أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

6,114

حالة من القلق يتخللها الكثير من الغموض في ظل واقع لا يخلو من المخاوف، ربما يعيش الإيرانيون في هذه الأيام هذه الحالة التي تسبب في الجزء الأكبر منها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لا يترك مناسبة حتى يهدد بالانسحاب من الاتفاق النووي المبرم مع القوى العالمية في عام 2015، والذي تم بموجبه رفع العقوبات عن طهران مقابل الحد من استخدام التكنولوجيا المتعلقة بإمكانية صنع قنبلة نووية، هذه الحالة لم يصل إليها الإيرانيون فقط من تهديدات ترامب، ولكن لا شك أن اقتصاد البلاد يعيش فترة حرجة منذ بداية هذا العام، لكن هذه التهديدات تفاقم الوضع كثيرًا.

ومؤخرًا وخلال خطاب تضمَّن ملامح استراتيجية إدارته إزاء إيران، أكد ترامب، رفضه الإقرار بأن إيران التزمت بالاتفاق النووي 2015، وقال إنه سيحيل الأمر إلى الكونغرس، ويستشير حلفاء الولايات المتحدة في كيفية تعديل الاتفاق، بينما اتهم إيران بدعم «الإرهاب»، وفي المقابل قال الرئيس حسن روحاني: إن الاتفاق النووي «غير قابل للنقاش»، مشددًا على عزم بلاده توسيع برنامجها الصاروخي.

القطاعات الاقتصادية المتوقع تضررها

وفي ظل استمرار مثل هذه التهديدات فإن انهيار الاتفاق أمر وادر جدًا، ولكن ما الذي سيحدث للاقتصاد الإيراني حال انهيار الاتفاق؟ لنستطيع الإجابة على هذا السؤال يجب في البداية معرفة القطاعات التي استفادت من الاتفاق، وغالبًا ستكون هي المتضررة من إلغائه، وسنناقش خلال هذا التقرير أبرز القطاعات الاقتصادية بإيران التي ستتضرر من إلغاء الاتفاق النووي، الذي أبرمته الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا وألمانيا مع إيران، في يوليو (تموز) 2015، ووافقت طهران بموجبه على تقييد برنامجها النووي، مقابل تخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليها بسبب هذا البرنامج.

الطاقة.. القطاع الذي انتعش

لا شك أن قطاع الطاقة الإيراني، سواء على مستوى النفط أو الغاز، هو صاحب نصيب الأسد من الفوائد من الاتفاق النووي، فبحسب ما قال رئيس شركة النفط الوطنية الإيرانية علي كاردور، في سبتمبر (أيلول) الماضي: إن إنتاج إيران النفطي سيرتفع إلى 4.5 ملايين برميل يوميًا، في غضون 5 سنوات، موضحًا أن رفع الإنتاج سيأتي نتيجة زيادة 420 ألف برميل يوميًا في إنتاج حقل غربي كارون النفطي، بالإضافة إلى 280 ألف برميل إضافي من حقول نفط في وسط وجنوب إيران ومن شركة فلات قارة النفطية، وعلى مستوى إنتاج الغاز توقع أن يبلغ 1.3 مليار متر مكعب يوميًا خلال الـ 5 سنوات المقبلة، بينما سيزداد إنتاج مكثفات الغاز إلى 864 ألف برميل يوميًا.

هذه الأرقام الذي تحدث عنها كاردور تعد ضعف ما كانت عليه قبل الاتفاق النووي، ومع فرض عقوبات جديدة على إيران من الصعب أن تصل طهران بإنتاجها إلى هذه النسب، فعلى سبيل المثال وصلت واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام الإيراني إلى أعلى مستوى لها منذ 6 أشهر في سبتمبر (أيلول)؛ إذ إن خامس أكبر مستورد للنفط الخام في العالم استوردت 1.83 مليون طن من النفط الخام من إيران في سبتمبر (أيلول) بزيادة بنسبة 22.8% عن العام السابق.

اقرأ أيضًا:

يشار إلى أن أغلب صادرات النفط الإيراني تذهب إلى آسيا (الصين – الهند – كوريا الجنوبية)، وبالتالي فإن الحظر النفطي الأمريكي وحده لا يكفي، ولابد أن يتبعه حظر على التأمين على السفن الناقلة للنفط الإيراني، وهو الخطر الذي قد يهدد القطاع بشكل كبير.

وخلال قمة «رويترز» العالمية للسلع الأولية التي عقدت في 13 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، قالت شركات تجارة كبرى: إن زيادة العقوبات الأمريكية الوشيكة على طهران؛ ستعزز مخاوف المشترين المحتملين للنفط الإيراني، على الرغم من أن الإمدادات المتجهة إلى أوروبا من المرجح بشدة بقاؤها كما هي من دون تعطل، إذ يرى أليكس بيرد رئيس وحدة النفط بشركة جلينكور «إذا لم تصدق الولايات المتحدة على الاتفاق النووي، وزاد التوتر، فإن التعامل مع إيران سيكون في غاية الصعوبة».

في المقابل، وحسب مصرف «جولدمان ساكس» الاستثماري الأمريكي، فإنه من الصعب حصول أمريكا على موافقة الدول الخمس التي وقّعت مع واشنطن على الاتفاق النووي «5+1»، فحتى الآن تشير التصريحات الصادرة من العواصم الأوروبية إلى أن كلا من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا يعارضون إلغاء الاتفاق، بالإضافة إلى روسيا والصين، ومع وجود صفقات تجارية ضخمة للشركات الألمانية والفرنسية مع إيران، وبالتالي، فإن الحظر النفطي ضد إيران لن يكون فعالًا هذه المرة، لا من حيث الدعم السياسي الذي يجده من الدول الغربية، ولا من حيث تأثيره على صادرات إيران النفطية، بحسب المصرف.

الاستثمارات الأجنبية.. يبدو أن ترامب لن يحسمها!

كانت الاستثمارات الأجنبية أحد أكبر المشاكل الاقتصادية التي عانت منها إيران قبل الاتفاق النووي، وهي كذلك من أهم مميزات الاتفاق، وبالرغم من أنها لم تعد بالصورة المنتظرة، لكنها أعادت كثيرًا من الحياة للاقتصاد الإيراني؛ إذ قال المدير العام للشؤون الاستثمارية في وزارة الصناعة والمناجم والتجارة الإيرانية، أفروز بهرامي، في أغسطس (آب)، إن إيران استقطبت ما يعادل 7 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية في المجالات الاقتصادية المختلفة خلال مرحلة ما بعد الاتفاق النووي.

وبحسب بهرامي، فإن الاستثمارات دخلت البلاد في إطار 103 مشاريع؛ دشنت منها حتى الآن 41 مشروعًا، ويتم حاليًا إنجاز 62 مشروعًا آخر، بينما أعلن مساعد وزير الاقتصاد والمالية الإيراني، محمد خزاعي، أن ما يقارب 30 مليار دولار سيتم الاتفاق بشأنها مع بنوك أجنبية لتمويل مشروعات داخل إيران.

وتمكنت إيران من إبرام عدة اتفاقات خلال العام الماضي، ويمكن أن تعد هذه الاتفاقات تاريخية. في يناير (كانون الثاني) 2016، وقعت إيران اتفاق مع إيرباص على شراء 100 طائرة بقيمة تزيد عن 18 مليار دولار، وفي ذات الشهر، وقع كلٌّ من بيجو الفرنسية وخودرو الإيرانية اتفاقية إنتاج مشترك بقيمة 400 مليون يورو، وفي مارس (أذار) 2016، اتفقت سيمنز الألمانية مع مابنا الإيرانية على توفير التكنولوجيا لتوربينات الغاز.

وعلى مدار العام، جاء اتفاق بوينغ مع إيران على بيعها 80 طائرة بقيمة تزيد عن 16 مليار دولار، ثم اتفاق رينو الفرنسية مع شريكها المحلي على مضاعفة إنتاج السيارات في إيران، بالإضافة إلى كلٍّ من توتال الفرنسية، وإن بي سي الصينية، وشل البريطانية/الهولندية، وهذه الاتفاقات شكلت نقلة نوعية للاقتصاد الإيراني الذي كان يعاني غيابًا شبه كامل للاستثمارات. وعودة العقوبات؛ سيجعل كثيرًا من هذه الاتفاقات في مهب الريح، وهذا الأمر ربما مازال يشكل عائقًا كبيرًا الآن؛ إذ خشيت كثير من الشركات دخول السوق الإيراني بسبب مجموعة أخرى من العقوبات التي واصلت واشنطن فرضها؛ ردًا على ما تسميه دعم طهران للإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان.

القطاع المالي.. الذي لم يستفد من الاتفاق كثيرًا قد يتضرر أكثر

بالرغم من الفوائد الكبيرة التي حققها الاتفاق النووي، إلا أن القطاع المالي الإيراني لم يستفد كثيرًا من هذا الاتفاق، ومع احتمال انهيار الاتفاق، فإن عودة إيران للقطاع المالي العالمي ستتعطل مع مخاوف البنوك والمؤسسات المالية من احتمال أن تقع تحت طائلة غرامات هائلة في أمريكا، إن هي تعاملت مع إيران.

وتشير بيانات البنك المركزي الإيراني إلى تراجع الفائض في ميزان المدفوعات، بل تحوله إلى عجز في الشهور الستة الأولى من عام 2016-2017، حيث تظهر البيانات أن فائض ميزان المدفوعات وصل في 2015-2016 إلى 2.2 مليار دولار، بعد أن كان 13.1 مليار دولار في العام الأول لروحاني، كما أظهرت نتائج النصف الأول من عام 2016-2017 تحول الفائض إلى عجز بنحو 7.6 مليارات دولار.

أزمات متفاقمة على أعتاب الانفجار

غالبًا ما تستطيع الدول الصمود مدة أطول أمام المشاكل الاقتصادية التي لا تمس المواطن بشكل مباشر، وذلك كالديون أو عجز الموازنة، أو غير ذلك من المشاكل التي ربما لا يشعر بها المجتمع بشكل واضح أو لا يكون لها تأثير لحظي على المجتمع بشكل عام، ولكن فيما يخص التضخم وقيمة العملة والبطالة، فإن مثل هذه المشاكل لا تستطيع الدول الصمود أمامها كثيرًا، بالرغم من أن حدة هذه الأزمات تراجعت كثيرًا عما كانت عليه قبل الاتفاق النووي، إلا أنها مازالت متفاقمة، وفي حال الاتفاق، فإن هذه الأزمات ستنفجر لا محالة.

وتقول الحكومة الإيرانية: إن 15% من القوة العاملة بالبلاد عاطلة عن العمل، كما أن كثيرًا ممن يعملون يحصلون على مبالغ زهيدة، بينما سيؤدي ضعف الاستثمار الأجنبي في حالة فرض المزيد من العقوبات إلى تعميق أزمة البطالة، بينما بدأت بالفعل محلات الصرافة حاليًا بيع الدولار الأمريكي؛ بسبب غموض الموقف، بعد تراجع سعر صرف الدولار في الأيام الأخيرة، وهو ما سيعزز مخاوف الإيرانيين من أن تؤدي عقوبات جديدة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، بما في ذلك الأرز والخبز ومنتجات الألبان.

اقرأ أيضًا:

وتظهر بيانات البنك المركزي الإيراني أن معدل البطالة خلال النصف الأول من عام 2016-2017 وصل إلى 12.7% لمن هم في سن العمل فوق 15 عامًا، وتزيد هذه المعدلات لتصل إلى 26.7% لمن هم في سن 15-29 عامًا.

بالرغم من تراجع التضخم إلى ما دون 10% عند انتخاب روحاني أول مرة في عام 2013، لكنه لم ينجح في حل مشكلتي ارتفاع معدل البطالة واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء حتى الآن بعد انتخابه للفترة الثانية، وهو الأمر الذي يشير إلى أن فرض عقوبات جديدة سيقود هذه الأزمات للانفجار بلا شك، في ظل القلق الذي يسيطر على الشارع الإيراني، كما أن عودة العقوبات يمكن أن تزيد من الهوة الواسعة بالفعل بين الأغنياء والفقراء في إيران.

وفي فبراير (شباط) الماضي حذَّر صندوق النقد الدولي من حالة الضبابية التي تحيط بالاقتصاد الإيراني وإمكانية تحسُّن أوضاعه بعد سنوات من العقوبات والقيود؛ إذ حذر من حالة «عدم اليقين» الشديدة المحيطة بمستقبل وضع الاقتصاد الإيراني مع فرض الولايات المتحدة عقوبات جديدة على إيران نتيجة تطويرها صواريخ باليستية واستمرار تدخلها في دول الجوار.

تحالفات انتعشت قد تنقذ إيران

الصورة ليست قاتمة تمامًا، ولكن في الواقع استطاعت إيران خلال السنوات القليلة الماضية إنعاش تحالفات ستظهر فوائدها خلال هذه المرحلة، وقد تكون بمثابة المنقذ لها، وهناك عدة تحالفات قوية بالنسبة لطهران كانت تعتمد عليها قبل الاتفاق، وزاد هذا الأمر بعد الاتفاق، وعلى رأس هذه التحالفات يأتي التحالف الإيراني الصيني، ثم التحالف الإيراني الروسي، ولكن مؤخرًا يبدو أن تحالف إيران مع كلٍّ من تركيا وقطر سيكون أكثر إفادة لاقتصاد إيران حال انهار الاتفاق النووي.

التحالف الإيراني – التركي

تواصل العلاقات التركية الإيرانية التطور الكبير في السنوات الأخيرة، وعلى ما يبدو أن هذه العلاقة ستكون أكبر خلال الفترة القادمة، وخاصة بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى طهران، مؤخرًا، والتي أعلن فيها عن اتفاق البلدين على التبادل التجاري بالعملات المحلية، وهو الأمر الذي سيكون له أثر إيجابي كبير على إيران حال انهيار الاتفاق النووي؛ إذ ستكون تركيا بديلًا مناسبًا.

للمزيد اقرأ أيضًا:

التحالف الإيراني – القطري المحتمل

يمكن القول إن الخامس من يونيو (حزيران) الماضي عندما أعلنت دول السعودية والبحرين ومصر والإمارات قطع علاقاتها مع قطر وغلق جميع المنافذ البرية والجوية، كانت فرصة جوهرية لإيران لتحالف مهم مع الدوحة، فحتى الآن باتت إيران أكبر الفائزين من حصار قطر؛ إذ وجدت طهران في الأزمة الخليجية فرصة ذهبية لتقوية اقتصادها بعيدًا عن العقوبات الدولية، إذ قال رئيس اتحاد المصدرين الإيراني «محمد لاهوتي»: «إنّ قطر لا يمكنها تفعيل علاقاتها التجارية، إلا عبر إيران، وهذا يخلق فرصة مهمة جدًا لإيران من الناحية الاقتصادية»، ومعبرًا عن اعتقاده بأن قطر ستكون سوقًا بديلًا لمنتجات عديدة تقوم طهران بتصديرها للبلدان التي قد ينتج معها خلاف في أي وقت، وهو ما يحدث الآن بالفعل، الأمر الذي يجعل من قطر منفذًا هامًا لإيران حال واجهت عقوبات إضافية.

للمزيد اقرأ أيضًا: