في الثاني من يونيو (حزيران) الجاري، صوت البرلمان الألماني لصالح قرار، في إطار خلاف قديم متجدد، يعتبر أحداث عام 1915 «إبادة جماعية»، ارتكبتها الدولة العثمانية ضد الأرمن، قرار أدى إلى توتر العلاقات التركية الألمانية، بشكلٍ فوري، برغم قوة العلاقات التاريخية بين البلدين، والعلاقات المتجددة أيضًا، وبالأخص «ملف الهجرة واللاجئين».

وأيدت امرأة ألمانيا الحديدية، المستشارة أنجيلا ميركل، القرار قبل الموافقة عليه برلمانيًّا، دون المشاركة في عملية التصويت نفسها، بسبب «برنامج عملها الكثيف» كما ورد، وحصل القرار على أغلبية كبيرة، في البرلمان الألماني «البوندستاج»، الذي يضم 11 نائبًا من أصول تركية، ولم يرفض القرار سوى نائب واحد، فيما امتنع آخر عن التصويت.
ويعد القرار توصيةً من البرلمان للحكومة، وليس إلزامًا قانونيًّا لها، على أن تترك تبعات القرار، ونتائجه لتقدير ساسة الحكومة، وعلى رأسهم ميركل، سواء بتحويله إلى عصا فعلية تستخدم مع أنقرة، أو تركه مجمدًا حتى حين، بينما ترفض تركيا إطلاق لفظ «إبادة جماعية» على تلك الأحداث، وتُفضل وصفها بـ «المأساة» التي تعرض لها كلا الطرفين.

تركيا تُصعد وتستدعي سفيرها في برلين

قبيل يوم واحد من التصديق على القرار، حذرت تركيا ألمانيا من إقراره، واحتشد آلاف الأتراك، أمام مبنى البرلمان الألماني، منددين بنية البرلمان التصويت على القرار، وعقب تصديق البرلمان الألماني عليه، والحصول على موافقة برلمانية بأغلبية ساحقة، استدعت تركيا سفيرها في برلين لـ«التشاور معه»، كما استدعت وزارة خارجيتها القائم بأعمال السفارة الألمانية، في أنقرة، لتعرب عن انزعاجها من قرار برلمان بلاده.

وقال الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن القرار سيؤثر بـ «شكل خطير» في العلاقات بين البلدين، فيما قال رئيس وزراء تركيا، المتولي منصبه حديثًا، علي بن يلدرام، إن القرار لن «يدمر» العلاقات بين البلدين، ولافتًا إلى أن ألمانيا وتركيا حليفان «هامان للغاية». لكنه، وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن تركيا لن تصمت على هذا القرار، قرار وصفته الحكومة التركية بـ «مثال على الجهل وعدم الاحترام».

واستمر تصعيد أردوغان، بلغة أكثر شدة، عندما طالب ألمانيا بدفع فاتورة «الهولوكوست»، وقتلها لأكثر من 100 ألف شخص، في جمهورية ناميبيا الأفريقية، ووجه خطابه لألمانيا: «إذا كنتم تبحثون عن شريك لجرائمكم ضد الإنسانية، فنحن لسنا ذلك الشريك، ابحثوا عنه في مكان آخر، فأنتم تحاولون تحقيق مطامعكم القذرة، عبر السياسة والبرلمانات، لا عن طريق بحوث علمية ودراسات أكاديمية».

واتهم أردوغان نواب البرلمان الألماني، من ذوي الأصول التركية، بأنهم امتداد لمنظمة حزب العمل الكردستاني، المصنفة كـ «منظمة إرهابية» في تركيا، مُطالبًا بإجراء «فحص دم لهؤلاء النواب في المختبر من أجل التحقق من أصولهم التركية»، ثم وصف الرئيس التركي، رئيس حزب الخضر الألماني ذا الأصل التركي، جيم أوزدمير، والمؤيد للقرار الألماني بـ «المتحذلق».

ألمانيا تستدعي القائم بأعمال السفير التركي أيضًا

على الجانب الآخر، أثارت تصريحات أردوغان «اللاذعة»، وبالأخص تلك الموجهة ضد النواب من ذوي الأصول التركية، غضب عدد من الصحف الألمانية، قائلة إن أردوغان «يعتبر كل أتراك العالم رعاياه»، وانتقدت تصريحاته بوصفها بـ «العكرة» و«المُبالغ فيها»، مُطالبةً الحكومة الألمانية بعدم تقبلها والوقوف ضدها.

بدورها، اعتبرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، تصريحات أردوغان في هذا الصدد بـ«غير المفهومة»، كما استدعت وزارة الخارجية الألمانية، القائم بأعمال السفير التركي في برلين، مخبرة إياه أن تصريحات أردوغان، تجاه برلمانيين ألمان، اعتبرت دبلوماسيًّا «غير مفهومة»، وتجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الألماني عارض القرار قبل إصداره، وقال المتحدث باسمه، في الأول من يونيو (حزيران) الجاري، إنه يأمل ألا يتسبب القرار بـ «خلل طويل في العلاقات الألمانية- التركية».

توافق تركي ألماني بشأن ملف اللاجئين

قبل تلك الواقعة التي أثارت الخلاف بين الطرفين، كانت العلاقات الألمانية والتركية قويةً ومتناغمةً، في عدد من القضايا والملفات، ومن أبرز تلك الملفات: أزمة اللاجئين المتفاقمة بشكلٍ كبير، نتيجة الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط، وتُعد تركيا واحدة من أكبر دول العالم في استقبال اللاجئين، وبالأخص السوريين منهم، إذ تستضيف تركيا قرابة الثلاثة مليون لاجئ سوري على أراضيها، متفوقةً على كل بلاد العالم، ومن جانبها استقبلت ألمانيا 1.1 مليون لاجئ، من مختلف الجنسيات خلال العام الماضي، متفوقةً على كل الدول الأوروبية.

ويُعد ملف «اللاجئين السوريين» أحد أهم أوراق الضغط التركية، ذات الثقل السياسي البالغ لأنقرة، في مشوار تفاوضها الماراثوني، مع ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي، تفاوض تحاول أوروبا، وعلى رأسها ألمانيا، الحفاظ على شروطه الرئيسة: تستقبل تركيا اللاجئين، بدلًا من نزوحهم إلى ألمانيا وأوروبا بأكملها، مقابل تلقي الدعم المادي الأوروبي، وتسهيل آليات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ومكاسب تركية أخرى.

وتوج تلاقي المصالح في هذا الصدد، باتفاقية جرت بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، بمباركة ألمانية، في 18 مارس (آذار) الماضي، وتنص الاتفاقية على إعادة كل المهاجرين غير النظاميين، الواصلين إلى اليونان عن طريق تركيا، إلى تركيا مرة أخرى، بينما ستعيد أنقرة المهاجرين «غير السوريين» إلى أراضيهم، وتوطن السوريين منهم في أراضيها، على أن ترسل لاجئًا سوريًّا مسجلًا لديها إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل توطين كل لاجئ سوري عائد من اليونان فيها، ويتكفل الاتحاد الأوروبي بتكاليف عملية التبادل، وإعادة القبول.

في المقابل، يتوجب على الاتحاد الأوروبي، بموجب الاتفاقية، تسريع إجراءات دخول المواطنين إلى أوروبا بدون تأشيرة، وتيسير إجراءات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وإسراع الاتحاد الأوروبي في صرف ستة مليار يورو، لمساعدة الأتراك في التعامل مع أزمة اللاجئين.

وفي هذا الصدد، أفادت وكالة الأناضول التركية الرسمية، بتقلص أعداد المهاجرين برًّا، بعد عقد الاتفاقية، بشكل كبير، فيما لوح وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، بتعليق الاتفاقية في حال عدم وفاء الاتحاد الأوروبي بالتزاماته، حول إعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول للأراضي الأوروبية.

الجالية التركية «متجذرة» في ألمانيا

وفي سياق تاريخي أوسع، للعلاقات التاريخية بين البلدين، تُعد الجالية التركية في ألمانيا أكبر جالية أجنبية هناك، إذ يبلغ عدد الأتراك المقيمين في ألمانيا، من غير الحاصلين على الجنسية الألمانية، حوالي مليون ونصف تركي، وهو ما يمثل قرابة ربع نسبة الأجانب المقيمين في ألمانيا، بالإضافة إلى حوالي مليون ونصف تركي، أو يزيدون، حصلوا على الجنسية الألمانية بالفعل.

وقد توافد مئات الآلاف من الأتراك إلى ألمانيا، عقب هزيمة الأخيرة في الحرب العالمية الثانية، في إطار برنامج «العمال الضيوف»، برنامج كان له الفضل في طفرة ألمانيا الاقتصادية، خلال العقود الماضية، ومنذ عام 1961 وحتى عام 1973، وصل إلى ألمانيا حوالي 900 ألف تركي، معظمهم فضّل البقاء في ألمانيا، لينشط بعد ذلك أبناء وأحفاد هؤلاء «العمال»، في المجالات التجارية والسياسية والإعلامية، بالإضافة إلى المجالات الرياضية، وبالأخص كرة القدم، فسياسيًّا حصد ألمانيون من أصل تركي 11 مقعدًا في البرلمان الألماني، كما أن مسعود أوزيل، أحد أبرز لاعبي المنتخب الألماني والعالم، ينحدر من أصل تركي.

وفي الوقت الذي فضّل فيه العمال الأتراك البقاء في ألمانيا، كانت السلطات الألمانية آنذاك تتعامل معهم كـ«ضيوف»، يُفترض أن يعودوا إلى وطنهم، ولم تمنحهم حقوق الإقامة الدائمة، كما تعثرت مجهودات دمجهم في المجتمع الألماني، وتعليمهم اللغة الألمانية، ويعيش معظم الجيل الأول من الأتراك، المقيمين في ألمانيا، دون تمكنهم من اللغة الألمانية.

ومما يؤكد هذا الاتجاه الألماني، تجاه الأتراك الذين هاجروا إليها، وثيقة كانت «سرية» ترجع إلى مطلع الثمانينات، أفادت أن المستشار الألماني السابق، هلموت كول، أراد تخفيض عدد الأتراك القاطنين في ألمانيا إلى النصف، خلال أربع سنوات، بدعوى أن الأتراك يأتون من ثقافة مختلفة، ولا يندمجون بيسر في المجتمع الألماني.

هلمت كول مستشار ألمانيا في الفترة من عام 1982 لعام 1998.

وخلال العقدين الماضيين، توطدت العلاقات التركية الألمانية، ودعمت ألمانيا تركيا لتحقيق تنمية اقتصادية، قبل أن يتقلص ذلك الدعم، بعد تحقيق تركيا طفرة اقتصادية كبيرة، وبعيدًا عن كول، فإن ميركل تبدو أكثر جدية في دمج الأتراك، والمهاجرين عمومًا، في المجتمع الألماني، وقد قالت في سبتمبر (أيلول) الماضي: «علينا أن نتعلم من تجربة الستينات، عندما دعونا العمال الضيوف إلى هنا، يجب إعطاء أكبر أولوية للاندماج منذ البداية»، معتبرةً أن المهاجرين «فرصة» وليسوا «مخاطر»، وهو ما رحب به رئيس الجالية التركية في ألمانيا، معتقدًا أن السياسة الألمانية قد تكون تعلمت من دروس التاريخ.

ويأتي قرار البرلمان الألماني الأخير ليعكر، بلا شك، صفو العلاقات التركية الألمانية، ولكن العمق التاريخي للعلاقة بين البلدين قد يُقلص من النتائج السلبية المتوقعة، إثر القرار الأخير، ويبدو أن تركيا أكثر غضبًا من القرار، وتحمل من الأدوات ما يُمكنها من إحداث تأثير أكبر، سواء من خلال اتفاقية اللاجئين والمهاجرين، المبرمة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، أو من خلال الجالية التركية الكبيرة هناك، جالية يراها محللون أنها تمثل «دولة داخل الدولة الألمانية».

وفي المقابل، يصعب على ميركل التراجع عن القرار، حتى وإن أرادت ذلك، لما تلقاه من دعم أغلبية برلمانية، كما أن ردود الأفعال الرسمية التركية انتقدتها الصحف الألمانية بغضب، وعلى كلٍّ فإن الأيام ستحمل الإجابة الشافية، حول مستقبل ذلك القرار ومصيره.

عرض التعليقات
تحميل المزيد