لم تمر الساعات القليلة الماضية مرور الكرام على إسرائيل، فبرغم اعتداء المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية على أهالي مدينة القدس، وبرغم الغارات الإسرائيلية التي أوقعت عشرات الفلسطينيين بينهم أطفال (بلغ العدد 45 حتى لحظة كتابة هذه السطور)، فقد حملت الجولة الأخيرة من الصراع مفاجآت عدة للساسة والعسكريين الإسرائيليين، على المستوى السياسي والعسكري والشعبي، لدرجة دفعت بعض المحللين الإسرائيليين إلى التعبير بأن «الموازين انقلبت»، لغير صالح إسرائيل. فكيف يمكن أن نَنظر إلى المشهد الحالي؟

القبة الحديدية.. هل تحطم «درع إسرائيل» أمام صواريخ المقاومة؟

منذ دخولها الخدمة فعليًّا عام 2011، عدَّ الجيش الإسرائيلي منظومة «القبة الحديدية» أحد مصادر قوته، وعدَّها الساسة الإسرائيليون صمام أمان يطلق أيديهم في القيام بعمليات ضد الفلسطينيين دون الخوف من أي ردِّ فلسطيني قد يؤثِّر في التأييد السياسي للمسؤولين، أو قد يُوقعهم في حرج أمام الرأي العام الإسرائيلي، ولكن يبدو أن المعادلة تغيَّرت في هذه الجولة من التصعيد بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة.

ومنظومة «القبة الحديدية» هي منظومة دفاع جوي متحركة ومتعددة المهام، تعترض الصواريخ والقذائف قصيرة المدى التي يصل مداها إلى 70 كم، طوَّرتها وصممتها «شركة رافائيل للصناعات العسكرية المتقدمة» المملوكة للحكومة الإسرائيلية، وبدأت تطويرها بعد الهجمات الصاروخية الفعَّالة التي وجَّهها حزب الله إلى العمق الإسرائيلي خلال حرب يوليو (تموز) 2006، لتكون أداةً لحماية إسرائيل من أية صواريخ، من لبنان أو غزة أو أي مناطق أخرى.

وتتكون المنظومة من ثلاثة عناصر أساسية: نظام للرادار والتتبع يكشف ويتتبع الصواريخ المهاجِمة ويتتبع مسارها، ونظام لإدارة المعركة والتحكم في الأسلحة، يحلل مسار الصاروخ ويحسب مدى تهديده، ونظام لإطلاق صواريخ «تامير» الاعتراضية، التي تنطلق ضد الصاروخ القادم وتفجِّره فوق منطقة محايدة، ووفقًا للبيانات الإسرائيلية فقط، نجحت المنظومة في العقد الماضي في اعتراض آلاف الصواريخ الفلسطينية التي أطلقت على المستوطنات الإسرائيلية، حيث بلغت درجة فعاليتها نحو 90%، معترضةً قرابة ألفَي صاروخ، ولكن هذه النسبة لا تعكس الواقع بدقِّة.

فنسبة 90%، تمثِّل فقط الصواريخ التي صنَّفتها المنظومة بأنها «خطيرة»، بمعنى أنها تسيرُ في مسار يمكن أن ينتهي بانفجارها في أهداف بشرية أو في مبانٍ إسرائيلية، وأن هذه الصواريخ لم تذهب في اتجاه خاطئ نحو منطقة مفتوحة وخاليةٍ من السكان. ومن المُستحيل أن تتمكن المنظومة من صدِّ كل الصواريخ التي تُطلقها فصائل المقاومة في رشقة واحدة، لو كانت هذه الصواريخ موجهةً بدقَّة، وذلك بحسب مايكل أرمسترونج، باحث أمريكي يكتبُ عن الشؤون الدفاعية الإسرائيلية، ويركِّز على الصاروخية منها بشكل خاص.

المنظومة التي تُعد محل فخر وتقدير داخل الأوساط السياسية والعسكرية والمدنية في إسرائيل، إلى حدِّ أن البعض انتقدها لأنها تصيب صانع القرار الإسرائيلي بـ«الغرور» والثقة الزائدة، وتخفف الضغط على صناع القرار الإسرائيليين، وتمنعهم عن التقدُّم في مسارات التفاوض بعد اندلاع المواجهات العسكرية.

وأصبحت المنظومة محل اهتمام  كبير خارج إسرائيل، وحاولت تسويقها بين العديد من دول العالم التي تواجه تهديدات مشابهة، فمثلًا وقَّعت أذربيجان صفقةً في عام 2016 لشراء المنظومة من إسرائيل، لمواجهة تهديدات صواريخ «إسكندر» التي اشترتها الجارة أرمينيا من روسيا، وفي 2017 اشترت الهند المنظومة بصفقة تصل قيمتها إلى ملياري دولار.

ووقَّعت رومانيا عام 2018 عقدًا للاستفادة من المنظومة، وسعى الجيش الأمريكي إلى استيراد بطاريات من المنظومة؛ إذ وقَّعت واشنطن عقدًا مع تل أبيب لشراء بطاريات القبة الحديدية ونشرها في بعض القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط، من بينها دول خليجية، وفي أوروبا.

مقطع يُظهر آثار رشقات صاروخية أطلقتها فصائل المقاومة من غزَّة، والقبة الحديدية تعترض بعضها

مثلما حصل في الحروب الإسرائيلية السابقة على غزة، ومثلما يحصل في الجولة الحالية، تُجبر صواريخ الفصائل المُقاومة إسرائيل على التخفف من لهجة الثقة التي يتحدث بها ساستها عادة عن منظومتهم الدفاعية؛ فبعد عشرات الصواريخ التي وصل بعضها إلى مدن مختلفة، منها عسقلان وتل أبيب بشكل أساسيٍّ، ظهرت لقطات مصورة توثِّق آثار الدمار الذي ألحقته هذه القذائف بمركبات ومنشآت إسرائيلية، وأوقعت خسائر بشرية في صفوف الإسرائيليين، بلغت، حتى لحظة كتابة هذه السطور، ثلاثة قتلى وعشرات الجرحى بعضهم في حالة خطِرة، وفقًا للتصريحات الإسرائيلية.

وأمام الفعالية التي أثبتتها الرشقات الصاروخية الفلسطينية هذه المرة، أكثر من المرات السابقة، أثيرت تساؤلات حول فعاليتها في صدِّ الصواريخ؛ مما يهدد بتقويض الجهود الإسرائيلية لتسويق المنظومة محليًّا وبيعها عالميًّا.

ويبدو أن السلطات الإسرائيلية تحاول حفظ ماء وجه «القبة الحديدية» أمام هذا الإخفاق؛ إذ أعلن التليفزيون الإسرائيلي أن السبب وراء فشل المنظومة في اعتراض عدد من الصواريخ التي أطلقت من غزة كان «خللًا فنيًّا» أصاب المنظومة، دون توضيح نوعية الخلل، وهو ما شكك به إلياس كرَّام، مراسل قناة الجزيرة من عسقلان، متسائلًا: ربما تعطَّلت إحدى المنظومات بسبب خلل فني، لكن ماذا عن بقيتها المنتشرة في مناطق مختلفة وعديدة في الداخل الإسرائيلي؟

وتابع كرام شارحًا أنَّ فصائل المقاومة الفلسطينية تعرَّفت إلى أسلوب عمل المنظومة؛ ولذا توجَّهت لإطلاق الصواريخ في زوايا مختلفة وارتفاعات متباينة، لتشتيت أنظمة القبة وتجاوز دفاعاتها، وضربت في هذه الجولة «رشقات» متعددة دفعةً واحدة، ما يتطلب عملية إعادة تعبئة المنظومة من جديد، ويبدو أن هذه العملية تتم يدويًّا.

«حماس» تهدد وإسرائيل تتردد.. هل تغيرت قواعد الاشتباك؟

في افتتاحية مقاله بصحيفة «المونيتور» الأمريكية، يقول بين كاسبيت، الصحافي والمحلل الإسرائيلي، إن الجولة الحالية من الصراع شهدت ظاهرة مختلفة من حركة «حماس»، حين وجهت إنذارًا صريحًا لإسرائيل طالبت فيه بسحب جنودها من المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، وحددت لذلك مهلة تنتهي الساعة السادسة من مساء الاثنين الماضي.

وبحسب كاسبيت، هذا السلوك من حماس جديدٌ على إسرائيل وغير اعتيادي، ولا يتوافق مع قدراتها العسكرية الصغيرة مقارنةً بالترسانة العسكرية الإسرائيلية، ورغمَ ذلك حقَّقت أهدافها: فنفذت تهديدها، وأطلقت ستة صواريخ باتجاه مدينة القدس، لم تُوقع إصابات بشرية ولكنها تمكنت في النهاية من إثارة الهلع وأفسدت احتفالات المستوطنين السنوية بيوم القدس، وأنهت جلسةً منعقدة بمقر الكنيست في القدس، مسببة حالة من الهلع بين المشرعين الإسرائيليين.

مشاهد من إخلاء الكنيست الإسرائيلي

قراءة المحلل الإسرائيلي، توافق ما ذهب إليه مراقبون آخرون، من أن فصائل المقاومة قد أدارت المشهد هذه المرة بـ«منهج يتصف بالحكمة والقدرة»، وغيَّرت قواعد الاشتباك التي تعوَّد عليها الإسرائيليون، فلم تعتمد مبدأ التدرج، وبدأت القصف في القدس مباشرةً، واستخدمت صواريخ نوعية فعَّالة، لتوصل رسالة مفادها «لا يمكن الاستفراد بالقدس».

وكان أبو عبيدة، الناطق الرسمي باسم «كتائب عز الدين القسام»، الذراع العسكرية لـ«حماس»، قد أعلن في وقت متأخر من مساء الثلاثاء 10 مايو (أيار) 2021، أن الكتائب تمهل القوات الإسرائيلية مدة ساعتين لفك الحصار الذي كانت تفرضه على المقدسيين المعتصمين داخل المسجد الأقصى، ما حدث بالفعل، ويرى نشأت الأقطش، أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت في الضفة المحتلة، أنَّ هذه الخطوة رسَّخت صورة فصائل المقاومة بأنها «تمتلك القوة والتأثير، وأظهرت الاستهانة بالعدو».

«حماس»، ومع تواصل الاعتداءات الإسرائيلية، واصلت لهجة التحدي بإعلان متحدثها العسكري أبو عبيدة أن «قصف الأبراج المدنية في غزة سيقابل بقصف تل أبيب بضربة صاروخية قاسية»، بحسب وصفه، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ أمطرت الفصائل المقاومة تل أبيب بعشرات الصواريخ تسببت في خسائر مادية وبشرية، وهو ما يراه البعض ترسيخًا لمعادلة جديدة، تكبح جماح الآلة العسكرية الإسرائيلية، وتضطر القادة الإسرائيليين إلى التفكير طويلًا قبل الإقدام على أي هجمات بحق الفلسطينيين ومقدساتهم.

ويرى يوسي يهوشع، الخبير العسكري الإسرائيلي لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، أن الوضع الحالي «انقلبت فيه الموازين؛ فحماس تبدأ بضربة أولى قوية وتطلب التوقف، والنتيجة، مشاهد محرجة لقواتنا وهي تخلي المحتفلين في مسيرة الأعلام بالقدس، نواب إسرائيليون يفرون من القاعة إلى الملجأ، وبالتوازي يحتفل الفلسطينيون في القدس بصواريخ غزة».

بعد سنوات من الانقسام.. القدس توحد الفلسطينيين

عانى الفلسطينيون، سياسيين وشعبًا، من انقسام عميق في السنوات الماضية، بين حركتي «حماس» و«فتح» بشكل أساسيٍّ، وبسبب التقسيمات الجغرافية التي فرضها الاحتلال: فلسطينيُّون في الضفة، وفي قطاع غزة، وفلسطينيُّو الداخل (عرب 48)، وفلسطينيو القدس، عدا عن فلسطينيي الخارج، وباستثناء البيانات الإعلامية، فإن كل مكون فلسطيني ظل يتصرف – ويُتصرف فيه – عمليًّا منذ سنوات بوصفه وحدةً منفصلة بذاتها، تُقصف غزة فتحمل غزة الضربة لوحدها، ويتحرش الاحتلال بالمقدسيين فيخوضون المعركة وحدهم، ولكن يبدو أن جولة التصعيد الأخيرة بثت روح الوِحدة من جديد شعبيًّا، خاصةً وأنَّ الأحداث بدأت من القدس برمزيتها الجامعة للفلسطينيين، ليكون للاعتداءات في القدس صداها في غزة والضفة والداخل المحتل، والعكس.

للمرة الأولى إذًا، تحاول فصائل غزة فرض معادلة جديدة على الجيش الإسرائيلي، مفادها أن سلاح غزة ليس لغزة وحدها، وأن طلقات المستوطنين والجنود في القدس قد تنشِّط بطاريات الصواريخ الفلسطينية من غزة، وقد بدأ ذلك بعدما وجه محمد ضيف، قائد القسام الذي يوصف بأنه «رئيس أركان حماس»، تهديدًا فريدًا من نوعه للمسؤولين الإسرائيليين كان نصه: «يوجِّه قائد الأركان، تحذيرًا واضحًا وأخيرًا للاحتلال ومغتصبيه بأنه إن لم يتوقف العدوان على أهلنا في حي الشيخ جراح في الحال، فإننا لن نقف مكتوفي الأيدي وسيدفع العدو الثمن غاليًا»، وهو التهديد الذي نفذته الكتائب بالفعل، كما ذكرنا في السطور السابقة.

مقطع مصوَّر يُظهر حرق مجموعة من السيارات في اللد إثر مواجهات بين عرب 48 وإسرائيليين بعدَ مقتل شاب فلسطيني برصاص مستوطن إسرائيلي

«التضامن» الذي أبرزته فصائل غزة مع القدس، ظهرَ بوضوح في هتافات المُصلين، بإشادتهم المستمرة بمحمد الضيف في مناسبات عديدة، في باحات المسجد الأقصى، ومنطقة باب العامود، وفي حي الشيخ جراح، وبات شعار «احنا رجال محمد ضيف» هو الأكثر ترديدًا، بالرغم من أن المقدسيين لا يهتفون عادة داخل باحات المسجد الأقصى لأي شخصية سياسية، فإنَّ الضيف استثناء لأنه يمثل بالنسبة للشباب «رمزًا للصمود والكبرياء الوطني»، كما يقول هادي عبد الهادي، المؤرخ الفلسطيني وأستاذ العلوم السياسية.

التطور الأبرز كان دخول فلسطينيي الداخل (عرب 48) على خط المواجهة؛ إذ ملأت المظاهرات شوارع المدن والقرى العربية في المثلث، والجليل، والنقب، والمدن المختلطة التي يقطنها اليهود والعرب في إسرائيل، وشهد بعضها مواجهات عنيفة بين الشبان العرب والمستوطنين أو قوات الأمن الإسرائيلية.

وحظيت مدينة اللد، 15 كم جنوب شرق تل أبيب، بالنصيب الأكبر من هذه الاشتباكات، وهو ما دفع رئيس بلديتها، يائير رفيفو، إلى التصريح بأنه فقد السيطرة كلية على المدينة التي صارت «تشهد حربًا أهلية بين العرب واليهود» بحسب تعبيره، ليضطر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى إعلان حالة الطوارئ ، والاستعانة بشرطة حرس الحدود، والتي تنفذ مهامًا عسكرية، لاستعادة السيطرة على المدينة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 4 شهور
توماس فريدمان: هل تتحول مواجهات القدس إلى انتفاضة كبرى؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد