مرحلة الطفولة المبكرة – الفترة من  سنتين إلى خمس سنوات – هي حجر الأساس لنمو الطفل البدني والمعرفي والسلوكي والعاطفي، يمر الطفل في هذه المرحلة بسلسلة من التطورات المختلفة فيها يتعلم الكلام ويكتسب اللغة، فتتطور المهارات الأولية الحركية ويكتشف بيئته، مما يوفر له أساسًا قويًّا للتطور والنمو والتعلم. لكن ما المقصود بالنمو هنا؟

توضح كالي مالفيك مديرة محتوى مدونة «كوليدجيس إديوكيشن» في مقالة منشورة على موقع جامعة راسموسن الأمريكية، أن نمو الطفل يشير إلى سلسلة التغيرات الجسدية، واللغوية، والفكرية، والعاطفية التي يمر بها الطفل منذ الولادة وخلال مرحلة الطفولة المبكرة وحتى بداية مرحلة البلوغ الفترة من 10 سنوات إلى 15 سنة.

بحسب مالفيك فإن النمو يغطي المهارات الأساسية التي يحتاج إليها الطفل كي يتعلم والتي تصاحبه لبقية مراحل تطوره ونموه مثل الإدراك، والانتباه، والتذكر واكتساب اللغة، وتعلم الكلام، والمهارات الحركية الدقيقة مثل حركة الأصابع، والمهارات الحركية الإجمالية مثل حركة الجسم، والمهارات الاجتماعية بالإضافة إلى الإدراك الحسي والتعامل مع المثيرات المختلفة المحيطة به.

Embed from Getty Images

نمو المهارات الحركية عند الأطفال 

لكن ماذا إذا حدث خلل في «المهارات الأولية»؟

يُعد تطور مهارات الطفل المختلفة دليلًا على نمو الطفل بمعدل طبيعي، بينما يُعد أي تأخر في هذه المهارات دليلًا على اضطراب في العمليات الأساسية مثل الانتباه والتذكر، والإدراك، واكتساب اللغة، والعمليات الإدراكية الحركية التي تؤهل الطفل لعملية التعلم واكتساب المهارات والخبرات، وبحسب كتاب «محاضرات في التقويم والتشخيص في التربية الخاصة» للدكتور بطرس حافظ، أستاذ العلوم النفسية وعميد كلية رياض الأطفال بجامعة القاهرة، فإن التأخر في العمليات الأساسية أو المهارات الأولية، يُعرف بـ«صعوبات التعلم النمائية».

وما هو «اضطراب المهارات الأولية»؟

بشكل عام يُشير مصطلح صعوبات التعلم النمائية أو اضطراب المهارات الأولية، إلى الأطفال ذوي الذكاء المتوسط أو فوق المتوسط ولا يعانون من أي مشكلات حسية سواء في السمع، أو البصر، أو الحركة. ويصفهم دكتور جبريل بن حسن العريشي، أستاذ المعلومات بجامعة الملك سعود، في كتابه «صعوبات التعلم النمائية ومقترحات علاجية» بأنهم ليسوا متأخرين عقليًّا ولا يعانون من حرمان بيئي، لكنهم يعانون من اضطراب في المهارات الأولية الأساسية من «انتباه، وإدراك، وتذكر» والتي تنعكس على تطورهم. 

اضطراب الجهاز العصبي المركزي هو السبب

يُشير العريشي إلى أن الصعوبات النمائية تؤثر في الوظائف الدماغية والعمليات العقلية المعرفية نتيجة لاضطرابات في الجهاز العصبي المركزي، وتنقسم إلى صعوبات نمائية أولية تتعلق باضطراب الإدراك والانتباه والتذكر، وصعوبات نمائية ثانوية تؤثر في التفكير والكلام والفهم.

الأعراض التي تظهر على طفل يُعاني من اضطراب المهارات الأولية

يقول دكتور سيد عبد الحميد سليمان أستاذ صعوبات التعلم بجامعة حلوان في كتابه «فقه صعوبات التعلم» أن اضطراب المهارات الأولية تظهر في صورة تأخر في نمو العمليات العقلية والمعرفية عند بعض الأطفال مقارنة بأقرانهم، أو تظهر في صورة عدم تناسق في أداء هذه العمليات أو خلل وظيفي في أدائها، يؤثر هذا الخلل في إحدى هذه المهارات: الانتباه السمعي أو البصري، والإدراك السمعي أو البصري، والذاكرة السمعية أو البصرية.

Embed from Getty Images

1- الانتباه.. أساس العمليات العقلية الأخرى معطَّل

يكتشف الطفل البيئة من حوله من خلال المثيرات المختلفة التي ينتبه لها ويستقبلها بحواسه المختلفة، فيتعلم ويكتسب المعرفة من خلال سلسلة متتابعة من العمليات المعرفية، تبدأ بالانتباه ثم الإدراك ثم بحفظ هذه الخبرات في الذاكرة، والتي تُعالج هذه المعلومات وتُخزنها ثم تستدعيها وقت الحاجة.

يقول دكتور سليمان عبد الواحد، أستاذ علم النفس التربوي في وزارة التربية والتعليم المصرية، في كتابه «المرجع في صعوبات التعلم النمائية والأكاديمية والانفعالية» أن أي خلل في الانتباه يفقد  الطفل هذا التسلسل في العمليات العقلية؛ لان الانتباه هو الأساس الذي تقوم عليه العمليات العقلية الأخرى من إدراك وتذكر.

وكيف نكتشف الخلل في الانتباه؟

عرف أ. جمال مثقال القاسم، الباحث في صعوبات التعلم، في كتابه «أساسيات صعوبات التعلم»، الانتباه، بأنه الاستجابة لمثير معين والاستمرار في التركيز معه، الأمر الذي يفتقده الطفل الذي يعاني من مشكلات الانتباه ويتضح ذلك في:

  • لا يستطيع الطفل الجلوس في مكان واحد، ويعبث بكل ما يحيط به.
  • يثير انتباهه كل ما يحدث حوله لكنه لا يركز مع أي مُثير!
  • ينتقل من نشاط إلى آخر دون أن ينهي أي نشاط منهم، كأن يبدأ اللعب ويتركه وينتقل إلى مشاهدة التلفزيون ويتركه ليرسم، ولا يكمل أي نشاط من الأنشطة التي بدأها.
  • لا يُطيق الانتظار، ولا يستطيع أن ينتظر دوره عند مشاركة الأطفال الآخرين اللعب، أو إذا طلب منه أحد أن ينتظر.
  • لا يستطيع أن ينتبه للمثيرات السمعية أو البصرية، الأمر الذي يؤثر في قدرته على إدراك هذه المثيرات وقدرته على التعلم.

2- الإدراك.. خلل في تفسير المعلومات التي تتلقاها الحواس

يُعد الإدراك العملية المعرفية التالية للانتباه، ويعرفه دكتور فكري لطيف متولي، أستاذ العلوم التربوية والنفسية بجامعة بنها، في كتابه «مشكلات التعلم النمائية والأكاديمية» أنه عملية معرفية تساعد الطفل على تفسير المعلومات الحسية التي يتلقاها من خلال حواسه المختلفة: السمع، والبصر، واللمس، والشم، والتذوق. ثم إعادة استخدام هذه المعلومات للاستجابة والتفاعل مع العالم من حوله.

يختبرون العالم بحاسة واحدة!

يستخدم الأطفال حواسهم المختلفة لاكتشاف البيئة من حولهم والتعلم، لكن بعض الأطفال يفضلون الاعتماد على حاسة واحدة بشكل أساسي لاكتساب الخبرات المختلفة، فهناك بعض الأطفال يتعلمون بشكل أفضل عن طريق المعلومات البصرية، والبعض يفضلون التعلم عن طريق المعلومات السمعية، وآخرون يفضلون التعلم عن طريق اللمس، وبحسب دكتور فكري لطيف تُعرف هذه الظاهرة باسم «القناة الإدراكية المفضلة».

لا يستطيعون الإدراك بكل حواسهم وهُنا تكمن المشكلة

يُشير دكتور فكري لطيف أن التركيز على استخدام حاسة واحدة في التعلم يؤثر في عملية استقبال المعلومات التي يتلقاها الطفل من بقية الحواس، فلا يستطيع الطفل إدراكها بشكل جيد، وتعرف هذه الظاهرة باسم «التحميل الزائد على النظم الإدراكية» فتحدث مشكلات الإدراك.

Embed from Getty Images

مشكلات في الإدراك البصري فلا يميز الطفل الحروف 

وكيف نكتشف هذا الخلل في الإدراك؟

تتضح مشكلات الإدراك عند الأطفال الذين يعانون من خلل في المهارات الأولية في:

  • مشكلات في مهارات الإدراك البصري: فلا يستطيع الطفل التمييز بين الأشياء المتشابهة، فيخلط بين حرف «b» وحرف «d»، أو حرف «س» وحرف «ش».
  • مشكلات في مهارات الإدراك السمعي: يجد الطفل صعوبة في التمييز بين أصوات  الكلمات المتشابهة التي تتشابه فيها المقاطع الصوتية مثل «كأس وفأس»، «خمسة وهمسة» وفي اللغة الإنجليزية بين كلمات مثل «cat ,hat ,fat». 
  • مشكلات في المهارات البصرية الحركية: لا يستطيع الطفل أداء المهام التي تحتاج تنسيق حركة اليد أو القدم مع الإبصار مثل التلوين، أو القفز داخل الدوائر الملونة، أو نط الحبل.

3- التذكر.. صعوبة تذكر المعلومات الجديدة وفشل استدعاء القديمة

إذا كان التعلم هو اكتساب المعلومات فإن الذاكرة هي المكان الذي يحتفظ فيه الطفل بالمعلومات والخبرات المختلفة التي اكتسبها، والتذكر هو القدرة على استدعاء هذه المعلومات مرة أخرى، ويتسبب اضطراب المهارات الأولية في صعوبة تذكر الطفل المعلومات الجديدة التي يكتسبها كما تحد من قدرته على تذكر المعلومات التي تعلمها سابقًا.

يذكر الدكتور مسعد أبو الديار، أستاذ علم النفس، وتشخيص وعلاج الفئات الخاصة، في كتابه «الذاكرة العاملة وصعوبات التعلم» أن عملية اكتساب المعلومات ومعالجتها وتخزينها، ومن ثم استرجاعها تمر بعدة مراحل، وهي:

  1. الذاكرة قصيرة المدى: وهي المسئولة عن تخزين المعلومات لثوانٍ معدودة، والتي ينساها الطفل إذا لم تنتقل إلى الذاكرة العاملة.
  2. الذاكرة العاملة، وهي المسئولة عن معالجة وتخزين المعلومات ونقلها إلى الذاكرة طويلة الأجل لاسترجاعها وقت الحاجة.

ويُشير دكتور أبو الديار إلى أن الذاكرة العاملة تلعب دورًا مهمًّا في تخزين المعلومات ومعالجتها في الوقت نفسه، وهي المسئولة عن الإدراك والانتباه وتخزين المعلومات واسترجاعها، وأي خلل فيها يؤثر تأثيرًا مباشرًا في قدرة الطفل على التذكر ومواصلة الانتباه والإدراك، وتُعد الذاكرة العاملة خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة مؤشرًا على أداء الطفل الأكاديمي في مرحلة الالتحاق بالمدرسة.

كيف نكتشف الخلل في التذكر؟

الخلل في التذكر لدى هؤلاء الأطفال يظهر في:

  1. مشكلات في الذاكرة قصيرة المدي: لا يستطيع الطفل تذكر المثيرات الحسية التي يلتقطها من البيئة المحيطة به بعد ثانية واحدة فقط.
  2. مشكلات في الذاكرة طويله المدي: لا يستطيع الطفل تذكر المعلومات بعد مرور 24 ساعة على تعلمها، فلا يتذكر الحروف أو الأرقام التي تعلمها في اليوم التالي من تعلمها.
  3. مشكلات في الذاكرة السمعية: لا يستطيع الطفل تذكر المعلومات التي عالجها عن طريق حاسة السمع، فلا يُميز بين أصوات الحروف المختلفة التي تعلمها ولا يستطيع الربط بين صوت الحرف وشكله وهو مكتوب.
  4. مشكلات في الذاكرة البصرية: والتي تظهر في عدم قدرة الطفل على التعرف إلى أشكال الحروف ولا الأعداد، وتؤثر في قدرته على تعلم الكتابة والقراءة والحساب.

واضطراب المهارات الأولية يتحكم في مستقبل طفلك الدراسي

يقول أستاذ دكتور عادل عبد الله محمد، رئيس قسم الصحة النفسية بجامعة الزقازيق، في كتاب «المؤشرات الدالة على صعوبات التعلم عند أطفال الروضة – دراسة تطبيقية»  أن اضطراب المهارات الأولية يؤدي إلى قصور في المهارات ما قبل الأكاديمية – في الفترة من أربع سنوات إلى ست سنوات- يظهر في عدم قدرة الطفل على معرفة الأرقام والحروف والألوان والأشكال بالإضافة، إلى عدم القدرة على إدراك أصوات الحروف.

تربية

منذ 3 شهور
متأخرون دراسيًا لكن عباقرة! 5 إستراتيجيات للتعامل مع طفلك الاستثنائي

اضطراب المهارات الأولية vs صعوبات التعلم الاكاديمية

يُعد قصور المهارات ما قبل الأكاديمية علامة على وجود صعوبات التعلم الأكاديمية، فاضطراب المهارات الأولية يشمل المهارات الأساسية التي يحتاج إليها الطفل لاكتساب المهارات الأكاديمية المختلفة، فحتى يتعلم الطفل القراءة لا بد أن يطور مهارات الانتباه السمعي والبصري، ومهارات الإدراك السمعي والبصري، وحتى يتعلم الكتابة لا بد أن يطور مهارات الإدراك الحركي حتى تتناسق حركة اليد مع العين أثناء استخدام القلم، وحتى يحدث التعلم لا بد أن يتذكر الطفل المعلومات التي تعلمها، الأمر الذي ينعكس بالكامل على مهارات التعلم الأكاديمية للطفل فتظهر صعوبات التعلم الأكاديمية مثل عُسر القراءة، وعُسر الكتابة، وعُسر الحساب.

إستراتيجيات علاج اضطراب المهارات الأولية

 علاج مشكلات الانتباه

  • تحتاج بعض مشكلات الانتباه إلى التدخل الطبي باستشارة طبيب متخصص واستخدام بعض الأدوية والعقاقير التي تساعد الطفل على تحسين مستوى انتباهه وتركيزه.
  •  تعديل السلوك: قد يساعد تعديل السلوك بشكل كبير في تحسين فترات الانتباه والتركيز عند الطفل والحد من فرط الحركة المصاحب لتشتت الانتباه. 
  • التغذية العلاجية: تسعى هذه الإستراتيجية إلى استبعاد بعض الأطعمة التي تؤثر بشكل سلبي على انتباه الطفل مثل الأطعمة المحفوظة، والسكريات، واللحوم المجمدة. 

 علاج مشكلات الإدراك

تحتاج مشكلات الإدراك إلى تدخل من متخصص في صعوبات التعلم يساعد الطفل في التغلب على مشكلات الإدراك البصري والسمعي، ومشكلات الغلق البصري «إكمال الأجزاء الناقصة»، ومشكلات النفس حركية، مثل معرفة الاتجاهات «يمين ويسار، وفوق وتحت».

 علاج مشكلات التذكر

تقدم دكتورة عبير عبد الحليم، أستاذ دراسات الطفولة في جامعة الحدود الشمالية بالسعودية، في كتابها «صعوبات التعلم والتدخل المبكر في رياض الأطفال» بعض المقترحات التي تُحسن الذاكرة مثل:

  • شرح وتبسيط المعلومات المقدمة للطفل حتى يسهل عليه تذكرها، فالطفل يميل إلى تذكر المعلومات المألوفة له.
  • تجزئة المعلومات المقدمة للطفل.
  • عدم الاكتفاء بتقديم المعلومات في صورة واحدة واستخدام الصور والألوان والمقاطع المرئية يُسهل عملية التذكر واسترجاع المعلومات.
  • تكرار المعلومات على الطفل أكثر من مرة.

وأخيرًا كلما جرى الكشف المبكر والتدخل عن اضطراب المهارات الأولية، ساعد ذلك على الحد من ظهور صعوبات التعلم الأكاديمية عند التحاق الطفل بالمدرسة.

المصادر

تحميل المزيد