مع تفاقم أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا ووصول المفاوضات بينهما لطريق مسدود، انتشرت تساؤلات الشعب في مصر عن دور الكنيسة المصرية القبطية الأرثوذكسية، وإمكانية التدخل العاجل لحل أزمة سد النهضة الذي يهدد أمن مصر المائي، وتستند تلك التساؤلات بالتدخل إلى العلاقة التاريخية الطويلة التي ربطت مصر وإثيوبيا عن طريق الكنيسة المصرية القبطية والكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، فما هي تلك الروابط التاريخية التي تربط أبناء الطائفة الأرثوذكسية الواحدة الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية، هذا ما سنتعرف عليه في التقرير التالي.

بداية الحكاية.. المسيحية تدخل أثيوبيا بأياد مصرية

عرفت إثيوبيا الدين المسيحي في القرن الأول الميلادي، وانتشر في مملكة أكسيوم القديمة بمساعدة الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية المصرية على يد راهب مسيحي مصري في القرن الرابع الميلادي، وهكذا بدأت العلاقات الدينية القوية بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية حديثة العهد؛ إذ جرى التقليد الكنسي منذ ذلك الوقت بقيام بطريرك الكرازة المرقسية بالإسكندرية بتعيين مطران الكنيسة الإثيوبية، وجرى العرف بتعيين راهب مصري دائمًا كأسقف للكنيسة الأثيوبية، والذي يحصل على الصفة «الإثيوبية» ومباركة الإمبراطور فور وصوله لأرض إثيوبيا.

وبذلك ولدت الكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، وأصبحت تحت مظلة الكنيسة المصرية الأم بالإسكندرية، وكان الأب «فرومنتيوس» أول أسقف للكنيسة الأثيوبية الجديدة في القرن الرابع الميلادي، وظل هذا التقليد الكنسي قائمًا 16 قرنًا من الزمان، حتى تغير عام 1949 عقب سلسلة من الأحداث والصراعات بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية، سنتعرف عليها سويًا في السطور القادمة.  

مجاعة في مصر بسبب السد! عصر الدولة الإسلامية في مصر

ظلت العلاقة الروحية والدينية بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية وكذلك الشعبين قوية، حتى دخل الإسلام إلى مصر في القرن السابع الميلادي، وبدأ فصل تاريخي جديد من العلاقة بين الكنيستين غلب عليه طابع الاتفاق على مستوى الكنيستين، وطابع الاختلاف والتهديد على المستوى السياسي بين الكيانين السياسيين.

 استقبلت إثيوبيا المسلمين مع بداية القرن السابع الميلادي، ومنذ القرن الثالث عشر ازداد طالبو العلم في القاهرة، وشكلت للعديد من الزوار وجهة دينية وتعليمية للمسلمين والمسيحيين من أفريقيا، خاصةً إثيوبيا.

ظل طابع الود يغلب على الرسائل بين سلاطين مصر وملوك الحبشة الذين دأبوا على إرسال السفراء بالهدايا والرسائل، والتي كانت تحمل طلبات بحسن معاملة المسيحيين في مصر، وطلبًا لتعيين المطران الجديد كما تجري العادة بعد وفاة المطران السابق.

استنكر ملوك ورؤساء الكنائس في إثيوبيا ما سمعوه عن سوء معاملة مسيحيي مصر في عهد سلاطين الإسلام بسبب مشكلة الجزية والمباني المسيحية؛ فتغيرت لهجة الرسائل تمامًا من اللين والود إلى التهديد والوعيد وقت وقوع الأزمات، وأولهم الملك الإثيوبي «جبره مصقل» في القرن الرابع عشر، والذي بعث رسالة قوية إلى السلطان «الناصر محمد بن قلاوون» في عهد دولة المماليك البحرية يطلب منه إصلاح الخراب في الكنائس المصرية، وكف الأذى والاضطهاد عن مسيحيي مصر بسبب الجزية، وإلا سيقوم بالتنكيل وإلحاق الضرر بالمسلمين في إثيوبيا، وهدد بمهاجمة القوافل المصرية التي تمر من أرض الحبشة، كما هدد أيضًا ببناء سد كبير بهدف قطع مياه النيل عن مصر، وهو شريان الحياة فيها.

لم يأخذ السلطان التهديد بجدية، فقام الملك الإثيوبي بإيذاء المسلمين، ومنعهم من الشعائر الدينية، وطاردهم، وقتل بعضهم، كما قام أيضًا بمهاجمة القوافل المصرية، وقتل التجار المصريين، وخلفه ابنه في نفس السياسة، وفي النهاية لجأ السلطان إلى الكنيسة المصرية لحل الأزمة والخلاف، وهو ما حدث بالفعل، وثبتت حينها قوة العلاقة بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية حتى مع اختلاف السلطات الحاكمة في البلدين.

ظل الصراع السياسي بين مصر وإثيوبيا قائمًا أغلب فترات فترة العهد الإسلامي، وشهد سجالات عديدة بين أفعال سلاطين مصر مع السكان المحليين من المسيحيين، وتهديد ملوك الحبشة بقطع مياه النيل عن مصر، ولعب الكنيستين في النهاية دور الوسيط في الحل الدبلوماسي.

وهذا ما حدث أيضًا في عهد الخليفة «المستنصر بالله» في القرن الحادي عشر حين ضربت المجاعة مصر لمدة سبع سنوات، وذكر المؤرخ ابن إياس في كتابه بدائع الزهور أن السبب في تلك الأزمة كان غلق ملك الحبشة الطريق أمام مياه النيل فيما عرف بالشدة المستنصرية، وانتهى الأمر بتدخل الكنيسة المصرية، وحل الأزمة مع إمبراطور الحبشة من خلال الكنيسة الإثيوبية، والجدير بالذكر أنها كانت المحاولة الأولى من إثيوبيا لقطع مياه النيل عن مصر من خلال إقامة سد على النيل.

زادت حدة التهديد في رسائل الملوك الإثيوبيين واحد تلو الآخر، وأصبحت ورقة بناء سد على النيل لقطع المياه عن مصر ورقة رابحة، وزاد عليها التهديد بالغزو، والقول بالشروع في الانفصال عن الكنيسة المصرية الأم، والانضمام للكنيسة في روما، وكان الرد على تلك النغمة الإثيوبية من قبل سلاطين المسلمين في مصر التجاهل التام نظرًا للفرق في القوة العسكرية بين الدولتين.

وكان الملك زرء ابن يعقوب إمبراطور إثيوبيا في القرن الخامس عشر من أكثر الملوك قسوة تجاه مصر والمسلمين؛ ففي عهده قتل المصريين، وزادت تهديداته للسلطان «الظاهر سيف الدين» في عهد دولة المماليك البرجية، وأمر بالانسلاخ عن الكنيسة المصرية الأم، وعقد صفقات مع البابا في روما، ودول أوروبا؛ ليضمن مساعدتهم له في حالة الصدام مع مصر.

وسمح له البابا ببناء دير إثيوبي في روما؛ مما زاد التوتر بين مصر وإثيوبيا، وفي النهاية أمر السلطان «الظاهر سيف الدين جقمق» الكنيسة المصرية بقطع علاقتها بشكل رسمي تام مع الكنيسة الإثيوبية في القرن الخامس عشر، وظل التوتر سيد الموقف في الكثير من الأحيان حتى انتهى عصر سلاطين المسلمين في مصر، وبدأت حقبة جديدة من الصراع.

إيطاليا تريد الانفصال عن كنيسة مصر

مع بداية حقبة الاستيطان للدول العظمى، مثل: بريطانيا، وفرنسا، وغيرهما، وحتى نهاية القرن العشرين، شهدت العلاقة بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية تغيرات كثيرة بين القوة والضعف، وطلب المساعدة، وطلب الانفصال.

في عام 1935 احتلت إيطاليا إثيوبيا، وحاولت الكنيسة المصرية وتحركات شعبية مصرية مساعدة الإثيوبيين على المقاومة من خلال إرسال المساعدات والمقاتلين والتبرعات؛ الأمر الذي أزعج الإيطاليين بشدة؛ فقاموا بمحاولة إغواء المطران «كيرلس» المصري بتعيينه بطريرك عامًا في الكنيسة الإثيوبية في حالة إعلانه الانفصال عن الكنيسة المصرية.

رفض المطران؛ فأرسلوه إلى روما وقابل موسوليني وجنرالاته، واستخدموا معه سياسة المكافأة والعقاب، ولكن ثبت الأسقف «كيرلس» على رأيه؛ فقاموا بطرد المطران المصري، وأعادوه إلى مصر بعد الفشل في إقناعه بإعلان انفصال الكنيستين المصرية والإثيوبية، كانت إيطاليا ترى أن بريطانيا عدوتها هي التي تسيطر علي مصر وكنيستها، ولذلك حاولت بكل الطرق تنغيص العلاقات القوية بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية وفصلهما عن بعضهما البعض. 

نجحت إثيوبيا في الاستقلال عام 1941، وعاد المطران «كيرلس» المصري مرة أخرى لرئاسة الكنيسة الإثيوبية، ولكن خلف الاحتلال الإيطالي أصواتًا ومطالب تدعو للانفصال والاستقلالية عن الكنيسة الأم في الإسكندرية بمصر، وظلت المطالب قائمة وتتجدد كل عام حتى عام 1948 حين وافق بطريرك الإسكندرية البابا «يوساب» على تعيين خمسة أساقفة لانتخاب أسقف جديد لهم، يحق لهم اختيار من شاءوا ليكون أسقف كنيسة التوحيد الإثيوبية.

اجتمع المجلس المقدس عام 1949، وقرر تعيين أسقف إثيوبي خلفًا للمطران «كيرلس» بشرط موافقة الكنيسة المصرية أيضًا، وبالفعل عقب وفاة المطران «كيرلس»، آخر مطران مصري في كنيسة التوحيد الإثيوبية، أصبح الأنبا «باسيليوس» الإثيوبي مطرانًا للكنسية الأرثوذوكسية بمباركة كرازة الإسكندرية؛ مما مهد لعملية الاستقلال التام عن الكنيسة القبطية المصرية، وكانت تلك المرة الأولى منذ 16 قرنًا التي يجري فيها التخلي عن التقليد الكنسي.

وفي عام 1959 زادت المطالبة بالاستقلالية الكاملة، وترقية وتعيين المطران «باسيليوس» بطريرك عامًا في كنيسة التوحيد الأرثوذكسية، وعدم الرجوع إلى الكنيسة المصرية لأخذ المباركة، وهو ما وافقت عليه كرازة الكنيسة المصرية بالإسكندرية فيما عرف تاريخيًا ببروتوكول عام 1959. 

وفي عام 1974 انقطعت العلاقات تمامًا بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية عقب الثورة الحمراء، وتولي الشيوعيين زمام الأمور في دولة إثيوبيا، وقيامهم بالقبض على بطريرك كنيسة التوحيد الأرثوذكسية وإعدامه سرًا وتعيين بطريرك جديد بدلًا عنه، ورفضت الكنيسة القبطية في مصر الاعتراف به لأن البطريرك القديم مازال حيًا يرزق من وجهة نظرها.

وعلى أثر ذلك تقطعت الأوصال بين الكنيستين، حتى عام 1991 حين تخلصت الجبهة الشعبية من الشيوعيين وحكمت البلاد، وفي عام 1994 عادت العلاقات الطيبة بين الكنيستين مع إصدار بروتوكول جديد ينص على الاستقلال التام للكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة المصرية، مع التأكيد على وجود روابط عقائدية، وتاريخية، وروحية بين الكيانين؛ مما يدل على الروابط التاريخية الطويلة بين الكنيستين.

أزمة سد النهضة.. الباباوان والحكومتان

ظلت الأمور هادئة نسبيًا بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية حتى عام 2015، وظهور أزمة سد النهضة الأثيوبي الذي يهدد الأمن القومي المصري، فظهر على الساحة من جديد الصراع بين الكنيستين. نادت الأصوات الشعبية الكنيسة المصرية والبابا «تواضروس الثاني» بالتدخل لحل الأزمة كما فعلت دائمًا عبر التاريخ بسبب العلاقات القوية مع الكنيسة الإثيوبية، ولكن تأخر تدخل الكنيسة المصرية بشكل مباشر وسريع منذ البداية، حتى أعطت السلطات المصرية الضوء الأخضر للبابا بالتدخل.

وتغيرت نبرة البابا «تواضروس الثاني» التي كانت دائمًا ما تدعو إلى الصلاة لإيجاد حل عادل للمشكلة، والتي اقتصرت على تبادل الوفود والزيارات الهادئة في الأعياد والمناسبات المقدسة، إلى رسالة قوية كما كان يفعل ملوك الحبشة قديمًا، وفي احتفالات عيد الميلاد عام 2021 تحدث البابا «تواضروس الثاني» علانية وبشكل مباشر عما أسماه التعنت الإثيوبي المقصود، وأن مصر لن تتعرض لأي خطر، وأنها قادرة على حماية مصالحها ومقدرات شعبها، وأن سياسة طول البال لم تعد متاحة الآن، بلهجة اعتبرها كثيرون تهديدًا صريحًا وتغييرًا كبيرًا في موقف الكنيسة المصرية.

وعلى الجانب الآخر كانت الكنيسة الإثيوبية تدعم مشروع السد بشدة، وتروج له، كما ظهر في بيان القديس «سينودس» عام 2020 رئيس المجمع المقدس في كنيسة التوحيد الإثيوبية، والذي دعا فيه المواطنين إلى دعم بناء السد واستكماله بشتى الطرق والجهود، مؤكدًا أن السد طريقهم للخلاص من الفقر، مستغلًا ارتباط الشعب الإثيوبي بالكنيسة ومكانتها بينهم؛ مما يوضح التضارب التام في المواقف والمصالح بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية في الوقت الحالي ونشوب الصراع من جديد.

مشكلة على ملكية دير في القدس.. فصل آخر من الصراع

في العام نفسه لاحت في الأفق أزمة جديدة تزيد الأمر تعقيدًا وغموضًا، قضية دير السلطان بالقدس، والذي يعد صراعًا قديمًا بين أقباط إثيوبيا ومصر منذ القرن السابع عشر، ولكن مؤخرًا تجدد الصراع؛ فأشعل أزمة أخرى بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية، وهدد العلاقة التاريخية بينهما.

يقع دير السلطان في القدس إلى جوار كنيسة القيامة، ويقع على الطريق المباشر لحج الأقباط، في أحد الأيام عام 2021 دخلت مجموعة من الأقباط الإثيوبيين الدير، وقاموا بنصب خيمة كبيرة، ورفعوا عليها علم إثيوبيا؛ مما أجج مشاعر الغضب لدى الأقباط المصريين، وبدأت المشكلة في التفاقم، وتطورت إلى اشتباكات واعتصام الأقباط المصريين أمام أعين الشرطة الإسرائيلية دون أن تحرك ساكنًا.

يدعي الإثيوبيون أن الدير كان ملكهم منذ القرن السابع عشر، وأنهم فقدوا وثائق الملكية عقب حريق شب في مكتبة الدير عام 1838 بعد تفشي الطاعون، وتساندهم الحكومة الإسرائيلية بشدة.

وعلى الجانب الآخر يقدم المصريون دلائل على ملكيتهم للدير بأكثر من 20 وثيقة ملكية، ويقول الأقباط المصريون إن الرهبان الإثيوبيين حلوا ضيوفًا على الدير بعد أزمات كبيرة في تمويل الكنيسة الإثيوبية، وفقدانهم أديرتهم في القرن السابع عشر، وما إن استضافهم الدير حتى شرعوا في نسج قصص امتلاكهم له عامًا بعد عام، بحسب رواية الأقباط المصريين هناك.

مر دير السلطان بالعديد من المواقف والشد والجذب بين الرهبان، والكنيسة المصرية، والكنيسة الإثيوبية على مدار مئات السنين دون حل واضح بين الطرفين، ومع مساعدة الجانب الإسرائيلي للطرف الإثيوبي يبدو الأمر منتهيًا، وحاليًا يظهر اسم الدير على الخرائط العالمية باسم «البطريركية الإثيوبية»، والجدير بالذكر أن اسم «السلطان» أطلق على الدير بعد استرداد صلاح الدين للقدس وإعادته الدير إلى الأقباط، والدليل أنه الدير القبطي الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يحمل اسمًا عربيًا، وليس اسمًا مسيحيًا؛ مما يؤكد الرواية المصرية.

وفي النهاية يبدو أن العلاقة التاريخية العقائدية، والروحية، والسياسية بين الكنيسة المصرية والكنيسة الإثيوبية لم تكن قوية على طول الخط، بل كانت معقدة، يشوبها الغضب، والمحبة، والقوة والضعف، والصداقة، والعداوة، والعديد من الخلافات وفقًا للظروف والتغيرات المحيطة، ويبدو أيضًا أن أزمتي دير السلطان وسد النهضة سيشكلان فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع بين كنيسة التوحيد الإثيوبية الأرثوذكسية والكنيسة القبطية المصرية الأرثوذوكسية. وأنت يا عزيزي شاركنا الرأي كيف ترى العلاقة بين الكنيستين.. علاقة صداقة قوية أم عداوة تاريخية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد