيلم حينها 40 ثانية، وكان الفيلم يحمل عنوان «الخروج من المصنع».

ومن الفترة 1896 حتى 1905 نجح الأخوان لوميير في تقديم حوالي 1500 فيلم، جميعها صامتة، وأطول فيلم فيها لم تتجاوز مدته دقيقة واحدة، واتخذوا من المقاهي والنوادي في أوروبا دور عرض، وبعد حوالي 10 أعوام، وتحديدًا سنة 1905 وصلت أفلامهم الصامتة إلى محطة قاعات العرض المغلقة، والمسماة حينها «بنيكلوديان»، وفي اليابان ظهرت وظيفة تسمى «بينشي»، وهو شخص يقف بجانب شاشة العرض ليسرد الأحداث الصامتة، ويكون صوتًا للممثلين، لكن هذه الوظيفة لم تعمم، واقتصرت على أماكن معينة فقط.

اقرأ أيضا: دون الحاجة إلى ترجمة.. 10 أفلام رعب من السينما الصامتة

باستر كيتون.. أصبح عاطلًا بظهور السينما الناطقة

لم تكن السينما الصامتة تعرف إلا من خلال الممثلين الذين كانوا يؤدون أدوارهم في صمت تام، لكنهم مع ذلك تركوا علامات فارقة، وأحد هؤلاء هو جوزيف فرانسيس كيتون، أو باستر كيتون، أحد أعظم الممثلين الكوميديين والمخرجين والمنتجين في العالم، وتاريخه يحسب من بدء تاريخ السينما نفسها، خصوصًا الصامتة.

ولد كيتون في الولايات المُتحدة، كنساس عام 1895، وكانت أسرته تعمل بالتمثيل المسرحي الكوميدي، وسرعان ما نمت موهبته في التمثيل من صغره، وأصبح شغله الشاغل أن يصبح ممثلًا كوميديًا. من أول مرَّة بدأ فيها باستر كيتون التمثيل في السينما الصامتة عرف وتميز بوجه تخلو ملامحه من أي تعبير، حتى أطلق وصف بـ«الوجه الحجري»، حتى أنه في بعض الأحيان كان سبب الكوميديا وجهه الذي لا يرتسم نهائيًا عليه أي تعبير، جامد تمامًا، وهذا ساعد في شهرته.

لم يكن الوجه الحجري الذي صاحب كيتون في حياته التمثيلية هو السبب فقط  في شهرته، أو في تميزه، بل حركاته البهلوانية التي كان يؤديها على المسرح وعلى الشاشة، هي سبب أكبر في حصوله على هذه الشهرة، وكذلك خفة حركته وسرعته، ومهاراته، وبديهته؛ الأمر الراجع لنشأته في أسرة تعشق المسرح.

كيتون كان ممن تأثر بهم شارلي شابلن، وبالرغم من أنهما عاصرا بعضهما البعض، إلا أن تأثير باستر كيتون على السينما الصامتة كان واضحًا للجميع، سواء من الناحية التمثيلية، أو الإخراجية، أو الإنتاجية. ترك كيتون خلفه الكثير من الأفلام الصامتة من بين عامي 1920 و1929؛ إذ قدم 12 فيلمًا طويلًا و19 فيلمًا قصيرًا بين مُخرج ومُنتج ومُمثل، حتى استقر على فتح استديو خاص به، وتوجهه إلى إنتاج أفلام قصيرة لا تتجاوز مدتها 20 دقيقة.

وفي 1923 أخرج أول فيلم طويل يدعى «ثلاثة عصور (three ages)»، ومع بداية السينما الناطقة تحول كيتون إلى عاطل، وتوفي عام 1966 عن عمر يناهز 71 عامًا.

شارلي شابلن.. رفيق الصمت

كان شارلي شابلن كاتبًا وممثلًا ومخرجًا، اختار لنفسه من البداية رفيقًا أعطاه الكثير من روحه وقلبه، إذ اختار الصمت رفيقًا، بجانب صعلوكيته، والقبعة السوداء الموضوعة فوق رأسه وعصاه المميزة. وعلى خلاف باستر كيتون، كان شابلن أكثر ذكاءً وتوقدًا وحماسة للسينما الصامتة، ورأى في هذه اللعبة وهذه الآلة العملاقة شيئًا سحريًا يختلف عن أي شئ قد رآه مُسبقًا؛ الأمر نفسه الذي كان ينطبق على كيتون، عدا أنه لم يكن ملحنًا، بعكس شابلن الذي كان يلحن موسيقى أفلامه بنفسه.

شارلي شابلن كان يمثل بكل ما يملك؛ بجسده ووجهه، وعقله وروحه، وأهم شيء فيه هي ملامحه، وإشارات يده الذكية المضحكة دون أي عناء يذكر، فتجد نفسك تضحك لو أنه قام بهرش رأسه، أو قام بأكل طعامه بسرعة، فأصبحت تلك الإشارات تعرف باسم «البانتومايم»، وشابلن هو من أبدعها.

اقرأ أيضا: «في بيتنا مهرّج».. 6 أفلام للترفيه عن الأمهات والآباء الجُدد

شارلي ولد في لندن في 16 أبريل (نيسان) عام 1889، ليحيا منذ طفولته حياة بائسة فقيرة شبه منعدمة؛ فوالده سكير سيئ السمعة، هجر الأم منذ فترة، وعلى الابن أن يبحث عن عمل يأكل منه، فبدأ شابلن رحلة الصعود من الصفر.

أمه ليلي هارلي، كانت مغنية وكاتبة مسرحية، وعن قرب بدأ شابلن الطفل الصغير يعشق المسرح، ويقلد الممثلين، ويخترع لنفسه أدوارًا، كان يغني من صغره؛ فقد علمته والدته هذا، وقد أحسنت التعليم، حتى أنه حين كانت والدته تؤدي على المسرح وتغني، وبدأ صوتها يتقطع، أسرع مدير العرض آنذاك ودفع شابلن، البالغ من عمره خمس سنوات، ليؤدي العرض، وأذهل شارلي الحضور بموهبته الجبارة، وقدرته على أداء الاستعراضات المسرحية دون عناء يذكر، ومن هنا كانت البداية.

شابلن كان صاحب موهبة جبارة، ثورية فيما يقدمه، وما يكتبه وينتجه، وما يلحنه من موسيقى، وعندما أصبح عمره 26 عامًا بلغ أجره 670 ألف دولار أمريكي؛ ليكون أعلى الممثلين أجرًا في ذلك الوقت.

لوريل وهاردي.. الرفيقان المختلفان في كل شيء إلا الكوميديا

لم تكن السينما الصامتة تعرف معنى الثنائي، حتى أتى لوريل وهاردي، هذا الثنائي المرح، والذي عرّف السينما الصامتة معنى أن يكون الدور الرئيس في الفيلم مناصفة بين اثنين من الممثلين، مختلفين في المظهر، لكنهما يشعان كوميديا، تجعل المتفرج لا يتوقف عن الضحك نهائيًا.

Embed from Getty Images
لوريل وهاردي

أدى ستان لوريل من مواليد 1890، وأوليفر هاردي من مواليد 1892، مع بعضهما البعض أكثر من 100عمل كوميدي، وذلك منذ لقائهما الفني عام 1927. كان عرض «رمي القبعات (hats off)» يُعد أشهر العروض الكوميدية الذي قدمها هذا الثنائي في مشوارهما الفني، حتى صدور الفيلم القصير «معركة القرن (The Battle of the Century)»، الذي أصبح علامة فارقة في تاريخهما وتاريخ الكوميديا، في هذا الفيلم كان هناك مشهد سمي بمشهد «رمي الفطائر»، وتم فيه رمي من 3آلاف إلى 5 آلاف فطيرة. وجدير بالذكر أنه بعد وفاة هاردي، لم يقم لوريل بالتمثيل بمفرده أبدًا.

«مستر بين».. آخر نفس للسينما الصامتة

بالرغم من أن «مستر بين» رجل يافع، إلا أنه صاحب عقل طفولي، ومع حركاته المرحة وبدون أي كلام يعرف كيف يضحكك، وهو ليس للصغار فقط، بل لكل الأعمار، فقبل أن يتحول لشخصية كرتونية شهيرة، كان يعرض له أفلام ومسلسلات يضحك الكل حين مشاهدتها.

«مستر بين» واحد من أكثر الشخصيات الكوميدية في العالم، وذلك بفضل تصرفاته الغريبة والمضحكة في آن واحد، ومن هنا كان منبع الكوميديا لدى روان سيباستيان أتكنسون الكاتب والممثل الكوميدي الإنجليزي، الحاصل على شهادتين من جامعتي نيوكاسل وجامعة أكسفورد، وأطروحته كانت عن أنظمة ضبط النفس، ومن خلال ما درسه بدأ يكون في ذهنه شخصية «مستر بين».

بعد أن عرض «مستر بين» على الشاشة البريطانية أصبح مشهورًا جدًا، ليس في بريطانيا فقط، بل في العالم كله، وأصبح مستر بين شخصية مضحكة لها تأثير في السينما الصامتة، كشابلن، وكيتون، والثنائي لوريل وهاردي، لهم تأثير كبير. مستر بين مع دميته الشهيرة يعد آخر نفس للسينما الصامتة، حتى وإن كان ما قدمه كان من خلال مسلسل تم تحويله فيما بعد إلى مسلسل كرتوني.