نقلًا عن الخليج الجديد

 

 

ززعم تقرير لمجلة «جلوباليست» أن الفكر المحافظ انتقل من السعودية إلي مصر من خلال آلاف العمال المصريين الذين سافروا للعمل في السعودية منذ الخمسينات ثم عادوا محملين بأفكار المذهب الوهابي، وبأفكار الحجاب والتدين المتشدد على حد وصف المجلة. وقالت المجلة الأمريكية في التقرير الذي جاء تحت عنوان «كيف هاجر التشدد من المملكة العربية السعودية إلى مصر»، أنه على مدى أربعة عقود، أخذ الفكر الأكثر محافظة طريقه من السعودية إلى مصر، من خلال التحولات الاجتماعية التي انتقلت مع قرابة 10-20 مليون مصري عملوا في السعودية خلال الـ 40 عاما الماضية إلى مصر.

وأشارت المجلة أن «الناس» و«المال» هما أداتان استخدمتا لنقل التشدد من المملكة العربية السعودية لمصر، وكان كثيرون ينظرون الي ثراء السعودية على أنه مكافأة من الله على التقوى، بينما فقر مصر ينظر اليه على أنه غضب من الله على انتشار العلمانية في مصر.

وزعمت «جلوباليست» أن سفر العمال الي السعودية ودول الخليج زاد من انتشار الأفكار المتشددة بين أكثر من رعايا دولة عربية، منها مصر، التي كانت تعيش عصر «الحداثة».

وأعطت المجلة مثالا على انتشار «التدين المتشدد» في مصر بعد عودة العمالة المصرية من السعودية، مؤكده أن مقطع يوتيوب شعبي (عربي) من الخمسينات، أظهر سخرية الجمهور والضحك من قول الرئيس المصري «جمال عبد الناصر» أن الإسلاميين يريدون منه أن يجعل كل النساء المصريات في الشوارع يرتدين الحجاب، بينما تصريحات «عبد الناصر» لا تضحك أحد اليوم، لأن جميع النساء في القاهرة، تقريبا، باستثناء الأقباط، محجبات.

وأنه بعد ستين عاما، من عهد «عبد الناصر» أصبحت مصر أكثر محافظة اجتماعيا، وهناك عدد هائل من المواقف المحافظة السياسية والاجتماعية، مثل الكراهية الدينية المتجذرة.

من الحداثة الي المحافظة في 50 عاما

وتتساءل المجلة الأمريكية: «كيف لعاصمة متحررة حداثية عالمية مثل القاهرة أن تتحول إلى المحافظة الدينية في غضون 50 سنة؟»، مشيره لأن أحد العوامل الرئيسية في هذا هي السياسات القمعية وفشل الرؤساء المصريين على التوالي، ولكن «العامل السعودي» يبرز كدافع قوي ومؤثر على انتشار هذا التيار المحافظ المتدين في مصر.

ونوهت أن التطرف (الديني) يتبع نتيجة «القمع»، ففي الخمسينات كانت مصر جمهورية علمانية، ثورية، حداثية، حيث المذهب «الحنفي المعتدل» و«الفقه الشافعي الديني»، هو السائد، وبالمقابل كانت المملكة العربية السعودية، محافظة، مناهضة للفكر الثوري، وبها فكر (المذهب الحنبلي الوهابي) الأكثر قمعية من كل التيارات الإسلامية بحسب وصف المجلة.

وبحسب زعم المجلة الأمريكية، سعي مؤسس هذه الوهابية «محمد بن عبد الوهاب» في القرن الـ 18 لفرض الصلاة الجماعية وتنفيذ العقوبات الموجودة الشريعة الإسلامية وهو نفسه رجم امرأة بتهمة الزنا، وقطع الرؤوس، وبتر الأطراف والجلد الذي أصبح جزءا من الواقع السعودي.

مصر «عبد الناصر» كانت مختلفة تماما في ذلك الوقت، حيث كان يجري قمع الدين، وتعتبره السلطة “تخلفا”، وتحتضن العدالة الاجتماعية وترفض الملكية، وتعارض الأفكار والاستراتيجيات التي ينشرها العلماء السعوديين.

احتضان المملكة للإخوان

وعندما بدأ «ناصر» اضطهاد لجماعة الإخوان المسلمين عام 1953، أعطى السعوديين الآلاف من هؤلاء الإخوان ملاذا آمنا في بلدهم.

ثم تأثر شباب الإخوان الإسلاميين حرفيا بما تبثه النظم التعليمية ووسائل الإعلام في المملكة العربية السعودية من أفكار وأحلام من الصفر، وبعدما وصلوا في البداية للسعودية بعلامة تجارية هي «الإسلام المعتدل»، تشربوا على الأراضي السعودية التشدد وأصبحوا ينشرونه.

التشدد من خلال الهجرة

ومع موجات العودة الكبيرة للعمال المهاجرين المصريين في المملكة العربية السعودية في عام 1974، إلى بلادهم بعد أزمة النفط وارتفاع أسعار النفط لاحقا، أثر هؤلاء مرة أخري على بلادهم مصر اجتماعيا عبر ما تشربوه في المملكة السعودية، كما يقول الكاتب المصري البارز «علاء الأسواني».

فاستنادا إلى البيانات المتوفرة عاش قرابة 20 مليون مصري وعملوا في المملكة العربية السعودية في السنوات الـ 40 الماضية، أي ما يقارب ربع سكان مصر تقريبا، وكانت هذه الملايين في البداية موضع ترحيب في المملكة بسبب التقارب اللغوي والثقافي والديني مع السعوديين، ولكن سرعان ما تعرضوا لظروف عمل مختلفة تماما عما كان عليه الوضع في مصر.

فالسعودية كانت تفصل أماكن عمل الذكور عن الإناث عكس الحال في مصر، وهناك قهر رسمي وفعلي من الكفيل السعودي والمجتمع المحافظ، والحافظ على أداء الصلاة في وقتها وغلق المحال خلال صلاة الجمعة حيث الخطب الوهابية، ولم يكن هناك أي اختلاط بين الجنسين في الشوارع وعند زيارة الأصدقاء أو في المدارس يلزم تغطية كامل الجسم بالنسبة للمرأة.

النموذج السعودي

وتقول المجلة الأمريكية أن السعودية لم تكن هي ذلك المجتمع القبلي المتخلف في الصحراء، الذي استمر حتى الستينات من القرن الماضي، وإنما انتشر الثراء والبذخ بسبب الثروات الهائلة في البلاد.

وقد وقر في قلب وعقل المصريين الجماعي أن هذا الغناء والثراء في المملكة العربية السعودية كان مكافأة من الله على التقوى في المجتمع، بينما عزوا فقر وتراجع اقتصاد مصر إلى أنه نتيجة لغضب من الله على السلوك (العلماني) السيء لمصر، ولهذا بدلا من رفضهم النموذج السعودي الثقافي، فإن غالبية العائدين المصريين، بعد سنوات من العمل هناك، أصبحوا مقتنعين بثلاثة أمور:

  • أن القوة الاقتصادية الواضحة للنموذج السعودي ترجع الي التدين.
  • أن هناك طموحا في تشبه العمال المهاجرين بأربابهم في السعودية
  • العائدون من السعودية هم محرك التنمية في مصر ولهم دور اجتماعي هام.

الوهابية السعودية دعمت السلفية المصرية بالمال

وتزعم «جلوباليست» أن الوهابيين في المملكة العربية السعودية دعموا رسميا السلفية المصرية المتشددة، التي ظلت تعارض بشكل عام كل الممارسات غير الدينية للحكومة المصرية علي مدار قرن على الأقل، وأن العلاقات الشخصية والمالية بين قادة ومفكري ومنظمات السلفيين في مصر ونظرائهم في المملكة العربية السعودية كانت وثيقة.

وتقول إن هذه العلاقات توسعت بعد ثورة 2011، حيث تنافس السلفيين مع الديمقراطيين الإسلاميين (الاخوان) في التأثير على عقول الشباب، وفي عام 2011 فقط، مولت السعودية الجماعات السلفية في مصر بـ 63 مليون دولار، بحسب المجلة التي لم تورد ما يثبت ذلك.

وفي يوليو/تموز 2013، أيد السلفيون المصريون علنا الانقلاب العسكري المدعوم سعوديا ضد الديمقراطية الوليدة في مصر، وأيدوا دستور الجيش رغم أن السلفية كانت أكثر تشددا دينيا من «حزب الحرية والعدالة» الديمقراطي الإسلامي بزعامة الرئيس السابق «محمد مرسي»، المنافس الرئيسي للنفوذ السياسي السلفي.

الغرب يحصد النتائج

وتخلص المجلة الأمريكية إلى أن تطرف مصر حدث بطريقتين متوازيتين: «بشكل غير مباشر»: من خلال تلقين المهاجرين المصريين الفكر السلفي الوهابي المتشدد، و«بشكل مباشر»: عبر التمويل السعودي لنشر الفكر الوهابي في مصر.

وتقول أن العالم اليوم، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة، يحتاج للتعامل مع النشاط الأيديولوجي من خلال دراسة هذا التأثير الخليجي وعواقبه على المدى الطويل، حيث المساجد الراديكالية والمراكز الثقافية والأئمة الذين يستهدفون الشبان العرب والمسلمين الأوروبيين، ومحاولة فرض تفسير للإسلام أكثر تحفظا وتشددا.

وتقول إنه «قد يبدو على المدى القصير، أن من السهل التغاضي عن عملية نشر التشدد بين الناس بسبب الانتقادات الخليجية والخوف من إغضاب الاستثمارات الخليجية المرعوبة في الغرب، ولكن على المدى البعيد، سوف ينتشر هذا الفكر المحافظ وينتقل من الخليج مباشرة ليهدد بلداننا».

المصدر | الخليج الجديد

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد