كيف غيرت المراحيض التاريخ؟ قد يبدو عنوانًا صادمًا لكتاب لورا بيردو، إلا أنه يروي تاريخ واحد من أهم الاختراعات في تاريخ البشرية، وكيف قام هذا الاختراع البسيط بتغيير مدن بأكملها، حتى أصبحت الحمامات اليوم جزءًا لا يتجزأ من منازلنا، نمضي الكثير من الوقت في اختيار الألوان التي تناسب أذواقنا، والأشكال المميزة، ووسائل الرفاهية، التي تضمن لنا الراحة والخصوصية، بالإضافة إلى النظافة الشخصية، إلا أن الأمر لم يكن دائمًا هكذا.

ففي العصور القديمة، كان الإنسان البدائي عندما يحتاج إلى التبول أو التغوط، يفعل ذلك في الخلاء، بلا أي ضمانات للخصوصية أو النظافة الشخصية، وما قد يتبع ذلك من مشكلاتٍ صحية. وعندما أصبح الإنسان أكثر تحضرًا، تبنى وسائل أكثر تطورًا لأداء وظائفه الجسدية الأساسية، فبدأ باستخدام أوانٍ بسيطة يجمع فيها نفاياته الخاصة، ومن ثم يتخلص منها بعيدًا عن محل معيشته.

وقد كان التخلص من النفايات البشرية بطرقٍ غير مناسبة على مدار التاريخ سببًا في انتشارِ أمراض مدمرة، إذ كان البشر يتخلصون من نفاياتهم إما بالقرب من مناطق معيشتهم، أو عن طريق الأنهار، التي استخدموا مياهها فيما بعد من أجل الشرب والاستحمام، فكانت النتيجة أحد أشهر الأوبئة التي عرفها الإنسان، مرض «الكوليرا».

التاريخ يبدأ من المراحيض

في العصور الوسطى كانت المراحيض عبارة عن حُفرٍ في الأرض، تقبع فوقها مقاعد خشبية، وفي القرن الثاني عشر؛ بنى الرهبان مراحيض ذات مقاعد خشبية وحجرية فوق الأنهار، وأخرى في «قلعة بورتشيستر» على الساحل الجنوبي لإنجلترا، حيث يمكن للمد والجزر أن يكسح النفايات البشرية في طريقه.

كان ذلك قبل أن يبتكر السير جون هارينغتون مرحاضًا متصلًا بخزان مياه، لطرد النفايات إلى شبكات الصرف الصحي، عام 1596، ومن ثم بدأت براءات الاختراع لتكنولوجيا المراحيض الحديثة، وقد كانت تلك التكنولوجيا مقتصرة على النخبة والطبقات العليا من المجتمع حتى أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ أصبح هناك مراحيض خاصة داخل مساكن الطبقات المتوسطة، كما صُنعت حينها المراحيض من الخزف وأصبحت مزينة بالألوان الجذابة ومنقوشة.

في بحثٍ نُشر بمجلة «Nature»، بعنوان «التاريخ السري لمراحيض المدن القديمة»، جرت الإشارة إلى أن المراحيض أو الحمامات لطالما كانت موضوعًا غير محبب أثناء دراسة التاريخ، إلا أنه وفي الآونة الأخيرة قد أصبح مقبولًا من قبل بعض علماء الآثار وأخصائيي الأمراض المعدية، المهتمين بحلقاتِ التاريخ المفقودة؛ إذ كانت التحقيقات التي جرى تدوينها عن المراحيض طريقًا جديدًا يسلكه البعض من أجل التعرف على النظم الغذائية والأمراض والعادات الخاصة بسكان الحضارات القديمة، خاصةً الطبقات الدنيا.

وعلى الرغم من أن روما القديمة قد عرفت أنظمة السباكة المتطورة، إلا أن دورات المياه الخاصة بالسكان القدامى، شكلت أخطارًا حقيقية سواء من الفئران أو الحشرات الكامنة في مجارير المياه؛ إذ أثبتت الدراسات الحديثة على البراز القديم في المدن الرومانية؛ أن السكان قد واجهوا أمراضًا خطيرة تعود إلى طفيليات خارجية وحشرات مثل القمل والبراغيث وحشرات الفراش.

يقول هندريك داي، عالم آثار بجامعة «هانتر» في نيويورك: «دورات المياه لا تخبرنا فقط عن أين وكيف قضى القدماء حاجتهم، بل لها تاريخ سري»؛ إذ تستطيع أن تتعرف على ازدهار المجتمع، ومدى توفير سبلِ الراحة اليومية للمواطنين عن طريق تكنولوجيا المراحيض التي استخدموها.

 قام سكان جزيرة «كريت» في البحر المتوسط في الألفية الأولى قبل الميلاد، بإضافة القدرة على تدفق المياه -صندوق الطرد الذي يعمل على كسح ما في المرحاض-، وقد جرى تخصيصه للطبقات الراقية من المجتمع، ومن هنا بدأت تكنولوجيا المرحاض.

إذ طورَّ الإغريق خاصةً خلال الفترة الهلنستية، مراحيض عامة واسعة النطاق متصلة بشبكات الصرف الصحي، كما عرفت منازل الطبقة الوسطى في ذلك الوقت «دورات المياه» الخاصة. ويقول عن ذلك المهندس المعماري اليوناني جورجيوس أنطونيو، أن ذلك دليل على مجتمع أكثر رخاءً وازدهارًا.

مراحيض بدائية، عبارة عن مقاعد حجرية فوق الأنهار

تعد دراسة المراحيض نافذة لمعرفة أفضل لكيفية عمل المجتمعات القديمة، خاصةً الطبقات الدنيا منها، والتي لا يهتم بها علماء الآثار والتاريخ ممن يركزون جهودهم على النخبة؛ إذ تشير جيما يانسن وأن كولوسكي (عالمتا الآثار) إلى أن المراحيض تُمكنك من معرفة معتقدات المجتمع أيضًا.

«الرومان على سبيل المثال، تخيلوا وجود شياطين في كل مكان، وفي الأدب اليوناني اعتقد البعض أن الشياطين تسكن في المراحيض ودورات المياه، وبإمكانهم إلقاء تعويذة عليك لتموت أو تمرض». *جيما يانسن

يمكن أيضًا من دراسة شبكات الصرف الصحي، استنباط بعض الرؤى الثاقبة عن الاقتصاد والغذاء في العصور المختلفة؛ إذ تشير كمية نفايات المطبخ عند الرومان مثلًا، إلى أن القدماء كانوا يطبخون في المنازل أكثر مما يعتقد المؤرخون، كذلك أشارت كميات عظام الأسماكِ إلى أن تجارة الأسماء كانت رائجة إقليميًا أكثر بكثير من المتوقع.

بالإضافة إلى ذلك، يقول عالم الآثار بجامعة «كامبريدج»، بيير ميشيل، إن دراسة المراحيض تُعد مرجعًا هامًا لمعرفة أحوال الصحة العامة لسكان العصور الفائتة؛ إذ أنه وبحسب دراساتٍ منشورة عن الطفيليات الموجودة في المواقع الأثرية من عدة عصور، كانت الطفيليات المعوية ومشكلات سوء التغذية التي تعود إلى العصر البرونزي والحجري والروماني ترتفع تدريجيًا، الأمر الذي قد يرجع إلى قيام الرومان باستخدام النفايات البشرية سمادٍ في الزراعة؛ إذ وعن طريق ذلك تحول بيض الطفيليات إلى طعام.

هكذا استخدمت المراحيض في كتابة تاريخ البسطاء، لكن كيف كان شكل المراحيض في الحضارات المختلفة؟

الحضارة الرومانية.. المراحيض الجماعية العامة

«منذ حوالي ألفي عام، وتحت أحد أفخم قصور روما، كانت هناك حجرة رطبة ذات سقفٍ عالٍ ورائحة كريهة، تجد داخلها على طول الجدران 50 مقعدًا حجريًا، مثقوبًا من النصف بحجم أطباق العشاء. نظرة واحدة لتعرف أن الحجرة هي مجرد مراحيض الطبقة الدنيا في المجتمع الروماني، وربما العبيد». *مجلة «Nature»

عام 2014، قامت كل من آن كولوسكي وجيما يانسن -عالمتي الآثار- بدراسة المرحاض المُشترك العتيق والذي يعود لإحدى قصور روما. كان ارتفاع المقاعد الحجرية حوالي 43 سم، أما المسافة بينها فكانت صغيرة؛ إذ يفصل بين كل مقعدٍ وآخر حوالي 56 سم، كما كان عمق فتحات المراحيض المتصلة بمجارٍ مائية حوالي 380 سم.

أغلب التكهنات حول مصادر المياه التي استخدمت في سحب القاذورات نحو شبكة الصرف الصحي، كانت تعود إلى حمامات الاستحمام القريبة، كما كان هناك خارج مدخل تلك الحجرة الكبيرة بعض كتابات «الجرافيتي» العتيقة، محفورة على الجدران، مما يدل على طابور طويل لهؤلاء المنتظرين دورهم نحو المقاعد الحجرية من أبناء الطبقة الدنيا العاملين في القصر.

حتى أن جيما وآن، تقولان: «من المرجح أن وقت الانتظار كان كبيرًا كفاية إلى درجة قيام البعض بنحتِ أو كتابة رسائلهم على الجدران». تضيف الباحثتان أن موقع الحجرة كان يقع تحت الأرض، وقد زينت الجدران باللونِ الأحمر والأبيض، مما يشير إلى أن فئة مستخدمي هذه المراحيض، ربما كانوا من العبيد.


في فيلمٍ تسجيلي، أنتجته وكالة «بي بي سي» الإخبارية، بعنوان «التاريخ المسكوت عنه للمراحيض»، جرت الإشارة إلى أن الحضارة الرومانية عرفت المراحيض المتصلة بمياه جارية؛ فقد صنعوا في ساحاتٍ عامة مراحيض جماعية، لم تعرف الخصوصية، كانت مقاعدها الحجرية بجانب بعضها بعضًا بلا فاصل، ويقبع تحتها مجرى للمياه، وذلك للتخلص من الفضلات والنظافة.

وقد اشتهر الرومان باهتمامهم بشبكات الصرف الصحي؛ إذ أسسوا أضخم نظام للصرف الصحي عرفته الحضارات القديمة، وهو «Cloaca Maxima». وبعد الانتهاء من استخدام المراحيض، استخدموا إسفنجة مثبتة في عصاة، من أجل النظافة الشخصية.

في حين تشير جيما في بحث مجلة «Nature»، إلى أن بعض المساكن في الحضارة الرومانية عرفت المراحيض الخاصة، والتي كانت توجد غالبًا إما في المطبخ، أو بالقرب منه؛ إذ استخدموها أيضًا في التخلص من بقايا الطعام، وعلى الرغم من أن السكان غالبًا ما قاموا بغسل المراحيض عن طريق دلو من المياه، إلا أن تلك المراحيض الخاصة، نادرًا ما كانت متصلة بشبكة الصرف الصحي، بحسب يانسن، عندما تمتلئ الحفرة، يجري تفريغها إما في الحدائق أو الحقول التي تقع خارج المدينة.

كيف تشحن هاتفك بالبول؟ تكنولوجيا جديدة «تضرب عصفورين بحجر»

في الهند.. قلة استخدام المراحيض مقياس للرجولة

في الكتب الهندية القديمة، جرى الربط دائمًا بين الاستخدام المتكرر للمراحيض، والرجولة؛ إذ كان يعتقد على سبيل المثال، أن المصارعين إذا ما تغوطوا بشكلٍ متكرر، فإن ذلك دلالة على ضعف الجهاز الهضمي، كما كان يتوقع من القديسين أن يتغوطوا أقل، دلالة على الزهد، لأنهم يأكلون فقط ما يحتاجون إليه.

أما التغوط النادر، فكان دلالة على القدسية في المجتمع الهندي، وعلامة على الرجولة في مجتمعاتٍ أخرى، ولذا يُقال أن رجال «قبيلة تشاجا» كانوا يخيطون فتحات الشرج عند البلوغ، من أجلِ إثبات تفوقهم على أبناء جنسهم. ولهذا فقد شكلت حاجة الإنسان إلى الإخراج جزءًا من أفكار المجتمع الهندي القديم.

نظام الصرف الصحي في الهند القديمة

يحمل تاريخ حضارة وادي السند، والتي نشأت حول نهر السند في منطقة باكستان وشمال الهند حاليًا، قبل نحو 4500 عام، بقايا أثرية تدل على استخدام المراحيض التي ترافقها مياه الصرف الجارية، وذلك في منطقة هارابا على بعد 62 كم من أحمد آباد؛ إذ كان لكل منزل في هارابا، مرحاض خاص مع وصلة إلى المصارف المغطاة بالخارج، وكان مهندسو وادي السند على دراية خاصة بعلوم الهندسة، والنظام الصحي للمراحيض، وذلك دلالة على ما وصلت إليه هذه الحضارة من نضوج، إلا أن تلك العلوم قد اندثرت ودفنت مع حضارة وادي السند، وقد تراجع سكان الهند ليستخدموا الخلاء مرة أخرى بديلًا للمراحيض.

وفي الفترة ما بين عامي 500 و1500، كان هناك تاريخ مظلم للنظافة الشخصية بحضارة الهند؛ إذ لجأ الهنود إلى التخلص من فضلاتهم بالشوارع وفي الأنهار، وبحلول العصور الوسطى كانت المراحيض عبارة عن حفرٍ بسيطة في الأرض مع مقاعد خشبية، كما اعتمد البعض في أجزاء الإمبراطورية المغولية على طريقة الحيوانات البدائية في التخلص من فضلاتها، وذلك عن طريق حفرٍ في الأرض تردم بعد الانتهاء من قضاء حاجتك.

لم تعرف الهند قوانين الصرف الصحي القائمة على توفير دورات مياه وأحواض إلزامية حتى عام 1878، كما حصلت المراحيض على ستائر عام 1880، وذلك في عاصمة الهند البريطانية.

في الحضارة المصرية القديمة.. حمامات للموتى

كان المصري القديم يعتقد بأن الموت هو انتقال من حياة إلى حياةٍ أخرى، ولذلك آمنوا أن معيشة الجسد الميت تتطلب مأكلًا وملبسًا وغيرها من ضروريات الحياة اليومية، ولذلك ليس من المستغرب أن يكتشف علماء الآثار حمامات داخل المقابر؛ إذ اكتشفت حفارات المعبد الجنائزي للملك ساحورع في أبو صير بقايا مقاعد حجرية، جرى تجهيزها بتركيباتٍ معدنية لاستخدامها كمراحيض. وفي المعبد الهرمي بأبي صير، والذي بناه والد زوجة الملك توت عنخ آمون، نجد أنبوب تصريف نحاسي يمتد من المعبد العلوي، على طول جسر البناء المتصل بالهيكل الخارجي، وحتى النهر.

كان المصريون بارعين جدًا في بناء أنظمة الصرف الصحي؛ إذ لعب الماء دورًا أساسيًا في الحياة الكهنوتية، من أجل النقاء والطهر، وفي مقبرة من المفترض أنها تحتوي على جسد أوزوريس قبل أن يصبح إلهًا، اكتشف علماء الآثار حفريات للحد الفاصل بين الحياة والموت -بحسبهم-، وهو خندق عميق يحتوي على ماء نهر النيل والذي يحيط بتمثالٍ للإله على عرشه، وبعد مرور أكثر من 5000 عام، ما زالت المياه تملأ الخندق عبر أنابيب تحت الأرض متصلة بنهرِ النيل.

كان الأثرياء في مصر القديمة، ورجال الطبقة الأرستقراطية يملكون حمامات خاصة ومراحيض مناسبة داخل منازلهم، وكانت مقاعد المراحيض مصنوعة من الحجر الجيري، أما الفقراء، فقد كانت مراحيضهم عبارة عن مقعد خشبي ذو ثقبٍ من المنتصف، تحته حاوية مملوءة بالرمال، يقومون بتفريغها يدويًا.

كانت منازل الأثرياء تخلو من المياه الجارية، وكان لدى المصري القديم غرفة للاستحمام، يقف فيها فوق لوحٍ حجري، حيث يتم سكب الماء عليه من قبل الخادم، ولأن المياه كانت ثمينة في الحضارة المصرية، كانت هناك أنابيب لتصريف مياه الاستحمام في جرة كبيرة، إذ كان يعيد المصري القديم استخدامها فيما بعد لري النباتات في الحدائق.

عصير مراحيض ومزارع تسمين.. 10 من أغرب طقوس الزواج في العالم

المصادر

عرض التعليقات
s