1,424

إن دارس الأدب الإنجليزي الذي لا يعرف الكتاب المقدس لن يفهم قدرًا كبيرًا مما يجري فيما يقرأ؛ بل يسيء أكثر التلاميذ فطنة -ممن لم يقرؤوا الإنجيل قبلًا- فهم مضمون ما يقرأ باستمرار، ويظل فهمه للمعنى قاصرًا أيضًا. *الناقد والمُنظر الأدبي نورثروب فراي

يعتبر الإلمام بالكتاب المقدس شرطًا لا غنى عنه من أجل تحقيق الفهم المستنير لمعظم النتاج الأدبي والفني الإنجليزي، بداية من الأعمال الكلاسيكية لشكسبير وميلتون ووليم بليك وحتى يومنا هذا. وهو إن كان فقد شيئًا من مكانته بصفته كتابًا مقدسًا، نتيجة لـ«تهاوي الإيمان» في العصر الحديث، إلا أنه لا يزال يحتفظ بمكانة كبيرة باعتباره المؤثر الأكبر في الثقافة والأدب الغربيين؛ فلم يستطع أي كتابٍ آخر أن يُحدث مثل تأثير الإنجيل في الأدب الغربي وعلى وعي أدبائه، إذ أنه يعتبر كيانًا حيًّا في وجدانهم بغض النظر عن مدى تدينهم.

وبغض النظر عن اعتباره نصًّا دينيًّا، يعتبر الكتاب المقدس هو النص الأدبي النموذجي في العالم الغربي؛ فقد تعرّف الأدباء إلى فن الحكي من خلاله في طفولتهم حين كانوا يذهبون إلى الكنيسة مع ذويهم، ويستمعون في إنصات وانبهار إلى الحكايات التي يحويها، وظل تأثيره ممتدًا فيهم وفي أعمالهم الأدبية حتى عندما تخلَّى بعضهم عن الإيمان بالمسيحية؛ فهم إن كانوا قد كفروا به بوصفه كتابًا دينيًّا فلم يكفروا به باعتباره نصًّا أدبيًّا يحوي كمًّا هائلًا من القصص والمغامرات والقصائد والنبؤات التي خلبت لبّهم.

والتيمة الإنجيلية تتواجد بغزارة ووضوح في أعمال إنجليزية شهيرة مثل قصيدة «الأرض الخراب» لـ«تي. إس. إليوت»، ورواية «أبشالوم أبشالوم» للأديب الأمريكي وليام فوكنر، وأشهر روايات البحار على الإطلاق «موبي ديك» لهيرمان ميلفل، وكذلك رواية «اغتنم الفرصة» للكاتب الأمريكي سول بيلو التي حاز عنها جائزة نوبل للآداب عام 1976، ناهيك عن الأعمال الكلاسيكية التي تصدح بالإحالات والرموز الإنجيلية كـ«رحلة الحاج» لجون بنيان، وملحمة «الفردوس المفقود» لجون ميلتون، والكثير من الأعمال الأدبية التي كان الكتاب المقدس حاضرًا بقوة فيها.

ويحضر الكتاب المقدس في الأدب الإنجليزي إما عن طريق استدعاء موضوعاته الأساسية كقصة الخلق، واللعنة والهبوط من جنات عدن، مرورًا بأسفار العهد القديم التي تتناول قصص الخروج والتيه، ونهاية بقصص المسيح التي يتناولها العهد الجديد، أو عن طريق منح أحد أبطال العمل الأدبي سمات إحدى شخصيات الكتاب المقدس، فيكون بذلك رمزًا لها ومعبرًا عنها، أو منحه نقيض تلك الصفات فيكون بذلك بطلًا مضادًا. في هذا التقرير سنتناول مثلين بالقراءة والتحليل.

العجوز والبحر.. بين معاناة سانتياجو وآلام المسيح

في عام ،1954 فاز الأديب الأمريكي، إرنست ميلر همنجواي، بجائزة نوبل للآداب عن روايته الملحمية «العجوز والبحر». وعلى الرغم من أن الجائزة تُمنح للأديب عن مجمل أعماله، إلا أن همنجواي قد استطاع أن يكون واحدًا من تسعة أدباء فقط مُنحوا الجائزة لأجل عمل أدبي واحد فقط، وليس عن مجمل أعمالهم.

تحكي الرواية قصة «سانتياجو» الصياد العجوز الذي يبحر بقاربه كل يوم، ولمدة 84 يومًا، ولكنه يعجز عن اصطياد أي شيء، ويعود خالي الوفاض؛ مما يجعل والد مساعده الصغير «مانولين» يأمر ابنه بترك العجوز سيئ الحظ والعمل في قارب صياد آخر أوفر حظًّا.

وفي اليوم الخامس والثمانين يقرر العجوز، الذي لا يعرف اليأس رغم أن سوء حظه صار أضحوكة قريته الصغيرة، أن يبحر وحده بقاربه إلى مناطق أبعد من تلك التي اعتاد أن يبحر إليها، وهناك تلتقط سمكة مارلين عملاقة طعمه الذي علقه بخطاف في حبل متين، ويدور بينها وبين الصياد العجوز صراع طويل، فهي تأبى إلا أن تحرر نفسها، وهو أيضًا يأبى أن يعود خالي الوفاض.

اقرأ أيضًا: إرنست همنجواي.. كلُّ هذا الصبر لم يوقفه عن الانتحار

وعلى الرغم من أن سمكة المارلين قد سحبت قارب الصياد العجوز إلى مناطق بعيدة في البحر، وأن الحبل الذي يصل بينه وبين السمكة قد أصاب يديه بجروح بالغة، إلا أنه لم يفلته أبدًا وظل هكذا في صراع مع خصمه الشجاع الذي لا يعرف اليأس أو الخوف مدة ثلاثة أيام شعر فيها «سانتياجو» بتعاطف شديد مع خصمه القوي الذي يتحلى بالتصميم مثله.

ولكن كان يجب لأحدهما أن ينتصر، وقد فعلها العجوز أخيرًا في عصر اليوم الثالث، حين نجح في شد السمكة ناحيته وطعنها برمحه، ولكنه لم ينجح في سحبها إلى القارب بسبب ضخامتها؛ فقرر أن يربطها على أحد جانبيه، إلا أنّ رائحة دمها تجذب عددًا من أسماك القرش التي يحاول الصيَّاد عبثًا دفعها بعيدًا عن صيده، ولا تترك له من السمكة إلا هيكلًا عظميًّا يعود به إلى الشاطئ فيتركه هناك ويذهب لينام في كوخه بعد أن بلغ منه التعب مبلغه؛ بينما يتعجب السائحون والصيادون في الخارج من حجم هيكل السمكة التي ظنوها سمكة قرش.

تحكي «العجوز والبحر» عن الصدام الأبدي بين رغبة الإنسان في تحقيق ذاته، وبين المعوقات والصعوبات التي تضعها الحياة في طريقه لتحول بينه وبين تحقيق أهدافه. ويمكن القول بأن هذه الرواية القصيرة إنما تعبر عن وجهة نظر همنجواي نحو الحياة؛ فهو يرى أن الرجل، الرجل الحقيقي، يمكن تحطيمه ولا يمكن هزيمته في عالم فيه الصراع والموت أمر لا مفر منه، كجزء من النظام الطبيعي للأشياء.

وهكذا يكون على الإنسان الاختيار بين الاستسلام لتلك الصعوبات، وعدم اتخاذ أي رد فعل، وبالتالي يُهزم هزيمة منكرة أمام الحياة، أو أن يتحمل ويكافح حتى رمقه الأخير حتى وإن كان سيتحطم تمامًا ولكنه سينتصر نصرًا معنويًّا، وسيكسب احترامه لذاته، وقد كان الخيار الأخير هو الخيار الذي ارتضاه همنجواي لبطله العجوز.

وكما تجري العادة مع أي عمل أدبي متميز، اختلفت الآراء حول «العجوز والبحر»؛ فالبعض رآها ثاني أفضل رواية بحار بعد رواية ميلفل الشهيرة «موبي ديك»، والبعض -ومنهم الكاتب الشهير ترومان كابوت- رأوها الأسوأ بين روايات همنجواي.

إلا أن أكاديمية نوبل قد أفردت الأسباب التالية لمنحها الجائزة لهذه الرواية في الخطاب الذي ألقاه السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، أندرس أوستيرلينغ، في حفل توزيع الجوائز حين قال: «إن هذه القصة بمثابة تحية إجلال وتقدير للروح القتالية التي لا تستسلم حتى وإن كان مكسبها المادي لا شيء. إنها تحية تقدير للانتصار الأخلاقي في قلب الهزيمة».

إذن فقد مدح أو انتقد الجميع هذه الرواية إما لرسالتها السامية وإما لإغراقها في الرمزية، ولكن قلة قليلة من النقاد أو القراء هم من فطنوا إلى أن شخص المسيح كان يتراءى خلف عيني سانتياجو اللتين لا تزالان شابتين رغم مشيب صاحبهما.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن متلازمة «الصفحة الفارغة»؟ وكيف تتغلَّب عليها؟

لقد عمل همنجواي على جعل القارئ يربط بين «سانتياجو»، وبين المسيح عن طريق استدعاء بعض الرموز المسيحية كخروج العجوز برفقة مساعده الصغير مدة 40 يومًا -وهي نفس المدة التي ذهب فيها المسيح إلى البرية-، أما صراع «سانتياجو» مع سمكة المارلين فقد استمر ثلاثة أيام، ويعتبر رقم ثلاثة رقمًا مهمًا في اللاهوت المسيحي؛ إذ يرمز إلى الثالوث، وكذلك الفاصل الزمني بين صلب المسيح وقيامته.

أما الإشارات الأوضح في الرواية فتمثلت في الربط بين الجراح التي ملأت باطن كفي الصياد العجوز، من جراء شده للحبال مدة طويلة، والجراح التي أحدثتها المسامير في كفي المسيح أثناء ربطه إلى الصليب، وقد عمل همنجواي على تقوية هذا الربط حين قال إن الأصوات التي كانت تصدر عن العجوز أثناء صراعه مع أسماك القرش كانت تشبه صيحات رجل غُرست في كفه المسامير.

أيضًا، يبدو المشهد النهائي في الرواية مشابهًا لمشهد المسيح عند صلبه؛ فنرى أن الصياد العجوز قد حمل الصاري -الذي يتخذ شكل الصليب- بيديه الداميتين وهو خارج من البحر، تمامًا كما قُدَر للمسيح -وفقًا للعهد الجديد- حمل صليبه بنفسه وهو متوجه إلى ساحة الصلب «الجلجثة»، كما أنه قد وقع أكثر من مرة وهو يحمل الصاري على كتفيه متجهًا إلى كوخه، وكذلك وقع المسيح أكثر من مرة وهو متجه إلى الساحة.

Embed from Getty Images
همنجواي

أضف إلى ذلك أن الصياد حين وصل إلى الكوخ قد تهالك على سريره فاردًا ذراعيه في وضع الصليب ورافعًا باطن كفيه إلى أعلى، وباطن كفيه يظهر للعيان مليئًا بالجروح مما يستدعي صورة المسيح على الصليب.

حين كتب همنجواي روايته الأخيرة، العجوز والبحر، كان ينوي صنع ملحمة يثبت من خلالها للنقاد أنه لم ينته ككاتب، وأنه ما زال لديه الكثير، وقد فاجأهم بعمل سهروا واختصموا في تفسير مدلولاته. لقد ظهرت نظرية الجبل الجليدي أو نظرية الإسقاط، التي يتبناها همنجواي، جلية في هذه الرواية؛ فهو يرى أن العمل الأدبي يجب أن يكون مثل الجبل الجليدي يُظهر جزءًا قليلًا على سطح البحر، ويحتفظ بالجزء الأكبر منه تحت السطح ليراه فقط من يريد اكتشاف عمقه لا من يكتفي برؤية سطحه الظاهر للعيان. وهكذا، لم يكن المعنى الأعمق لهذه الرواية واضحًا؛ بل كان يتطلب من القارئ أن يعيد قراءتها مرات ومرات ليكتشف في كل مرة معنى جديد لم يستطع اكتشافه في قراءاته السابقة.

ربما كان شخص المسيح يتراءى أمام عيني همنجواي وهو يصنع من «سانتياجو» العجوز بطلًا تراجيديًّا على غراره، ومن «مانولين» الصغير حوارييه الذي سيتعلم منه، ويكمل مسيرته، وينشر فضائله ومكارمه حتى بعد وفاته. لقد كان سانتياجو العجوز، تمامًا مثل المسيح، رجلًا ذا شخصية متواضعة ولكنها ذات عزم قوي لا تقبل الاستسلام، وتظل تكافح وهي ترسم على وجهها ابتسامة هادئة حتى وإن أصبحت حطامًا.

عن الرجال والفئران.. قابيل وهابيل في أمريكا

نحن الآن في أمريكا في ثلاثينات القرن الماضي، حيث الكساد العظيم يعصف بالمجتمع والاقتصاد الأمريكيين، وحيث العمال والمزارعون الفقراء يتجولون ببطون خاوية ليبحثوا عن عمل طوال النهار،، ثم يعودون مساءً إلى أطفالهم، الذين يعانون من سوء التغذية ويكادون يموتون من الجوع، صفر اليدين وأعينهم ملأتها دموع العجز والفقر.

ولأن المصائب لا تأتي فرادى؛ فقد تزامن الكساد العظيم مع واحدة من أسوأ العواصف الترابية التي ضربت الولايات الجنوبية الأمريكية، وجعلت الجزء العلوي الخصب من التربة يذهب أدراج الرياح، لدرجة أنه كان يستحيل رؤية من هو قادم على بعد خمس خطوات نظرًا لشدة الأتربة. وهكذًا اضطر عدد كبير من سكان هذه الولايات الجنوبية إلى النزوح تجاه الغرب، تجاه الأرض الموعودة – ولاية كاليفورنيا.

كان أقصى حلم للمهاجرين في ذلك الوقت، هو العمل بجد وادخار الأموال؛ حتى يتسنى لهم امتلاك منزل صغير ملحق بحديقة يزرعونها ويأكلون منها، إلا أن أصحاب المزارع في كاليفورنيا وقفوا أمام تحقيق هذا الحلم البسيط؛ إذ إنهم كانوا يعلمون جيدًا أن الرجل الجائع سوف يعمل بأي ثمن؛ فبنسات قليلة تقيم صلب أطفاله كانت أفضل من رؤيتهم يتساقطون واحدًا تلو الآخر من الموت جوعًا، وبالتالي عمل المزارعون نظير أجور زهيدة لا تكفى حتى ثمن طعام يومهم، وسكنوا في مخيمات بالية لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.

في ذلك الوقت طُلب من صحافي وأديب شاب معروف بكتابة الروايات الهزلية عمل تحقيقات صحفية لصالح صحيفة لوس أنجلوس تايمز، عن وضع المزارعين في كاليفورنيا؛ فقرر الذهاب إلى المزارع والمصانع التي يعمل بها المهاجرون، وعمل معهم عدة أشهر، حتى يتسنى له معرفة حكاياتهم عن قرب ومعايشة حياتهم اليومية.

ومنذ ذلك الحين، لم يعد ذلك الأديب يكتب روايات تهكمية هزلية، بل أصبح يكتب عن معاناة العمال، وعن زيف الحلم الأمريكي، وعن قبح الرأسمالية ووجوب وجود نقابات عمالية قوية تعنى بحق هؤلاء العمال، وتقف في وجه أصحاب المزارع الذين يبخسونهم حقوقهم، وكانت النتيجة أن أعماله قد حُظرت وحُرقت واتهم بالشيوعية، وكان ذلك الأديب هو «جون شتاينبك» الذي يعد أفضل من وثقوا فترة الكساد العظيم في أعمالهم الروائية.

كانت رواية شتاينبك القصيرة، عن «الرجال والفئران»، من أكثر الأعمال التي أثارت جدلًا وقت صدورها. فهي تحكي عن حلم صديقين من المزارعين بامتلاك مزرعة وتكشف عن استحالة تحقيق هذا الحلم الذي يشبهه شتاينبك بالحلم الأمريكي. إنها حكاية جورج ميلتون، الرجل النحيف صغير الجسم حاد الذكاء، وليني سمول الضخم الذي يتمتع بقوة هائلة، ولكنه يعاني من تأخر عقلي يجعله معتمدً كليًّا على صديقه الوحيد جورج.

لدى جورج وليني حلم وحيد، وهو أن يمتلكا منزلًا ومزرعة صغيرة، تمرح بها أرانب ذات فراء ناعم ليداعبها ليني المولع بلمس الأشياء الناعمة، ولكنهما دومًا ما يُطردان من عملهما بسبب حماقات ليني، الذي لا يكف عن الاعتذار لجورج، وبدوره لا يكف جورج عن إخباره بأن حياته ستكون أفضل لولاه.

لا يدري جورج لم يحتفظ بصداقة ليني رغم كل المتاعب التي يجلبها إليه الأخير بسبب تأخره العقلي، وهو كذلك لا يستطيع أن يجيب إجابة واضحة عن سؤال الجميع عن سبب تحمله صديقه، فقط كل ما يشعر به أن صديقه يحتاجه وسيتدمر لولاه.

وهكذا من مزرعة إلى أخرى ينتقل الصديقان، وينتقل معهما حلمهما الذي يبدو مستحيل التحقيق، حتى يقابلا الكنَاس العجوز، كاندي، الذي يخبرهما أنه يملك قدرًا من المال دفعه له صاحب المزرعة تعويضًا له عن ذراعه الذي فقده أثناء العمل، ولأنه يدرك تمام الإدراك أن صاحب المزرعة سيرميه خارجًا متى لم يصبح قادرًا على العمل؛ فقد عرض على جورج وليني المساهمة بالقسم الأكبر من المال اللازم لشراء مزرعة مساحتها عشرة فدادين؛ ليستطيع أن يعيش آخر أيامه في أرض يملكها. في تلك اللحظة أصبح الحلم البعيد وشيك الحدوث، وسيصبح جورج وليني قادرين على الحلم المستحيل.

وفي تلك اللحظة، اللحظة الوحيدة التي أصبح فيها الحلم ممكنًا، تأتي الزوجة الجميلة اللعوب إلى صاحب المزرعة وتتجاذب أطراف الحديث مع ليني، الذي طالما حذره جورج من الابتعاد عنها؛ لأنه يشعر بسوء كبير داخلها، وتخبره أن بإمكانه لمس شعرها الناعم. وما إن يضع الرجل هائل الجثة يده على شعرها حتى تصرخ فينتهي به الأمر بكسر عنقها في محاولة منه لإسكاتها.

يفر ليني المذعور من المزرعة حتى يصل إلى المكان الذي أخبره جورج أن عليه انتظاره فيه، إذا ما تسبب في أي مشكلة، وينتظر صديقه هناك. أما في المزرعة؛ فلا يملك جورج أي شيء لفعله أمام هؤلاء الرجال الغاضبين العازمين على إيجاد ليني الهارب وقتله والتمثيل بجثته؛ فيقرر أن يسحب مسدسًا كان يخفيه أحد المزارعين خلسة، ويسبقهم إلى مكان ليني، وهناك يجد صديقه العملاق ذا عقل الأطفال ينتظره.

وبمجرد أن يراه ليني يرجوه ألا يبدو هادئًا هكذا، وأن يصرخ عليه ويخبره كيف ستكون حياته سعيدة لولاه، كما اعتاد أن يفعل حينما يغضب منه، ولكن جورج يلوذ بالصمت ويده تقبض على السلاح خلف ظهره.

تحت توسلات ليني، يردد جورج الكلمات الغاضبة التي اعتاد قولها بطريقة أوتوماتيكية؛ فيطمع ليني في المزيد ويقول له، «أخبرني عنا وعن رفاقنا كما كنت تفعل دومًا يا جورج» فيجيب جورج، «أمثالنا من الرجال لا يملكون أي شيء، لا أرض ولا عائلة ولا مال.. ولكننا – أنا وأنت – نملك بعضنا بعضًا ونعتني بعضنا ببعض».

يطرب ليني لسماع هذا الكلام ويرجو المزيد؛ فيسأل جورج أن يحكي له عن حلمهما ويوافق جورج شريطة أن يخلع ليني قبعته وييمم وجهه شطر النهر القريب، ويحكي له عن المزرعة، وهو يخرج المسدس من وراء ظهره، يحكي جورج بصوت واثق ويداه ترتعشان، ولكنه ما إن يسمع صوت الرجال الغاضبين قادمين من بعيد، تستقر يده ويضغط على الزناد لتنطلق من المسدس رصاصة يهتز لصوتها الوادي برمته، وتردي صديقه صريعًا.

جرت العادة كلما نشر شتاينبك عملًا أن يبدي عميق دهشته من الآراء النقدية على رواياته، وكان يتعجب كثيرًا لإغفال جميع النقاد التلميحات والتصويرات الإنجيلية التي يظن أنه قد وضحها بما يكفي. حين نُشرت «عن الرجال والفئران» قرأها الجميع، باستثناء قلة قليلة، بصفتها رواية اجتماعية تراجيدية، أو بصفتها رواية كوميديا سوداء، ولم يدر بخلدهم أن الحلم الذي يحلمه الصديقان إنما يمثل الحلم بجنات عدن، وأنه كان عليهما التسليم بأنه لن يتحقق، لأن أمريكا، ببساطة، ليست جنات عدن الموعودة.

حين أتى المستوطنون الأوائل إلى أمريكا أطلقوا عليها اسم «أرض الإله»؛ إذ ظنوا أن الله قد اصطفاها لهؤلاء الذين ذاقوا الويلات في أوروبا وفروا إليها. لقد كانت أرضًا بديعة الجمال مليئة بالحدائق الغناء فشبهوها بجنات عدن، وعزموا على ألا يُطردوا منها كما طُرد آدم من قبل.

نعم لقد بدت أمريكا مثل جنات عدن، ولكن بين غصون أشجارها الكثيفة كان الشيطان يختبئ، لقد كان الشيطان متمثلًا – كما يرى شتاينبك – في هؤلاء الرأسماليين الذين لا هم لهم سوى تحقيق أعلى هامش ربح غير عابئين بآلام العمال الفقراء وأحلامهم، لقد كان الشيطان هو البنك الذي يتغذى على الأرباح فقط، ولا يعطي لحياة العمال والمزارعين أي قيمة.

لقد جعل شتاينبك التوق البشري والحلم بالعيش في الجنة الموعودة، يتقاطع مع الحلم الأمريكي، وأثبت أن كلاهما مجرد وهم زائف؛ فلا الإنسان سيجد الجنة في الأرض، وكذلك لن يتحقق الحلم الأمريكي إذ إنه مجرد خيال في عقل الأمريكيين، يستحيل تحقيقه على أرض الواقع.

اقرأ أيضًا: مترجم: جون شتاينبك يكتب عن الحُب

والأهم من ذلك أنه أعاد تمثيل قصة ابني آدم، ولكن هذه المرة على أرض أمريكا. حين كان جميع العمال المتنقلين يسيرون وحدهم، كان جورج برفقة ليني يعتني كلاهما بالآخر، وبذلك كانا يمثلان الرابطة الأخوية الوحيدة في المزرعة؛ فكلاهما مرتبط بالآخر لأنهما يشعران بالأمان بمعية بعضهما بعضًا، ويحبان بعضهما بعضًا بصدق، وهذا ما يجعلهما يختلفان عن الرجال الآخرين. ويظل الأمر هكذا حتى تتدخل المرأة زوجة كيرلي، وتكون سببًا في طرد آدم، متمثلًا في شخصي جورج وليني، من الجنة وتكون سببًا رئيسًا في إحباط حلمهما.

حين بسط جورج يده لقتل ليني لم يكن يقتل صديقه فقط، بل كان يقتل أي أمل في وجود علاقات إنسانية أخوية في أمريكا في ظل الكساد العظيم وتغوُّل الرأسمالية. وفقًا لرواية العهد القديم -سفر التكوين- قتل قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله تقبل قربان أخيه ولم يتقبل قربانه، وعندما سأله الله «أين أخوك هابيل؟ فأجاب ‘لا أعرف. هل أنا حارس لأخي؟».

هنا طرح شتاينبك سؤال قابيل عينه، ولكن بطريقة مغايرة، هل جورج هو حارس ليني؟ الأمر الذي يجعل القارئ يفكر مرارًا في الآثار المدمرة التي جلبتها الرأسمالية على المزارعين؛ إذ إنها كررت حدوث هذه القصة المرعبة لأخوين يقتل أحدهما الآخر؛ لأنه ليس حارسًا له.

وهكذا رأت لجنة نوبل أن أعمال جون شتاينبك متعددة المستويات تستحق عن جدارة الجائزة؛ فهو كاتب يكتب أعماله على عدة مستويات، إن قرئت رواياته لأول مرة ستفهم أنها روايات تعنى بالبروليتاريا والأقليات، ولكن إن أعدت قراءتها وكان لديك علم مسبق بالكتاب المقدس؛ فستكتشف عالمًا يعج بالأبطال الأسطوريين، الذي رُسموا على غرار أبطال الحكايات القديمة.