«التدخين ضار جدًا بالصحة ويسبب الوفاة»، عبارة نراها كثيرًَا وقد كتبت على عُلَب التبغ، حتى أنها ارتبطت  بالتدخين وشراء السجائر، لكن هل كان التبغ دومًا عشبة قاتلة؟ بعضنا لا يعرف الكثير عن تاريخ هذا النبات الذي كان ينمو بالأصل في الأمريكتين -الجنوبية والشمالية- ولم يكتشفه العالم القديم إلا باكتشاف كريستوفر كولومبس لعالمه الجديد.

إذ وفي أواخر القرن الخامس عشر، تحديدًا في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1492، عاد كولومبس إلى بلاده محملًا بأوراق التبغ المجففة كهدايا من شعب الهنود الحمر -الشعب الأصلي للأمريكتين، ومن هنا بدأ تاريخ كاملًا للتبغ، أصبح خلاله شائعًا جدًا إلى درجة أن استخدمه بعض الأفراد نقودًا في القرن 16 الميلادي، قالوا عنه «يساوي الذهب»، فما الذي لا نعرفه عن هذا النبات القاتل؟

«علاج إلهي».. يشفي تقريبًا أكثر من 36 مشكلة صحية

عشبة التبغ، والتي يطلق عليها «نيكوتيانا» قد تسببت على مدار تاريخها في كثرة عدد الوفيات أكثر من أي عشبٍ آخر؛ إذ كان التدخين مسؤولًا عن ما يقارب 3 ملايين حالة وفاة سنويًا، وأوراق التبغ تنتج عند حرقها أكثر من 4 آلاف مادة كيميائية، أشهرها النيكوتين، وهو المادة المسؤولة عن إدمان المدخنين على التبغ، والتي تتخلل سريعًا كل عضو من أعضاء الجسد في حال تدخينها، إلا أن ذلك لم يكن الحال دائمًا، فقبل أكثر من خمسة قرون مضت، لم يكن التدخين قاتلًا، بل صُنف علاجًا ربانيًا، له قدرات سحرية على شفاء كل شيء تقريبًا.

بدأ كل شيء عندما زار كولومبس بعض بلدان الأمريكتين، كوبا وجزر هايتي، وهناك وجد المزارعين يحصدون التبغ ويستخدمونه شرابًا مقدسًا له بعض الآثار الممتعة، وفي الوقت ذاته يعالج العديد من الأمراض المختلفة. لم تكن استخدامات التبغ حينها قاصرة على التدخين فقط، بل كان البعض يمضغونه لعلاج رائحة الفم الكريهة أو لتسكين آلام الأسنان، كما لاحظ بعض البحارة أن أهالي كوبا وهايتي يدخنون هذه الأوراق المجففة، عن طريق أنبوبٍ من القصب له فتحتين للاستنشاق، ويسمى «Tavaco»، والذي جرى تحريفه فيما بعد إلى «Tobacco» أو التبغ، وأصبح هذا الاسم يطلق على النبات ذاته فيما بعد.

كان رجال الجزر يحملون معهم في زوارق الصيد تلك الأوراق المجففة، دليلًا على الاهتمام بالصحة، وذلك لدرء الأمراض، والمساعدة في التغلب على الإرهاق، كما قاموا بمزج أوراق التبغ مع عشبة «Cogioba» والتي استنشقوها عبر الأنف من أجل الغياب عن الوعي لبضعة ساعات -هي عشبة لها آثار مهلوسة وتصنف ضمن النباتات المخدرة، وكان يصفها الحكماء في ذلك الوقت لأغراضٍ طبية.

كان القدماء أيضًا في فنزويلا ودول أمريكا اللاتينية يستخدمون التبغ المخلوط بالجير معجونًا لتبييض الأسنان، وعلى الرغم من كل ذلك، إلا أن التبغ لم يصبح علاجًا شائعًا حتى بداية القرن 16 الميلادي. وذلك عندما أبلغ المستكشف البرتغالي بيدرو ألفاريز عن استخدام عشبة التبغ في علاج القروح والجروح والأورام الحميدة والخراجات المتقيحة وأسماها «العشبة المقدسة»، نظرًا لقدرتها على علاج الحالات الميؤوس منها.

الجدير بالذكر، أن التبغ في عام 1571 ميلاديًا، أدرج باعتباره أحد أفضل النباتات الطبية؛ إذ قام الطبيب الإسباني نيكولاس مونارديس بنشر كتابه عن «تاريخ النباتات الطبية في العالم» الجديد، وفيه ادعى أن التبغ يمكنه أن يعالج أكثر من 36 مشكلة مرضية؛ وكان ذلك هو السبب الرئيسي وراء الشعبية الكبيرة للتبغ لدى سكان القارة الأوروبية واعتقادهم أن التبغ يعالج تقريبًا كل شيء من رائحة الفم الكريهة، وحتى أمراض السرطان.

«أسطورة العشبة المقدسة»

منذ زمنٍ طويل، عندما كان شعب بوتواتومي ما زال يحيا شرق المحيط بالقربِ من أرض أجدادهم، قبائل «Delaware أو ديلاوير»، كان بينهم رجل عجوز، تأتيه رؤى غريبة بأن شيئًا مقدسًا سينمو في حقله. كان الحقل يقع بمكانٍ قريب، قد قام الرجل بتطهيره سابقًا بالنارِ، وفي الرؤية حذرته الأرواح من السماح لأي امرأة بالاقتراب من مزرعته. في الصباح قام العجوز بقطع الأشجار، فكونت جذوعها سياجًا طبيعيًا حول المزرعة، يمنع أي شخص من الاقتراب منها.

كان حقله غامضًا، ونتيجة لذلك كان الجيران كلما مروا عليه يهزؤون به، كما سخر منه أقاربه وأصدقاؤه، قائلين: «كيف تتوقع محصولًا من أرضٍ لم تضع بها بذورًا؟». احتمل الرجل العجوز كل ما واجهه من سخرية، وعندما ذهب الجميع للصيد في شهر يوليو (تموز)، بقى الرجل وحيدًا في منزله، وقبل أن يعود الجميع، ذهب الرجل إلى الحقل، فوجد به نباتًا غريبًا قد نما، لم يعرف حتى اسمًا له. وفي أحد الأيام مرَّ به واحد من أرض الأجداد، سعى العجوز ليريه نبتته التي انبسقت من الرؤى، وأهدتها له الروح العظيمة، حينها قال له الرجل أن في أراضي الأجداد نبتت نفس العشبة المقدسة من حلم رجل عجوز.

أراد البوتواتومي أن يعرف كيف تستخدم هذه العشبة التي جاءت له هدية في كبر سنه، فأجابه الزائر: «يا عزيزي، إذا كانت هذه النبتة هدية لكَ من الروح العظيمة، ستزورك الروح مرةً أخرى وتظهر لك كيف تستخدمها». كان العجوز في حيرة من أمره، وقرر أن يصوم وينتظر الرؤى، وبقى بدون طعام يومين، وفي اليوم الثالث، ظهرت له الروح العظيمة وأخبرته بأن يجمع أوراق النبات ويجففها ليصلي، وأن يحرقها في النارِ بخورًا، ويدخنها في أنبوب خاص، ولا يقيم وليمة أو أضحية إلا كان التبغ جزءًا رئيسيًا منها.

وفي مكانٍ بالقربِ من البحر، على تلٍ من الحجر الأسود الناعم، ذهب الرجل وقد قرر أن يصنع أنبوبًا خشبيًا بمعاونة الزائر من أرض أجداده، وعندما انتهوا، قاموا بالتدخين سويًا، وأمر زوجته بصنع كيس من جلد البقر، ليحفظ فيه أنبوب التبغ، وعندما عاد السكان من رحلة الصيد، ذهبوا إلى منزل العجوز ورأوا النبات الغريب الذي نما في حديقته الغامضة، وبعد يومٍ واحد، أقام العجوز وليمة، وقدم إليهم العشبة هدية من الخالق، وكان هذا اليوم عيدًا للمباركة الجديدة التي استمرت معهم طوال حياتهم.

6 طرق مثبة علميًا تساعدك في الإقلاع عن التدخين

نبات مقدس يستخدم في الطقوس الدينية

إذا كان سكان العالم القديم لم يتعرفوا إلى التبغ إلا بعد اكتشاف الأمريكتين، فإن السكان الأصليين لقارتي أمريكا الجنوبية والشمالية كانوا يدخنون التبغ قبل 1000 عام من وصول البحارة الأوروبيين إلى شواطئهم؛ فقد كان التبغ يرتبط مع الشعوب الأصلية بالطقوس الدينية المقدسة، وكان التدخين في الاحتفالات الدينية يقتصر على أعضاء قبليين معينين، وكمياتٍ محدودة من العشب.

حافظت العديد من القبائل على القصص الشعبية التي تتناول أصل التبغ؛ إذ لم يكن التبغ التقليدي لدى جماعات الهنود الحمر يشبه ما نعرفه اليوم من التبغ والسجائر، وذلك نتيجة خلطه مع موادٍ عشبية أخرى، كان من مكوناتها المفضلة اللحاء الداخلي لأشجار الصفصاف والقرانيا الخشبية وأوراق السماق، وكان الخليط النهائي ثلثه فقط من التبغ، ومن ثم يقومون بتجفيفه عن طريق الحرارة في 20 دقيقة بشرط ألا يحترق. وكان التدخين في الأنابيب طقسًا احتفاليًا يشمل الرجال والنساء دون تفريق.

في الطقوس الدينية، كان التبغ التقليدي دواء وعشبة مقدسة تعزز إمكانات الجسد وروحانيته، وجرى استخدامه للتقربِ من الخالق؛ فهو الخيط الذي يوحد بين البشر والقوى الروحية المتواجدة حولنا في الكون؛ إذ كانت «المانوج» أو الأرواح مغرمة بهذا الخيط الأبيض من الدخان، بحسب روايات السكان الأصليين وقبائل الهنود، وكان تدخين التبغ في أنبوب هو طريقة للتواصل معها؛ إذ كانت الأرواح بهذه الطريقة تحصل على ما تبتغيه.

كان السكان الأصليون في منطقة البحيرات الكبرى، وعند قواعد الأشجار يقيمون طقوسهم في استجواب الأرواح، أو تقديم الشكر لها على خيرٍ قدمته إليهم، ولاستحضارها كانوا يقومون بوضع التبغ الجاف في قاعدة إحدى الأشجار، ومن دخانه يحصلون على مرادهم، ومنه يصنعون أيضًا أدويتهم. وفي موسم حصاد الأرز كان هناك طقس ديني متبع؛ وذلك بإلقاء قرصٍ من التبغ داخل الماء طمعًا في حصادٍ وافر وضمان هدوء الطقس إبان جمع المحاصيل، وخلال رحلات الصيد، كان القدماء يضعون قدرًا من التبغ على زوارقهم، أملًا في عودةٍ آمنة.

واجه «الهنود الحمر» خلال معيشتهم  في البراري والغابات والجزر الكثير من الظواهر الطبيعية، شلالات وكهوف وأشجار وصخور بأشكالٍ غريبة وجزر اعتقدوا أنها مسكونة بالأرواح، وكان التبغ يمثل أضحياتهم لتجنب الأرواح الشريرة، فكانوا يعرضونه على الطبيعة في مقابل الأمان، ويضعونه على شواهد قبورهم أضحية للروح المغادرة، واستخدموه في إنهاء صفقات العمل، دليلًا على إبرام الصفقات.

إبان الاحتفالات، كان للسكان الأصليين طريقتهم الخاصة في دعوة الأرواح المحيطة إلى سهراتهم، وذلك عن طريق تقديم أكثر نباتاتهم خصوصية وتقديسًا بوصفها نذرًا للأمان وليلة هادئة، كما كان التبغ هو الطريقة المتبعة في دعوة الحضور وإخطارهم بوجود احتفال، وذلك عن طريق إرسال قطع من التبغ الجاف إلى المدعوين مع رسولٍ مكلف بهذه المهمة.

لم تكن عشبة التبغ وحدها المقدسة لدى السكان الأصليين من الهنود، بل كان أنبوب التدخين أيضًا له قدسيته؛ فقد احتفظ سيد القبيلة بأنبوبٍ خاص كبير الحجم ومزخرف، وفي حالِ وجود نزاعات بين الأفراد، كان السيد يقوم بوضع أداة التدخين بين الأفراد المتنازعين لإيقاف الشجار، ومن ثم يدعوهم للتدخين سويًا لإنهاء خلافاتهم؛ وقد قدم التبغ هدية لإبرام معاهدات السلام بين القبائل، وكان منحة لا يمكن رفضها.

هكذا استخدم التبغ باعتباره نقودًا تساوي الذهب

في القرن السابع عشر، تحديدًا عام 1619، كانت مقاطعات فرجينيا وميريلاند وكارولينا الشمالية تعاني من ندرة المسكوكات؛ إذ ونتيجة للاستعمار الأوروبي، شحت النقود إلى درجة أن بحث السكان عن بديلٍ يستخدمونه خلال معاملاتهم اليومية، وكان التبغ في ذلك الوقت يساوي الذهب. عشبة مقدسة ولها خصائص طبية يتحاكى عنها القاصي والداني. حينها صنفت الهيئة التشريعية في فرجينيا التبغ عالي الجودة بما يساوي «ثلاثة شلنات»، وبحلول عام 1642، كانت كل المعاملات التجارية في ولايتي ميريلاند وكارولينا الشمالية تتم عن طريق لفافات التبغ، حتى أنه جرى استخدامه باعتباره رسومًا في المصالح الحكومية وثمنًا للبضائع، وظل هذا النظام متبعًا قرابة قرن من الزمان، وذلك حتى الاستقلال منتصف القرن الثامن عشر.

في القرنين 17 و18، كانت مستعمرات العالم الجديد في الأمريكتين قد تفرقت بين الدول الاستعمارية، وفي ذلك الوقت عانت الولايات التي كانت تعتمد على أوروبا في الإمدادات، من نقصٍ في سك العملات المعدنية، حتى أصبح نظام المقايضة هو النظام الرئيسي للتجارة بين المستعمرين، وبعد فترة من الزمن، أصبحت بعض البضائع هي العملة المعتادة في التعاملات المالية، وكانت المدفوعات عادةً ما تكون دقيقًا أو ذرة أو ماشية أو تبغًا.

منذ نهاية القرن 16، كان التبغ هو المحصول الرئيسي للمستعمرات الجنوبية، مثل فرجينيا وميريلاند مما أهله ليصبح بالفعل عملة قانونية في ولاية فرجينيا، وجرى استخدامه في دفع الإيجارات والغرامات وثمن البضائع المستوردة من أوروبا، وكان يجري تخزين التبغ في مستودعاتٍ ضخمة، وإصدار عملاتٍ ورقية مختومة يصرف بها التبغ المخزن للشخص المستفيد، وهو النظام الذي استمر في ولاية ميريلاند 150 عامًا، وذلك حتى عام 1747.

كان هناك عيبان رئيسيان لاستخدام هذا النظام في الدفع، أولًا أن المحاصيل الزراعية لها مدة صلاحية محدودة، وبالتالي عرضة للتلف، أما العيب الثاني فكان تغيّر قيمتهم الشرائية تبعًا لظروف السوق. في البداية قام التجار بالتغلب على العيب الأول، وذلك عن طريق إصدار مدة صلاحية قانونية لصرف التبغ بلغت 18 شهرًا، أما العيب الثاني فلم يظهر إلا في أواخر القرن السابع عشر، عندما انهارت قيمة التبغ الشرائية، وكان ذلك إنذارًا بنهاية هذا النظام المالي، والذي انتهى تمامًا خلال القرن التاسع عشر وذلك بصدور العملات الورقية الرسمية.

أيهما أكثر خطرًا.. أضرار التدخين أم عدم ممارسة الرياضة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد