نشرت السفارة الروسية في طهران على صفحتها في «تويتر» بتاريخ 11 أغسطس (آب) 2021 صورةً جمعت السفير الروسي في طهران، ليفان جاغاريان، بالسفير البريطاني سيمون شيركليف في إيران، وبعد نشر الصورة أثارت اعتراضات وانتقادات واسعةً داخل إيران، واحتجّ عليها مسؤولون إيرانيون كبار، من بينهم وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وآخرون طالبوا باعتذار رسميّ.

فما القصة التاريخية وراء هذه الصورة التي أزعجت ساسة إيران وشعبها؟

صورة من حساب السفارة الروسية في إيران، ويظهر فيها السفيران البريطاني (يمين) والروسي (يسار) يجلسان في نفس المكان وبنفس الترتيب الذي جلسَ فيه: جوزيف ستالين وونستون تشرشل عامَ 1943. مصدر الصورة: حساب تويتر السفارة الروسية

ذكرى إيران في ظل الاحتلال السوفيتيّ والبريطاني

صورة السفيرين البريطاني والروسي في طهران تقليدٌ لصورة أخرى، وثّقت مشهدًا تاريخيًا مهمًا في نفس اليوم، ولكن قبل 78 عامًا في طهران عامَ 1943، اجتمع قادة الدول الثلاث الكبار: جوزيف ستالين، زعيم الاتحاد السوفيتيّ، وفرانكلين روزفلت رئيس الولايات المتحدة، وونستن تشرشل رئيس وزراء بريطانيا، فيما سمي «مؤتمر طهران»، والذي بحثوا فيه خطط الحرب ضد ألمانيا النازية واليابان، وضرورة فتح جبهة عسكرية جديدة ضد النازيين لتخفيف العبء على الاتحاد السوفيتيّ.

أثارت الصورة برمزيتها غضبًا إيرانيًا كبيرًا، وطالب مسؤولون إيرانيون باعتذار فوري ورسميّ عن نشر الصورة، وبرّر السفير الروسي التقاط الصورة بأنها تذكيرٌ بالتحالف الروسي البريطاني ضد النازيين، ولم يُقصد منها أي معاداةٍ لإيران وشعبها.

استدعت الخارجية الإيرانية السفيرين البريطاني والروسي وأكدت رفضها القاطع للصورة ودلالاتها المسيئة لإيران، وصرح وزير الخارجية الإيراني السابق، جواد ظريف، بأنّ الصورة المنشورة غير لائقة دبلوماسيًا، وأشار في تغريدة له إلى أن الإيرانيين لا يمكن أن يخضع مصيرهم لقرارات القوى والسفارات الأجنبية، وقد أبدى السفير الروسي أسفه لسوء التفاهم والاستياء الذي تسببت فيه الصورة، ومثله أكد السفير البريطاني على أسفه لسوء التفاهم.

اعتبر مسؤولون إيرانيون الصورة إساءة لإيران ولشعبها، بالتذكير بمؤتمر إيران، وما فُهم كإشارة إلى الدور الدولي في تقرير مصير الإيرانيين، وقد صرح رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن نشر الصورة «عمل بعيد عن الآداب الدبلوماسية وغير مناسب لسفيري روسيا وبريطانيا»، وطالبَ باعتذار رسمي من السفيرين، وإلا فعلى إيران اتخاذ ردّ دبلوماسي حاسم، كما صرح حسين أمير عبد اللهيان، مرشحُ وزارة الخارجية في إيران، وقال: إنّ الصورة لم تكن دبلوماسية، وأساءت للرأي العام الإيراني.

Embed from Getty Images

يظهر في الصورة الأولى من اليمين: ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، وجوزيف ستالين، زعيم الاتحاد السوفيتيّ، الصور في طهران، إيران، عامَ 1943

في الحرب العالمية الثانية أعلنت إيران حيادها، إلا أن ظروف الجغرافيا والنفط الإيراني، وخيارات الشاه السياسية، جعلت من إيران مسرحًا للحرب مرة أخرى، فعند بدء حملة «بارباروسا» وغزو النازيين للاتحاد السوفيتي، ازدادت أهمية إيران للسوفيت ولعملياتهم العسكرية في الجبهة الشرقية، التي كانت حلبة الصراع الأساسية للحرب العالمية الثانية، وخيضت بين قوات الاتحاد السوفيتي والقوات النازية، فعدم تأمين إيران يعني انقطاع سبل إمداد الاتحاد السوفيتيّ من حلفائه الغربيين، وخصوصًا أمريكا، مع إنتاج إيران لـ8 ملايين برميل نفط في عام 1940؛ ما كان له أهمية كبرى في الحسابات العسكرية، وخصوصًا على الجبهة الشرقية التي استنزفت الجانبين السوفيتي والنازي.

ورغم كلّ ذلك حافظَ الشاه خلال الحرب على علاقاته بألمانيا، رغمَ إعلانه حياد إيران، وضغط السوفيت والبريطانيون عليه لطرد الألمان وقطع علاقته بالنازيين، إلا أنّه رفض.

للأهمية الجغرافية لإيران، وللحاجة الشديدة لنفطها، وبذريعة العلاقات الإيرانية مع الألمان، غزا السوفيت والبريطانيون إيران عام 1941، فتقدم البريطانيون من الجنوب وغزا السوفيت إيران منطلقين من القوقاز في شمال إيران، ونجحت القوتان في احتلالها وتقاسمتا إيران حتى نهاية الحرب، ثم وُقِّع اتفاق عام 1942، والذي ينصُّ على خروج روسيا وبريطانيا من إيران عند انتهاء الحرب.

وناقشَ الحلفاء في طهران مصير العالم كما يرونه في مرحلة ما بعد الحرب، بما في ذلك مصير إيران نفسها، ومصير دول أخرى صغيرة عانَت من الحرب العالمية، وأصبحت موضع نقاش بين القوى الكبرى للاتفاق والتفاوض فيما بينها على مصير هذه الدول وشعوبها، دون مشاورتها أو وجودها على الطاولة.

قوى الاستعمار تتفق: إيران تقسيم اثنين

عانت إيران في تاريخها الحديث من الاستعمار الأجنبي واستقواء قوىً أجنبية على أراضيها، فموقع إيران الإستراتيجي على خطوط التجارة يربط شرق آسيا بغربها وبأوروبا، ثم اكتُشف النفط – النعمة النقمة – لتزداد الصراعات الدولية على إيران.

وقد تصارعت الإمبراطوريتان الروسية والبريطانية على النفوذ في إيران لعقود، بدءًا من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولعلّ أبرز محطات هذا التنافس الإمبريالي كانت حين منحَ شاه إيران، ناصر الدين القاجاري، امتيازَ احتكار تجارة التبغ في إيران لشركة بريطانية، لتقوم على أثر ذلك احتجاجات شعبيّة واسعة عامَ 1890.

تاريخ

منذ سنة واحدة
«ثورة التبغ».. حين بدأ النفوذ السياسي لرجال الدين في إيران

تخوّفت روسيا القيصرية – التي عارضت الاتفاق – من توسّع النفوذ البريطاني في إيران، وكان هذا الحدث مرحلةً في الصراع الروسي البريطاني على إيران وفيها، إلى أن اتفقت الإمبراطوريتان عامَ 1907 على تقاسم النفوذ في أفغانستان وإيران والتبت، ونصَّ اتفاقهما على الحفاظ على سيادة واستقلال إيران، مع تقسيمها إلى ثلاث مناطق نفوذ، ليكون للروس النفوذ المطلق في الشمال، ولبريطانيا نفوذها المطلق في الجنوب بحكم قربه من مستعمراتها في الهند، ولتكون المنطقة الوسطى الفاصلة منطقة حياد وتنافس حر بين القوتين.

وفي الحرب العالمية الأولى، ورغم حياد إيران وعدم انضمامها وجدت نفسها تحت احتلال بريطاني وروسيّ وعثمانيّ خلال الحرب العالمية الأولى، فضلًا عن النفوذ والتواجد البريطاني والروسي فيها قبل الحرب الأولى، شنّ العثمانيون عام 1916 حملة لضرب النفوذ والوجود الروسي والبريطاني في إيران والعراق، وعملَ الألمان على تقويض النفوذ البريطاني في جنوب إيران بتحريك القبائل وتحريضها ضد بريطانيا، وهكذا تحوّلت إيران إلى ميدان صراع للحرب العالمية الأولى في مسرح الشرق الأوسط.

وبعد الحرب استمرّ التواجد والنفوذ الأجنبي في إيران، وزاده اكتشاف المزيد من النفط فيها، ولكن إيران بعد الحرب ليست مثلها قبله، فقد خرجت منها بدمارٍ هائل في اقتصادها وبنيتها التحتية، بالإضافة لقتلى المعارك والمجاعة الكبرى التي حصلت في إيران بين عامي 1917-1919 والتي وازاها انتشار أمراض مميتة، ويُقدر أن كل تلك العوامل مجتمعة تسببت في مقتل ما لا يقل عن 8 – 10 ملايين إيراني، وبعد الحرب العالمية الأولى استمر التواجد والنفوذ الأجنبي في إيران، خصوصًا مع اكتشاف المزيد من النفط فيها.

المصادر

تحميل المزيد