“إننا نسيطر اليوم على صنعاء أيضًا، لنضيفها إلى العواصم العربية الثلاثة الأخرى التي تتبع ثورتنا الإسلامية” رضا زاكاني، عضو البرلمان الإيراني

1- اليمن هذه المرة

أيام قليلة مضت على إعلان اليمن الإفراج عن ثلاثة من أعضاء جيش الثورة الإيراني، متهمين بتقديم التدريب العسكري واللوجيستي للمتمردين الحوثيين في صعدة، جنوب اليمن. ربما لم يكن لدى الحكومة بد من تحرير أولئك العناصر، فالحوثيون المنتصرون يملون شروطهم على العاصمة الآن، إذ يعتقد أن الإفراج عن المحتجزين جاء شرطا لإيقاف الحوثيين تقدمهم نحو صنعاء. التقدم الذي وصفه الرئيس الإيراني حسن روحاني بالـ “البطولات القديرة والانتصارات النورانية التي تدعمها إيران بكل قوة”.

2- الدفاع المقدس

“نعم أنتقد تلك الأفلام عن حرب العراق وإيران، كان ثمن إنتاجها باهظًا ومضمونها ضعيفًا، لكنها تسببت في قتل المزيد من المتحمسين في حرب لم يكن لها أي معنى” المخرج الإيراني عباس كيارستمي

كيارستمي مخرج إيراني هو الأشهر محليًا ودوليًا في تاريخ السينما الإيرانية، حائز على العديد من الجوائز، منها السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي، لكن هذا لم يمنع أن يثير تصريحه ضجة في الإعلام الإيراني، أو أن يتم توجيه سيل من الانتقادات له بسبب إهانة “الدفاع المقدس”، الاسم الذي اعتادت الجمهورية الإسلامية إطلاقه على الحرب التي استمرت ثمان سنوات بين العراق وإيران بعد انتصار الثورة الإيرانية مباشرة.

هي حرب أعلن حتى مسؤولون سابقون في الحكومة أنها استمرت بشكل مبالغ فيه. حرب يعتقد أن استمرارها لفترة طويلة ساعد الخميني الذي استطاع إبانها فرض سيطرته التامة على الأوضاع الداخلية والتخلص من الرؤوس المهمة للنظام السابق ومعارضيه وممثلي التيارات الليبرالية الذين شاركوه الثورة. ربما لأنه من الصعب جدًا أن يتقبل الناس أية انتقادات أو معارضة للحكومة طالما هي تقوم بواجب “دفاع مقدس” ضد معتدٍ خارجي. الدفاع الذي حتى بعد عشرين عامًا تدين الحكومة تصريحًا يقلل من شأنه لأنه “سيفتح المجال أمام بعض المموَلين للحديث في أمور غير مقبولة”.

3- معًا ضد الأعداء الخطرين

تحوز كلمات مثل “الحرب” و”العدو” بشكل عام أهمية و رمزية كبرى في إعلام الجمهورية الإسلامية وأدبياتها. ثمة “عدو أكبر” يجب أن يكون موجودًا على الدوام، وثمة “حرب مقدسة” يجب أن تكون قائمة ضد هذا العدو على الدوام، مما يتطلب من الإيرانيين “الشرفاء” أن “يتّحدوا من أجل رفعة إيران وعزتها” كي لا تتاح الفرصة لـ”الممولين والدخلاء” أن يقوضوا أمن إيران واستقرارها.

“ذاك العدو الافتراضي لبلدي أغضبني! ذاك الذي كان يفترض أن يفترس بلدي وأخبروني أن علي أن أتحمل كل يوم شيئًا مختلفًا لأحمي بلدي، لم يفترس بلدي” كامبيز حسيني، مقدم برامج إيراني شهير

ثمة مراسم واحتفاليات تقام كل عام للاحتفاء بذكرى الشهداء الذين ضحوا بحياتهم ونالوا موتًا مقدسًا من أجل شرف الجمهورية الإسلامية، إذ تنظّم بشكل أساسي لقاءات سنوية مع أهالي قتلى وأسرى الحرب الإيرانية العراقية، ولقاءات أخرى مع أهالي من فُقدوا في العمليات الأخرى التي تلتها.

“الشهداء هم من قررت الجمهورية الإسلامية أن ترسلهم في حرب مقدسة ما ثم تستغل ذكراهم كل عام في إذكاء أمور مقدسة أخرى” علي حميدي، طالب إيراني

4- كلها دفاعات وكلها مقدسة

منذ انتصار الثورة الإيرانية فإن الجزء الأكبر من الآلة الإعلامية الضخمة لتقديس حرب ما وشيطنة عدو ما كان من نصيب أحداث الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت لثمان سنوات. بعد انتهاء الحرب كان على دفة الآلة الإعلامية أن تتوجه نحو العدو الجديد الذي تريد الجمهورية الإسلامية أن يظهر كعدوها الأكبر: إسرائيل، ونحو النضال الذي تريد الجمهورية الإسلامية أن يظهر كنضالها الأكبر: تحرير فلسطين.

في الأعوام الأخيرة وبعد ثورات الربيع العربي، كان هناك تطور مهم آخر في الخطاب الدعائي ضد الأعداء الخطرين، هذه المرة صار الدفاع المقدس موجها بشكل كبير ضد “أولئك الذين يريدون القضاء على شيعة علي”.

لم تعد الجمهورية الإسلامية تجد غضاضة في الاعتراف بعملياتها الخارجية وتمجيدها علنا، فهي تصر أن كل ما قامت و تقوم به في دول مثل العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، ليس تدخلًا في شئون الدول المجاورة وليس هجوما على استقرارها، بل لا يعدو كونه “دفاعا” عن الشيعة والتشيع وعن الإسلام الحق كما ينبغي أن يكون، لأن آية الله خامنئي هو “حامي الشيعة والمسؤول عنهم” في كل مكان.

5- امنحونا موتًا عاديًا

“كل العمليات الإيرانية التي لا تتوقف عنها الجمهورية الإسلامية مذ تولت الحكم، كلها مقدسة. وصرت أعرف جيدا أن الموت خارج حدود الوطن مقدسٌ  جدًا، حتى لو كنت لا أعرف لماذا بالضبط تقاتل إيران في هذه الجبهة أو تلك، وحتى لو كنت تعلمت دائما أن الإسلام معني جدا بحفظ الأرواح! إذًا شكرا جزيلا أنا لا أريد لموتي أن يكون مقدسا، أفضل موتا عاديا بين أهلي على موت مقدس لا ناقة لي فيه ولا جمل” رضا سعيدي، طالب إيراني، ردًا على دعوات تجنيد متطوعين في قوات “البسج”.

تعكس شبكات التواصل الاجتماعي سأمًا وغضبًا متزايدين من سياسات ما يسمى بـ “الدفاع” التي تنتهجها الجمهورية الإسلامية، يتزايد الغضب مع كل إعلان عن قتلى أو أسرى جدد من تلك القوات في أي من البلاد العربية المجاورة. في الآونة الأخيرة أنشئت على شبكات التواصل الاجتماعي العديد من الصفحات التي تطالب بإيقاف “العبث” الإيراني خارج البلاد وإدانة جمع المتطوعين للقتال ضمن هذه العمليات. حتى إن البعض دعوا لجمع التبرعات للسوريين “الذين تدعم قتلهم الجمهورية الإسلامية” على حد وصف رسام الكاريكاتير الإيراني الأشهر مانا نيستاني.

“ساعدت الحكومة الإيرانية المبنية على المذهب الشيعي في إذكاء العديد من الصراعات على مستوى العالم العربي، عمليات لا يمكن تسميتها سوى “إثارة الفتن”، سواء أعجبت هذه الكلمة أفراد نخبتنا أم لم تعجبهم” آرشين أديب مقدم، رئيس معهد دراسات الشرق الأوسط في لندن

6- لا إحصائيات دقيقة

على الطرف الآخر هناك العديد من المستخدمين الذي يتحدثون عن اختلافات في الرأي بينهم وبين أهاليهم، “أخبرني أخي أنه لا يتشرف أنني أخته”، هكذا تحكي سحر زنجي عما سمعته في منزلها لأنها انتقدت إرسال مقاتلين إيرانيين إلى اليمن. أيضا ينقل بيام رضايي عن والده قوله: “جميعهم متطوعون من البسيج أو من جيش حماية الثورة وجميعهم يحملون أرواحهم على أكفهم لخدمة الإمام الذي يعرف أفضل منا أين ينفق أموال إيران وأين يرسل رجالها”.

إذًا شبكات التواصل الاجتماعي تكشف لنا جزءًا من الصورة، لكن حتى وإن ظهر هذا الجزء متجها بأغلبيته نحو رأي بعينه، فإنه لا يعتبر أبدًا إحصاءً دقيقًا وعلميًا لآراء الإيرانيين من جميع الفئات والأعمار. إن تحقيق أمر كهذا شديد الصعوبة عمليًا بعد أن سحبت إيران منذ 10 سنوات تراخيص جميع مراكز استطلاع الرأي المستقلة.

7- لأن الوطن ليس حكام الوطن!

“أهنئك على الانتصارات النورانية لكنني لا أجد عملًا، وحياتي ليست نورانية، سيدي الرئيس” مصطفى محمدي معلقًا على انتصارات الحوثيين

يتجاوز الإنفاق الإيراني على مد سيطرتها الخارجية مجرد إرسال القوات، يقول “علي معروفي” رئيس معهد إشراق للأبحاث “إن إرسال قوات إلى اليمن يأتي امتدادًا للارتباط الثقافي بين شيعة اليمن وإيران والذي بدأته الجمهورية الإسلامية منذ انتصار ثورتها، ومن مظاهره إرسال خطباء وشيوخ شيعيين إلى مناطق الشيعة اليمنيين، واستقدام طلبة علم يمنيين إلى قم لدراسة التشيع في الحوزة”. كما أن هناك دائما الحملات الإعلامية التي اعتادت وصف ثورات الربيع العربي مثلًا بأنها مجرد امتداد للثورة الإسلامية الإيرانية منذ 35 عامًا، بل تعمدت كثيرًا عرض صور المصلين في ميدان التحرير لتعطي انطباعًا عن تصدير الثورة. في الحقيقة تُخفي دائما الجمهورية الإسلامية الميزانية الحقيقية التي تنفقها في سبيل تحقيق طموحاتها الخارجية، بينما يعاني المواطنون الإيرانيون من أزمات اقتصادية حقيقية قد يرون أنها أولى بالحل ولو مرحليًا.

ربما تستمر الدول المجاورة لنظام الجمهورية الإسلامية دفع ثمن طموحاتها، لكن الثمن لا يقتصر عليهم فقط، إذ أن الإيرانيين أنفسهم تستباح حقوقهم باسم هذه الطموحات وباسم مستقبل الوطن، كعادة الدول الشمولية في خلق توحد بين مصالح الوطن ومصالح حكام الوطن!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد