1,938

يحتل الإسلام مكانة مركزية في المخيال الإسباني، فقد بقي لقرون يغذّي الأساطير والحكايات، ويمثّل مصدر إلهام للقصائد والأغاني الشعبية، ويظهر فيها بصورٍ مختلفة منذ وصل المسلمون إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا، والبرتغال) وطوال ثمانية قرون تعايش فيها المسلمون والمسيحيون. واتخذت صورة المسلم في الأدب الإسباني أشكالًا مختلفة، كان عام 1492 الذي شهد سقوط آخر الممالك الإسلامية «غرناطة» عامًا فاصلًا أيضًا في الصورة التي ظهر عليها المسلم؛ ففي عصر ازدهار الأندلس كان الأدباء يقدّمون المسلم على أنه فارس مقدام، وعدو يُخشى بأسه، ولاحقًا بعد سقوط غرناطة تقدم الأعمال الإسبانية صورة مختلفة للمسلم الذي أصبح «الموريسكي» في المجتمع الإسباني.

إن الكشف عن صورة الموري كما تظهر في أدبنا الإسباني الممتد لقرون عديدة يشبه ممارسة شاذة موجّهة لإغراق القارئ بمنتخبات كاملة من الشتائم والنعوت. * خوان جويتيسولو

المسلم خصمًا قويًّا

في البداية كان المسلم القادم إلى شبه الجزيرة عدوًا مخيفًا، وقد ظهرت الأغاني الشعبية التي تصف ما فعله «الأعداء المسلمون» من قتل للأطفال واغتصاب للنساء، والملاحظ أنها ربطت مبكرًا بين كون المرء إسبانيًا وكونه مسيحيًا.

وظهرت كتابات الحكيم الإسباني ألفونسو العاشر تحمل الكثير من المغالطات التاريخية حول قصة الإسراء والمعراج، وزيارة النبي محمد إلى قرطبة، بالرغم من اتصاله المباشر بالمسلمين وإعجابه بالأدب العربي. وظهرت في مرحلة تالية أشعار تفند أسس الدين الإسلامي وتركّز على مزايا الدين المسيحي، وقد شكلت إباحة الشرع الإسلامي للزواج ورؤية علماء المسلمين للحب على أنه أمر طبيعي صدمة لتصور المسيحي عن الجسد، الذي كان يعتبر الزواج انقيادًا لضعف الإنسان، بينما الامتناع عنه مثالًا دينيًا، وكثيرًا ما صدرت الاتهامات لمن يتحولون إلى الإسلام بأنهم «أرادوا المتع الجسدية».

كانت بعض القصائد تتخذ جانبًا تبشيريًا وتصور – حتى في عصر ازدهار الأندلس – انهزام المسلمين أمام شجاعة المسيحيين، بالرغم من تفوقهم العددي.

مع ذلك، فقد كان المسلم – قبل سقوط غرناطة – يمثّل للقشتالي عالمًا غريبًا، فضلًا عن كونه العدو والخصم، فقد أدرك القشتاليون جمال غرناطة وكتب السفراء يصفون رحلاتهم إليها، وكانت حينها تتميز ببهائها عن كافة الحواضر الأوروبية، فانتشرت الأشعار في المدن الحدودية بين الممالك المسلمة والمملكة القشتالية وراح الشعراء المتجولون يتناولون في قصائدهم مظاهر الحياة في غرناطة، ويصفون المعارك الحربية أثناء «حروب الاسترداد» التي خاضتها الممالك المسيحية ضد الممالك الإسلامية، وبين هذه الموضوعات كان الشاعر يجد مجالًا ليمدح الغرناطيين، وهم يستعدّون لخوض إحدى المعارك، أو وهم يبكون فقد إحدى المدن، وهكذا كانت صورة المسلم قد وجدت مكانها في الأدب ممثلًا لحضارة عظيمة في طريقها للانهيار، وبالرغم من كل الإعجاب به: لم ينس القشتاليون دائمًا عداءهم له.

إقرأ أيضًا: محنة أهل الأندلس.. كيف تضرّر الاقتصاد الإسباني من ترحيل الموريسكيين؟

بعد السقوط.. صورة متدنية وأخرى خيالية

إن بمقدورنا حقًا أن نجمع في هذا الصدد مجلدات كاملة من الصفات الأكثر إهانة والصور الأكثر ازدراءً. *خوان جويتيسولو

تراجعت أدوار المسلمين – الموريسكيين – في الأدب بعد سقوط غرناطة، وظهر في أغلبها على أنها شخصيات متواضعة، الساحر الموريسكي، وبشكل عام أصبحت الصورة تُقدم باحتقار شديد، وتسخر من لباسه واعتقاداته، يخبرنا المفكر والمستشرق الإسباني خوان جويتيسولو أن السِجال مع الإسلام انتعش في البداية بدافع مقاومة المسلم الإسباني، ثم لاحقًا ضد المسلم التركي، وتحوّل المسلم إلى فزاعة، أو ربما عنصر منفر مشترك موجه لتوحيد المسيحية المهددة أمامه؛ إذ أصبحت الكتابات عن المسلمين في إسبانيا – بعد سقوط الأندلس – لا تستند إلى تاريخ الفكر، بقدر ما تعتمد على الخيال الغربي عن المسلمين.

Embed from Getty Images

قدم الأدب الإسباني صورة أخرى مثالية وخيالية للمسلم الأندلسي امتزجت بحنين إلى ذلك الماضي

وبالتوازي مع تلك الصورة التي أعقبت سقوط غرناطة، ومع التدهور العسكري والثقافي الذي شهده المسلمون ابتداءًا من القرن السادس عشر؛ نشأت صورة أخرى للآخر، تحوّل فيها إلى مثال، حين أصبح الموريسيكون في موقع هامشي في المجتمع المسيحي؛ فنشأت نظرة خيالية تعويضية كما يفسرها علماء الاجتماع، وهكذا بينما كان المسلم يعاني في حياته اليومية، كان هناك تعظيم أسطوري له في مجال الأدب، تعظيم لعدو كان يُنظر له في الواقع على أنه إنسان متدنٍ في غاية التخلف، وهو تعظيم تشترك فيه الآداب العالمية للعدو المقهور أو المُباد، وقد ظهر في الأدب الإسباني بعد أن زال التهديد العسكري لمسلمي إسبانيا؛ فظهرت كتابات مفتونة بالحضارة الإسلامية والبذخ الشرقي في تصميم الأزياء، وعاداتهم في الفروسية والمبارزة، فضلًا عن الكتابات التي تمدح نبلهم وشجاعتهم وكرم أخلاقهم.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن الموريسكيين الموجودين في تونس الآن؟

الحنين إلى «بني سراج»

وهناك تفسير آخر لظهور المسلم بهذه الصورة المثالية؛ فقد كان هناك صراع قائم بين المنادين بطرد الموريسكيين من الأندلس، وبين من يفضّلون بقاءهم، وربما شجّع هؤلاء تقديم صورة مثالية للمسلم في الأدب، حتى يكون فارسًا نبيلًا، مثلما ظهر في رواية «ابن سراج» التي لم يُعرف كاتبها، وتحكي عن الشريف المسلم ابن سراج الذي توجه في طريقه للقاء حبيبته شريفة الجميلة، فهاجمه ثلاثة فرسان مسيحيين تمكّن من التغلب عليهم، لكنه حين واجه قائدهم وقع أسيرًا له، فقال له إنه غلبه؛ لأن الله شاء أن يمنعه عن لقاء محبوبته، يسأل القائد المسيحي ابن سراج عن قصّته؛ فيحكيها، ويتعاطف معه القائد؛ فيُطلق سراحه لثلاثة أيام فقط على أن يعود إليه بعدها، وهكذا يذهب ابن سراج إلى شريفة الجميلة ويتزوج منها، ويعود بها بعد الأيام الثلاثة إلى القائد المسيحي الذي يُعجب بوفاء المسلم العاشق، ونبل زوجته؛ فيطلق سراحهما، ويعود الزوجان إلى بلادهما، ويرسلان إلى القائد المسيحي هدايا وأسلحة؛ فيقبل الأسلحة ليدافع بها عن مملكته، ويرد المال شاكرًا، وتنشأ بين المسلم والمسيحي صداقة تدوم مدى الحياة.

إلى جانب هذه الرواية التي لاقت نجاحًا كبيرًا، ليس في إسبانيا وحدها، وإنما في كافة أنحاء أوروبا وأمريكا اللاتينية، فقد نجحت الكتابات عن بني سراج والحنين إلى تلك العائلة الغرناطية النبيلة «التي تعرضت للظلم» بشكل استثنائي، وامتلأت الكتابات عنهم بقيم التسامح والمحبة بين المسلمين والمسيحيين، لقد ألهم العربي شعراء إسبانيا؛ فكتبوا أروع الأشعار عن الحب المشبوب بين طرفين تَحُول بينهما موانع اجتماعية ودينية تؤكد كتب التاريخ وجودها بالفعل، أبرز هذه الشخصيات كان ابن إدريس وشريفة الجميلة وهي شخصيات خيالية، لكن كتابات أخرى صوّرت حكايات مشابهة لحب بين مسلمين يرعاه المسيحيون.

اقرأ أيضًا: أمثال أندلسية ما زالت حية في اللغة الإسبانية

الصورة أجمل من الأصل

يفسّر البعض ذلك الأثر الذي يحدثه ذكر غرناطة وقصر الحمراء في نفوس المستمع بحنين إليها، وإن لم يكن قد زارها من قبل، بالصورة الخيالية التي قدمها بها الأدباء على مدى حقب زمنية مختلفة بطولات ومعاناة النبلاء المسلمين، لكن هناك أثرًا ترتب على تقديم تلك الصورة على حياة المسلم الذي عاش في إسبانيا، فصورة الموريسكي الأقرب إلى الكمال التي قدمتها بعض الكتابات في الأدب الإسباني، والبعيدة تمامًا عن واقعه تضاعف مأساته حينها وتضيف أسبابًا أخرى لاحتقاره، فهو لا يحمل أيًا من هذه الصفات التي تماهى معها القارئ الإسباني.

في العصر الحديث أفسح الأدب الإسباني مجالًا أوسع للحقائق التاريخية وعرض وجهة النظر الأخرى

في القرن السابع عشر، وبعد أن تلاشى تمامًا خطر الموريسيكي ووجوده، اتسمت الكتابات عنه وعن الإسلام وعن النبي محمد بأن مصدرها لم يعد إسبانيا، لقد أصبحت تُستقدم من باريس، وبقيت صورة الموريسكي وفقًا لما يؤكده جويتيسولو تتنوع في الأعمال الإسبانية بين كونه لصًا متعصبًا، ومصاص دماء، وبين صورة خيالية مثالية تصف شجاعته ونبل أخلاقه، وربما قدّم كاتب واحد كلتا الصورتين في عملين مختلفين، كان ذلك «بحسب ما تمليه الحاجة النفسية والأزمات الذهنية»، حتى إن كاتبًا، مثل أنطونيو دي ألاركون الذي يظهر إعجابه الصادق بالعالم الإسلامي وحنينه إلى الماضي العربي في كثير من قصائده ورواياته، لا يسلم من تقديم الوجه الآخر للموريسكي في أحد أعماله، وهو «يوميات شاهد على حرب إفريقيا» متأثرًا بالـ«كليشيهات» الغربية.

وبالرغم من صعوبة العمل على محو تلك الأساطير؛ فقد شهد العصر الحديث تقديم روايات وأعمال تعتمد على الأحداث التاريخية الحقيقية، أبرزها راوية المخطوط القرمزي لـ«أنطونيو جالا» التي تناول فيها حياة آخر ملوك غرناطة أبي عبد الله الصغير، وأفسحت مجالًا لعرض وجهة نظر المسلمين في تلك الفترة التاريخية.

اقرأ أيضًا: البحث عن «كنوز» الأندلسيين.. حُمَّى أصابت المجتمع الإسباني بعد رحيل الموريسكيين!