رصد مركز ستراتفور للدراسات الاستراتيجية والأمنية في تقرير له ثلاثًا من القضايا التي شغلت المجتمع الدولي مؤخرًا. وشملت تلك القضايا اتفاق وقف إطلاق النار في شرق أوكرانيا، والذي تم توقيعه في مينسك، والتقدم الذي شهدته المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبقاء اليونان ضمن منطقة اليورو وفقًا للاتفاق الذي جرى في مدينة بروكسل.

وأشار التقرير إلى أن تلك القضايا والملفات لا تنفصل عن بعضها البعض، وإنما هي ملفات لأزمات متشابكة ومترابطة. كما أن إدراك طبيعة هذا التشابك بينها هو الخطوة الأولى لتقييم المواقف والتكهنات المستقبلية بشأنها.

ألمانيا وأزمة منطقة اليورو

غدت ألمانيا من جديد ضحية لقوتها الذاتية. وباعتبارها أكبر دائن في أوروبا، تتمتع ألمانيا بنفوذ سياسي كبير لدى الدول المدينة كما هو الحال مع اليونان. حتى إن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في اليونان باتت مرهونة بتوقيع المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل على قروض جديدة.

في الوقت الذي تقوم فيه ألمانيا بتصدير 50% من إجمالي الناتج المحلي بها، والذي يذهب غالبيته إلى الأسواق الأوروبية، فإن المؤسسات التي تعتمد عليها ألمانيا لحماية أسواق تجارتها الخارجية هي ذاتها تلك المؤسسات التي يتحتم على برلين مواجهتها لحماية الثروة الوطنية الألمانية.

ينظر البعض إلى اتفاق بروكسل الأخير بشأن تمديد حزمة المساعدات لليونان وبقائها ضمن منطقة اليورو باعتباره انتصارًا لبرلين على أثينا. يأتي هذا في الوقت الذي ساند فيه وزراء مالية منطقة اليورو، بما في ذلك وزراء مالية إسبانيا والبرتغال وفرنسا، الموقف الألماني الرافض لتحايل اليونان في الوفاء بالتزاماتها لسداد الديون المستحقة والقيام بإصلاحات هيكلية.

من ناحية أخرى، يبدو أن ميركل هي الأخرى ليست على استعداد للمقامرة بكميات غير محدودة من أموال دافعي الضرائب في ألمانيا، في مقابل تعهدات يونانية واهية لخفض التكاليف وفرض إصلاحات هيكلية على الشعب اليوناني. ولا ننسى في هذا الإطار الدعم الذي يتلقاه حزب سيريزا الحاكم في اليونان حاليًا نظرًا لتوجهاته المناهضة لسياسات التقشف.

وليس ذلك فحسب، بل إن اليونان وألمانيا سيكونان على موعد آخر من الخلاف والمواجهة في غضون أربعة أشهر من الآن. فاليونان في ظل سياساتها المناهضة للتقشف على الأرجح ستكون عاجزة عن تقديم أوراق اعتمادها لدى ألمانيا التي تسعى لإقناع المتشككين في أوروبا بثقلها المؤسسي لفرض توجهاتها الاقتصادية على بقية أوروبا.

وكلما زادت المبيعات الألمانية، كلما كانت المفاوضات الألمانية اليونانية أكثر تصلبًا وأقل مرونة، ناهيك عن التهديدات التي يخشاها الساسة ورجال الأعمال تجاه الخروج اليوناني من منطقة اليورو. خروج سيشكل الحلقة الأولى في سلسلة الأحداث التي قد تعصف بمنطقة اليورو.

دور الأزمة في أوكرانيا

في طريقها نحو معالجة ناجعة لأزمة منطقة اليورو المتفاقمة، فإن ميركل بحاجة إلى تهدئة الأوضاع في الجبهة الشرقية، ونعني بها هنا المواقف المتصاعدة في شرق أوكرانيا. ولا عجب إذن أن تواصل المستشارة الألمانية الليل بالنهار من أجل التوصل إلى اتفاق آخر في مينسك مع روسيا حتى على الورق لوقف إطلاق النار.

ورغم العوار الذي شاب الصفقة في مينسك، إلا أن ألمانيا مارست ضغوطًا من جانبها على الرئيس الأوكراني بترو بوروشينكو للقبول بالأمر الواقع ودعم اتفاق وقف إطلاق النار.

 ولكن حتى وإن نجحت ألمانيا من جانب وروسيا من جانب آخر في إحداث نوع من الهدوء النسبي في شرق أوكرانيا، فلن يجدي ذلك نفعًا في نهاية المطاف في نزع فتيل المواجهة بين الولايات المتحدة وروسيا.

الصلة بين أوكرانيا وإيران

خلافًا للرأي السائد في الغرب، فإن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس مدفوعًا بطموحات إقليمية مجنونة. إنه ينظر إلى الخريطة كما هو الحال مع أسلافه السابقين على مدى قرون، ويتصارع مع مهمة تأمين الدولة الروسية من دولة حدودية قادمة تحت جناح قوة عسكرية تفوق نظيرتها في الغرب.

من وجهة نظر بوتين، فإن الولايات المتحدة تقوم بتحركات توسعية خارج حدود حلف شمال الأطلسي لحشد وتجنيد الحلفاء في مناطق النفوذ الروسي. وحتى مع إنفاذ هدنة قصيرة المدى في شرق أوكرانيا، فما من شيء يحول دون تحقيق تقدم أكثر عمقًا للولايات المتحدة في مناطق الهيمنة الروسية.

هذا الافتراض من شأنه أن يقود الإجراءات الروسية في الأشهر المقبلة، حيث يستعرض بوتين خياراته العسكرية التي تتضمن إنشاء جسر بري لشبه جزيرة القرم. خطوة ستبقى معها الحدود الروسية مع أوكرانيا مهددة. هذا بالإضافة إلى تحركات روسية طموحة نحو دول البلطيق لاختبار مصداقية حلف الناتو.

ليس لدى الولايات المتحدة الرفاهية لتنحية أي من هذه الاحتمالات، وعليها أن تتصرف وفقًا لمقتضياتها. غير أن التركيز الأمريكي على المسرح الأوروبي الآسيوي يتطلب منها وضع حلول للقضايا العالقة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها مفاوضات البرنامج النووي الإيراني.

ويسارع الطرفان الأمريكي والإيراني الزمن لمعالجة النقاط العالقة في الاتفاق قبل تجاوز الموعد المحدد من قبل الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الحادي والثلاثين من مارس، لإقناع الكونجرس بعدم فرض المزيد من العقوبات على إيران.

وإذا كانت الولايات المتحدة تعتقد بصدق الاحتمالات التي تتعلق بمواجهة عسكرية مع روسيا، فإنها ستكون بحاجة إلى إعادة نشر قواتها العسكرية التي قضت الاثنتي عشرة سنة الماضية في إطفاء الحرائق التي خلفتها التنظيمات الجهادية، والتحضير لصراع محتمل في الخليج العربي. لتخفيف حمولتها في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة ستتطلع إلى القوى الإقليمية ذات المصالح الخاصة، والتي غالبًا ما تتنافس على تحمل المزيد من العبء.

إن التفاهمات الإيرانية الأمريكية تتجاوز بكثير الاتفاق حول كميات اليورانيوم المسموح لإيران بتخصيبها، وما يتعلق بالعقوبات المفروضة على إيران. من شأن هذه التفاهمات أن ترسم ملامح التعاون الإقليمي بين الجانبين في القضايا التي تتعلق بمصالحهما.

يمكننا رؤية ذلك بوضوح في العراق وسوريا حيث يدفع التهديد الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الولايات المتحدة وإيران نحو تنسيق الجهود لكبح جماح التنظيمات الجهادية.

من ناحية أخرى، ترى إيران في التقارب مع الولايات المتحدة فرصة لجني بعض المكاسب، ومن بينها الحصول على اعتراف أمريكي بدور حزب الله كلاعب سياسي شرعي، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية غير العلنية، والتي تشيد بدور حزب الله في محاربة الإرهاب.

الدوران للخلف

إذا كانت ألمانيا بحاجة إلى اتفاق مع روسيا حتى يكون بمقدورها إدارة الأزمة الوجودية لمنطقة اليورو، فإن روسيا بحاجة إلى اتفاق مع الولايات المتحدة للحد من الطموحات الأمريكية في مناطق نفوذها. والولايات المتحدة بحاجة لاتفاق مع إيران لإعادة صياغة اهتماماتها بعيدًا عن الشرق الأوسط وقريبًا من روسيا.

لا تنفصل هذه الصراعات عن بعضها البعض حتى وإن كانت متباينة في ظاهرها. وفي حال نجحت ألمانيا وروسيا في التوصل إلى تسوية بشأن خلافاتهما، كما هو الحال مع إيران والولايات المتحدة، فإن المعضلة الأساسية تبقى رهينة أزمة منطقة اليورو، فضلًا عن حالة عدم الثقة الروسية إزاء النوايا الأمريكية للتوسع خارج حدود الأطلسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد