منذ مائتي عام، ادَّعى آدم سميث أن الرأسمالية ستزدهر إذا حدث تنافس يحسن توزيع الموارد الاقتصادية، كما لو كان يتم بفعل يد خفية. هذه القدرة الكبيرة للأسواق لا يمكن مضاهاتها عن طريق الحكومات المركزية طبقًا لتحذير «لودفيغ فون ميزس» عام 1920. وفي عام 1950 ادعى «فريدريتش فون هايك» أن تدخلًا حكوميًّا أقل يؤدي إلى توزيع الموارد بشكل أكثر كفاءة. لكن اليوم، الدولة لا تقوم فقط بتبني المخاطر وريادة الأعمال، لكنها أيضًا تمتلك مجموعة من أصول الشركات الكبرى.

في دراسة حديثة أجرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على 34 دولة، وجدت المنظمة أن عدد الشركات المملوكة لتلك الدول هو 2111 شركة، يصل إجمالي أصولها إلى 2 تريليون دولار، بينما توظف ما يقارب من 6 ملايين شخص. من بين أكبر 10 شركات مدرجة عالميًّا، فإن نصفها تشمل الدولة كمساهم رئيسي. الدولة باعتبارها مساهمًا رأسماليًّا تلعب دورًا مهمًا في الاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند وروسيا، وأيضًا في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ هذا بالرغم من البون الشاسع في الدخل القومي لهذه الدول، وتوزيعها الإقطاعي وطبيعة مواردها الاستراتيجية.

درجة كبيرة من تملُّك الدولة للأصول هي سمة مشتركة بين جميع الدول العربية تقريبًا، سواء كانت مصدرة للنفط أو مستوردة له، كالسعودية وسوريا، أو الإمارات العربية المتحدة ومصر. تملك الدولة بهذه الدرجة ليست صفة فريدة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن الهياكل المعقدة للملكية، بما في ذلك تعدد المستثمرين من جهات سيادية وغياب كيانات ملكية مركزية هي خصائص تتميز بها المنطقة. في الإمارات العربية المتحدة على سبيل المثال، تمارس الدولة تملكها للاستثمارات من خلال أذرع متعددة، مثل مؤسسة دبي للاستثمار وجهاز الإمارات للاستثمار والمبادلة، ومن خلال البنوك المملوكة للدولة مثل بنك أبوظبي التجاري وبنك أبوظبي الوطني.

نظرة فاحصة على دور وتأثير تملك الدولة للأصول يكشف عن أن الدولة ليست دائمًا مالكًا غير فاعل كما يفترض الكثيرون. التصور الشائع للدولة باعتبارها – رأسماليًّا- قليلة الكفاءة يصطدم مع الواقع في بعض الدول والقطاعات.

بعض حكومات المنطقة تستخدم الشركات المملوكة لها لتطوير البنية التحتية وتقديم الخدمات العامة، بل وحتى البحث والتطوير. في حين أن البعض الآخر ما زال يواجه تحديات فيما يخص إعادة هيكلة تلك الشركات. بعبارة أخرى فإن نسب نجاح ملكية الدولة للأصول في العالم العربي تتفاوت كثيرًا.

العديد من الشركات المملوكة للدولة في تونس والجزائر ومصر لا تدر ربحًا، لكن نفس الأمر لا ينطبق على هذا النوع من الشركات في المغرب، والإمارات، والسعودية. على سبيل المثال، شركات سعودية تملكها الدولة كشركتي «معادن» و«سابك» أصبحت الآن شركات متعددة الجنسيات، ناجحة وضخمة، بينما تقوم أيضًا ببعض الخدمات الاجتماعية نيابة عن الدولة. تكمن أهمية دراسة هذه النجاحات والإخفاقات في توفير فهم أدق لقدرة رأسمالية الدولة على النجاح في سياقات بعينها، والفشل في سياقات أخرى. إنها تستحق الدراسة في وقت يُعاد فيه تشكيل العقد الاجتماعي في المنطقة.

من الصعب وضع وصفة واضحة لـ «كيف تنجح شركة مملوكة للدولة»، لكن بعض القطاعات مثل الاتصالات كان لها أداء جيد على الرغم من المنافسة الشديدة. كمثال، شركة الاتصالات السعودية تنافس «موبايلي»، المملوكة لشركة «اتصالات»، المملوكة بدورها لدولة الإمارات. المؤسستان تملكان أسهمًا في البورصة السعودية، وتخضعان لنفس قواعد التداول التي تخضع لها الشركات الخاصة. بالمثل، شركة «بتلكو» المملوكة جزئيًّا لدولة البحرين تنافس شركات مثل «زين»، و«فيفا» وغيرهما من مقدمي الخدمات. في الواقع يعتبر قطاع الاتصالات قصة نجاح في معظم بلدان المنطقة. جزء كبير من السبب يكمن في إنشاء هيئات لتنظيم القطاعات، والتي كان لها دور أساسي في تعزيز مستوى المنافسة بشكل يفوق القطاعات الأخرى.

من المهم وضع الشركات المملوكة للدولة على الطريق الصحيح؛ فالاستثمارات من قبل الدولة أو تلك التي تسيطر عليها الدولة في ازدياد في جميع أنحاء المنطقة. أكبر المستثمرين في المنطقة والذين في الغالب يتبعون هيئات سيادية حققوا إنجازات واضحة، لكن تلك الشركات ليست أكبر الاستثمارات الحكومية. صناديق التقاعد المملوكة للدولة وشكرات التأمين والبنوك يمكن إدراجها في القائمة أيضًا. في السعودية تمتلك الدولة حصصًا في ما يقرب من نصف الشركات المسجلة.

قبيل افتتاح سوق الأسهم السعودية أمام المستثمرين الأجانب – والمقرر أن يتم في النصف الأول من 2015- تم الإعلان عن مشاركة اثنين من المؤسسات الكبرى ذات التمويل السيادي، وهما صندوق الاستثمارات العامة والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، تم الإعلان عن مشاركتهما في تمويل السوق، وفي الاكتتابات أيضًا. صفقات الخصخصة أيضًا لا تنقل بالضرورة كل الملكية إلى القطاع الخاص. البنك الأهلي التجاري (NCB) في السعودية شهد تخصيص 40% من أسهمه للوكالة العامة للمعاشات. الاكتتاب العام لـ (NCB) والذي كان ثاني أكبر اكتتاب على مستوى العالم في 2014 بعد اكتتاب شركة التجارة الإلكترونية الصينية «علي بابا»، هو في الواقع مثال نادر على انسحاب الدولة من استثمار ما في المنطقة.

من المغري الإشارة إلى أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار النفط تشكل ضغوطًا على الميزانيات الحكومية في الخليج، مما قد يجلب الخصخصة مرة أخرى إلى جداول الأعمال، لكن حاليًا لا أدلة واضحة على ذلك. عمان، الدولة الوحيدة التي أعلنت عن خطط للخصخصة عام 2014، يبدو أنها قد أجَّلت القرار. بدلًا عن هذا يبدو أنها تُفضل إعلان عجز في الميزانية لعام 2015. الرغبة في الحفاظ على «جواهر التاج»، وهي كل ممتلكات الحكومات بما يتجاوز شركات النفط والغاز المملوكة للدولة وكذلك الشركات الأقل أرباحًا، ليست حكرًا على دول الخليج.

الخصخصة في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا توقَّفت بالفعل. إلى حد ما، فإن الخصخصة وقعت ضحية المحسوبية خاصة في دول مثل تونس ومصر، وهي قضية منفصلة تستحق المزيد من التدقيق. التباطؤ في أنشطة الخصخصة عائد أيضًا لرغبة الحكومات في عدم التفريط في الجواهر حتى خارج دول الخليج، الأصول الأقل أهمية تم تخصيصها بالفعل في الثمانينيات والتسعينيات. خصوصًا في مصر، والمغرب، وتونس، أكبر المستفيدين من عائدات الخصخصة في المنطقة.

في مصر على سبيل المثال، لم تتحدث الحكومات المتعاقبة حديثًا عن إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة. بدلًا من هذا فضلت إعادة النظر في الدعم على الغاز الطبيعي والخبز. في تونس، تم تأميم حصص في 486 شركة بعد سقوط بن علي. بغض النظر عن هذا، فإن هناك حاجة ملحة لتحسين أداء الشركات المملوكة للدولة في تونس، والتي تضم حاليًا 200 شركة. من بين تلك الشركات، 10% على وشك الإفلاس، و50% يرزحون تحت وطأة وضع مالي محفوف بالمخاطر.

إذا كانت ملكية الدولة للشركات أمرًا بالغ التعقيد، فلماذا إذًا تتمسك الحكومات العربية بشدة بتملك الشركات؟

بعض الشركات المملوكة للدولة مثل شركة بترول الإمارات الوطنية «إينوك» أو «أرامكو» السعودية، هي شركات ذات أهمية استراتيجية ومصدر رئيسي للإيرادات المالية العامة. شركات أخرى مثل العمران في المغرب أو مؤسسة كهرباء لبنان تدعم أهدافًا اجتماعية هامة، مثل توفير السكن المدعوم من الأولى والكهرباء من الثانية. حتى في دول الخليج الغنية فإن الشركات المملوكة للدولة تؤدي وظائف غير تجارية بالنيابة عن الدولة، كبناء الملاعب وتدريب الشركات وتنمية المناطق الريفية. في جميع أنحاء المنطقة، سواء في العراق أو تونس أو الكويت، تقاوم الشركات المملوكة للدولة إعادة هيكلتها بسبب التزامات العمل أو مصالح متشابكة أخرى.

الشركات المملوكة للدولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لا تعيش مناخًا تنافسيًّا صحيًّا وكاملًا يضمن تكافؤ الفرص، في الكثير من الحالات يتم دعم الشركات الحكومية ولو بشكل مؤقت، وهو أمر له آثار سلبية على استقرار الميزانية والشفافية. بعض الدول مثل الإمارات العربية المتحدة تستبعد صراحة الشركات المملوكة للدولة من قوانين المنافسة؛ مما يؤدي عادة إلى تسهيل المنافسة على الشركات المملوكة للدولة مقارنة بالشركات الخاصة. في مصر، يصعب إجراء تحقيقات ضد الشركات المملوكة للدولة.

اللوائح التي تنطبق على الشركات الخاصة لا تنطبق في الأغلب على الشركات الحكومية، ثلاث دول فقط في المنطقة (المغرب، تونس، مصر) استحدثت لوائح محددة، تضع لهذه الشركات بعض الحدود. من ناحية أخرى، فإن كل دول المنطقة – باستثناء العراق- لديها لوائح للسيطرة على الشركات المدرجة لديها، والتي عادة تنطبق أيضًا حتى على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. لسد هذه الفجوة فإن بعض الشركات الحكومية تنشئ لوائح خاصة بها فقط.

تحسين لوائح إدارة الشركات الحكومية أدى إلى إضفاء طابع مهني على مجالس إدارة تلك الإدارات، والحد من تضارب المصالح؛ لكن هذه ليست القصة كلها. فكيف إذًا وصلت بعض الشركات المدعومة من الدولة لأن تصبح علامات تجارية دولية، بينما شركات أخرى انتهى بها الأمر إلى الركود؟ ثمة خصائص لكل قطاع ولكل شركة، كما يؤثر غالبًا متسوى المنافسة ومستوى الاستقلالية في اتخاذ القرارات الإدارية.

ثمة عوامل تقليدية أيضًا، مثل الافتقار لرؤية رشيدة، وانعدام المنافسة وعدم وجود إدارة محترفة تشرح لنا لماذا نصف الكأس فارغ. نجاح بعض الشركات المدعومة من الدولة يُكذب إلى حد ما شعارات فشل الرأسمالية الحكومية. فبعض الشركات الناجحة لا تقدم تقاريرها للعامة، لا تخضع لضغوط المنافسة وتوجه لها اتهامات بخصوص أهدافها الاجتماعية.

النوع الأول من هذه الكيانات الناجحة، وذلك بسبب طبيعته الاستراتيجية، مُنح استقلالية أكبر في اتخاذ قراراته، مما يتيح لها خصخصة الإدارة ولو بقيت الملكية في يد الدولة. كما لوحظ في تقرير صدر مؤخرًا عن معهد الموارد الطبيعية الحكومي، فإن أرامكو السعودية، تبرز باعتبارها مثالًا نادرًا لشركة نفط حكومية تؤدي أداءً جيدًا من الناحية التقنية والاقتصادية، هذا على الرغم من افتقارها للشفافية الكاملة.

أما الفئة الثانية من هذه الشركات الناجحة فهي بالضبط تقوم بالعكس. هي لا تملك أي استقلالية في إدارتها، بل يتم دمجها في نظام تنافسي بين الكيانات الحكومية الأخرى، لتعزيز التنافس الاقتصادي الوطني. ولعل أفضل مثال على هذا النظام الاقتصادي هو دبي، حيث استخدمت الشركات المملوكة للدولة كمحفز للتنافسية في قطاعات مثل البناء والسياحة والنقل والخدمات المصرفية والاتصالات.

بعض الشركات الحكومية في دبي مثل الخطوط الجوية الإماراتية واتصالات أصبحت علامات تجارية لها وزن دولي. بعض تلك الشركات تتنافس مع شركات أخرى مملوكة للدولة أيضًا، مثل تنافس «اتصالات» و«دو»، أو تنافس الخطوط الجوية الإماراتية وفلاي دبي. لم تواجه كثير من هذه الشركات تحديات منافسة دولية بعد، ما سيكون اختبارًا رئيسيًّا لقدرتها على البقاء بنفس المستوى.

يمكن استخلاص عدد من الدروس من تجربة الرأسمالية الحكومية التي يشهدها العالم العربي.

أولًا: الخدمات الحكومية يمكن تقديمها من خلال هياكل محلية. يحدث هذا في الخليج على سبيل المثال، حيث الطبيعة المركزية للقرارات تضمن درجة من التنسيق. الكيانات المالكة والمخصخصة تساعد في إدخال المهارات التقنية الإضافية لتنفيذ المهام الحكومية، بينما القرارات السياسية ذات المستوى الأعلى يتم اتخاذها من خلال مجلس الوزراء أو مجلس الشعب.

ثانيًا: تجربة الرأسمالية المملوكة للدولة في المنطقة يبدو أنها تظهر قدرة الدولة على أن تكون رجل أعمال ناجح، وأن الشركات الكبرى الحكومية تستطيع في بعض الحالات أن تعزز نمو القطاع الخاص أيضًا. كما تظهر هذه التجربة أن الدولة يمكن أن تتعاون بنجاح مع مستثمرين من القطاع الخاص، كما هو الحال في شركة مثل سابك، أكبر شركة مدرجة في المنطقة. بدلًا من الخصخصة الكاملة للملكية، فقد أظهرت فكرة الصناديق السيادية التي تشارك فيها الدولة كونها فكرة ناجحة عمومًا، كما يظهر من تجربة شركة ممتلكات البحرينية.

ثالثًا: والأهم، فإن استراتيجيات النمو الاقتصادي القائمة على الشركات المملوكة للدولة تستدعي إدارة صارمة للمخاطر من قبل الحكومات. ظهر هذا خلال إعادة هكيلة عدد من الشركات الحكومية الكبرى في دبي عقب الأزمة المالية العالمية، وتعديل أسعار العقارات في الإمارات عام 2009. نجحت دبي في خفض مستويات ديونها مذ ذلك الحين، والدرس الذي يمكن استخلاصه من هذا أن إدارة جادة للمخاطر تتطلب معالجة مديونية الشركات الحكومية الكبرى، كما تتطلب الاهتمام بالمستثمرين المحليين الذين يقترضون من تلك الشركات.

بناء على التجربة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فإن الدولة في الواقع يبدو أنها تستطيع في ظل ظروف محددة أن تكون «اليد الخفية» للاقتصاد، لكنها في ذلك الحين – وكأي رجل أعمال جيد- يجب عليها أن تتعامل مع المخاطر الاقتصادية الشاملة لكون الدولة أكبر من أن تفشل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد