ميرفت عوف 4
ميرفت عوف 4

6,140

يعمل اللوبي المؤيد لإسرائيل في روسيا بشكلٍ ضاغط وقوي للتدخُّل في العديد من القضايا التي حلَّت على الساحة السياسية عقب التدخل الروسي في سوريا عام 2015، في ظل جهود متلاحقة للاستفادة بقدرٍ أكبر من المكانة الدولية والحضور الإقليمي للروس.

يستغل هذا اللوبي الآن تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، فيعمل على تعزيز العلاقات الإسرائيلية – الروسية بتوجُّهاتٍ من اليمين الإسرائيلي، وهو يهدف إلى تحقيق المصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط بشكلٍ أساسي.

من كتاب التاريخ.. نظرة على جذور اللوبي الإسرائيلي في روسيا

الروس معجبون للغاية من قوة اللوبي المؤيد لإسرائيل (أيباك) وسائر المنظمات اليهودية في العاصمة الأمريكية، هناك جالية روسية ضخمة في الولايات المتحدة أكبر بكثير من الجالية اليهودية هناك، ولكن الجالية اليهودية أكثر تنظيمًا ونفوذًا. ينقل هذا القول الموجَّه من بوتين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرئيل شارون، مدير مكتب الأخير «دوف فايسجلاس».

هذا اللوبي الذي لا يقلُّ تأثيره عن اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة بل يفوقه قوة، يعود تغلغله في موسكو إلى ما قبل عام 1948، حين ركزت الحركة الصهيونية العالمية والمخابرات الأمريكية جهدها بين يهود الاتحاد السوفييتي السابق، فاتخذ هذا النشاط صورة مكثفة أكثر بعد قيام إسرائيل عام 1948، وبصورة أخص منذ مطلع الخمسينيات، إذ تمَّ تشكيل جهاز مخابرات إسرائيلي متخصص في العمل بين يهود الاتحاد السوفييتي هو جهاز (الناتيف) التابع مباشرة لرئيس الحكومة.

 دعم تلك الجهود الدور المحوري الذي لعبته روسيا في تاريخ الحركة الصهيونية الاستيطانية، فإنشاء المنظمات الصهيونية كان أولًا في روسيا، وتلك المنظمات هي من أوحت بفكرة التنظيم الصهيوني العالمي، كما تقدر إسرائيل الطوفان البشري الذي قدم من الاتحاد السوفيتي السابق في تسعينيات القرن الماضي، إذ لم يكن مجرد موجة عادية للهجرة اليهودية، بل كان إنقاذًا وتعزيزًا لهذا الكيان الذي نشأ على الأرض الفلسطينية.

عكف اليهود الروس في إسرائيل على القيام بمشاريع استيطان فعلية في فلسطين، بعد قيامهم بتنظيم برامج ثقافية واتباع منهج منظم يمهِّد للتوطين، كما يمكننا القول أنَّ اليهود الروس قدموا إلى إسرائيل مهاجرين وليس كمقبلين جُدد، مثل بقيَّة اليهود، حيث رأوا أنهم يحملون ثقافة عريقة يجب الحفاظ عليها. يقول البروفيسور «ماجد الحاج»، أحد كبار علماء الاجتماع في إسرائيل إنّ: «الروس صاروا أكثر إسرائيلية وصهيونية مع الزمن، ولكنهم لم يصبحوا أقل روسية. إنهم تبلوروا كمجموعة إثنية في المجتمع الإسرائيلي، واتخذوا مواقع راسخة في صفوف اليمين العلماني».

مهاجرون يهود إلى إسرائيل (المصدر: موقع رام الله الإخباري)

ولا بد أن يذكر هنا اسم «أناتولي تشوبايس» الذي يلقبه الروس بـ«الحاخام الاقتصادي»، و«الكاوبوي الأمريكي في البراري الروسية»، و«الكاردينال الأشقر»، فهو من يقود اللوبي الإسرائيلي في روسيا، وتربطه علاقة قوية مع المافيا الإسرائيلية والروسية.

كيف يشتري اللوبي الصهيوني الساسة والسياسة في بريطانيا؟ 5 أسئلة تشرح لك

القوة الإسرائيلية تفرض نفسها على القرار الروسي

تمكَّن اللوبي المؤيد لإسرائيل بروسيا من فرض سيطرته على مختلف جوانب الحياة بروسيا، فبعد سنواتٍ من حكم أول رئيس للاتحاد الروسي «بوريس نيكولايفيتش يلتسين» أصبحت نسبة اليهود الروس الذين يمثلون أقل من 1% تتراوح بين ثلث ونصف شاغلي المناصب السياسية والاقتصادية والاعلامية والثقافية والعلمية الهامة في روسيا، بحسب بعض المصادر.

مجموع من اليهود الروس حول بوتين (المصدر : لبنان 24)

واليوم بات تغلغل رجال الأعمال اليهود الذين يناصرون إسرائيل في روسيا يتم بمساعدة النظام الحاكم بروسيا. يقول أستاذ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في الجامعة اللبنانية «خالد العزي» أنّ اللوبي المؤيد لإسرائيل متجذر في المؤسسات العليا التي يملك مفاصلها ويسيطر على اللعب في القرار السياسي في روسيا، ويوضِّح: «بتنا أمام معادلة جديدة، وهي أن كل الذين يملكون أموالًا هم من مؤيدي نظام بوتين، وهم يقبضون على المؤسسات الصناعية، والتصنيع، مما ساعد رجال المال اليهود على إيجاد غطاء سياسي وأمني لهم».

ويبين «العزي» أنه إذا حاولنا قياس العدد اليهودي في روسيا فإنه لا يشكل حاليًا 1.5%، ولكن أين ينتشر اليهود في روسيا؟ يجيب «العزي»: «في البنوك والجمارك والتجارة والمطارات والمؤسسات العلمية والإذاعة والتلفزيون، وهنا نرى المحلل السياسي لتلفزيون روسيا المستشرق الصهيوني الروسي البروفسور (ستنسلوفسكي) وكذلك يقع مركز الاستشراق بيد الروس الصهاينة حيث باتوا يديرون المركز العربي بما يخدم الكيان الصهيوني والاعلانات والمراكز الحساسة في الدولة».

لذلك يمكن القول بأن القوة اليهودية التي تشكل قدرات هائلة تفرض نفسها على القرار السياسي مما يجبر الدولة الحالية على التعاطف مع إسرائيل وبناء أفضل العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية معها، حسب «العزي» الذي تابع القول لـ«ساسة بوست»: «كما أن الكثير من المهاجرين إلى فلسطين هم من الجالية الروسية ويحملون الجنسيات الروسية ولهم بيوت وأعمال في روسيا وهذا الذي يجبر بوتين على المحاولة الدؤوبة استعادتهم والاستفادة منهم ومن دورهم وقدراتهم وأموالهم، وخاصة في ظل أن بوتين عندما زار الكيان وذهب الى حائط البراق، قال كلمته الشهير بأنه يشم رائحة اليهود في كل حجر».

عن اللوبي الإسرائيلي الأوروبي الذي لا نعرفه

دوائر صنع القرار في جعبة اللوبي المؤيد لإسرائيل

في أبريل (نيسان) 2017، عقد المؤتمر الحادي عشر للجالية اليهودية في روسيا، واعتبر هذا المؤتمر بمثابة ولادة لأول لوبي يهودي في روسيا، لكون أهداف المؤتمر قامت على تعزيز الهوية اليهودية بين يهود روسيا والعالم، وتقوية أواصر المحبة والمودة بين التجمع اليهودي وروسيا.

بوتين يوقد الشمعدان اليهودي (المصدر : لبنان 24)

ويرى المحللون أن تدشين هذا اللوبي في ظل حكم بوتين «الديكتاتوري» لم يأت من منطلق احترام حرية التنظيم لمواطنين روس، بل لحرص بوتين بقدر إسرائيل على وجوب ترسيخ شراكة استراتيجية بينهما، عبر اتخاذ خطوات تخدم مصالحهما، ولذلك اتخذ اليهود الروس في إسرائيل مواقف يمينية متطرفة ضد القضايا العربية، بالشراكة مع اليهود في روسيا، وخرجت خطوات تهدف إلى إنتاج أدوات ضغط على دوائر صنع القرار في موسكو لخدمة المصالح الإسرائيلية، وتدفع ذلك العلاقة بين حزب الليكود الحاكم في تل أبيب والقيادات اليهودية الروسية الفاعلة.
وخير مثال على ذلك مع حدث في تكرار موسكو التأكيد على أنها لن تسمح بأن تضرب إسرائيل منظومة الصواريخ الروسية المتطورة (إس 300) حرصًا على مصالحها في الشرق الأوسط، وأيضًا حرصًا على سلامة مليون ونصف المليون روسي في إسرائيل، وقد عاد الحديث هذه الأيام عن دور اللوبي المؤيد لإسرائيل القوي في روسيا الذي يحيل دون وصول هذه المنظومة المتطورة إلى النظام السوري.

الحاخام «برعيل لعازر» مع بوتين ( المصدر: فرانس برس)

كذلك لا يمكن تجاوز الحديث عن دور هذا اللوبي في روسيا بتحقيق إنجازات لإسرائيل على صعيد الصراع مع الفلسطينيين، فقد برز جهد لمجموعة من اليهود الروس أهمهم رئيس فرع حزب الليكود داخل روسيا «ميخال لوبوبيكوف»، يحثون الحكومة الروسية على تصنيف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) كـ«تنظيم إرهابي» وقطع العلاقات معها، فقد حاولت -لم تنجح بذلك- هذه المجموعة عبر التأثير على الحلبة السياسية والحزبية في موسكو استصدار قرار قضائي روسي يصنّف حماس هذا التصنيف تحت ذريعة أنها تشكل خطرًا على الأمن الروسي، وأنها «تعادي» النظام المصري الذي يحارب «الإرهاب» في سيناء حيث أسقطت طائرة روسية في العام 2015، تدعم «تنظيم الدولية الإسلامية» (داعش) المعروف باسم «ولاية سيناء»، وهو التنظيم المسؤول عن إسقاط هذه الطائرة.

روسيا تدلل «الشتات الروسي في إسرائيل»

«الرئيس فيلاديمير بوتين هو الرئيس الروسي الأول الذى اهتم بأحوال اليهود وأوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحدث كثيرًا عن عدم وجود معاداة للسامية في بلاده، وهو الرئيس الأول الذى كافح معاداة السامية، ويقوم حاليًا بأعمال طيبة لتحسين أحوال اليهود الاجتماعية والاقتصادية»، قول يعود للحاخام الرئيسى لروسيا، الرابى بارل ليزر.

يهودية روسية في إسرائيل ( المصدر: موقع المصدر الاسرائيلي)

يعيش اليهود في روسيا أفضل أيامهم بسبب حالة الازدهار في العلاقات الروسية الإسرائيلية، وهي العلاقة التي دفعت نحو دمج أنجع لليهود في الحياة الطبيعية الروسية، ففي مقابل إيمان موسكو بأن وجود مئات الآلاف اليهود من أصل روسي في إسرائيل، هو حافز رئيس لتحسين هذه العلاقات، يوجد قناعة أيضًا بأهمية تحسين أوضاع اليهود في الداخل الروسي كحافز نحو المزيد من المكتسبات السياسية.

على الجانب الآخر تعنى إسرائيل التي تتحرك بوصفها «الدولة اليهودية ذات التفويض المعلن بتحمل مسؤولية اليهود في جميع أنحاء العالم» بمصالح ومصير أكبر تجمع لليهود في الشتات، فيهود روسيا لهم مكانة ودور مؤثر وله تبعاته في المواجهة مع إسرائيل، ويحتفظ المستوطنون الروس في إسرائيل بالمواطنة وجوازات السفر الروسية، ويرتبطون بعلاقاتٍ قويةٍ مع روسيا، وهم محل حرص واهتمام على سلامتهم ورفاهيتهم من قبل الحكومة الروسية التي تدرك أهمية الحفاظ على اليهود الروس كجزء من الشعب الروسي، حيث يسميهم الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بـ«الشتات الروسي في إسرائيل».

لاعب الجمباز الإسرائيلي (روسي الأصل) ألكس شتيلوف (المصدر: موقع المصدر الإسرائيلي)

كما أنه من ناحية القوة الاقتصادية يحتل اليهود الروس المرتبة الثانية من حيث حجم الثروة لليهود بعد اليهود الأثرياء في الولايات المتحدة، فبينما يشكل المال اليهودي ما نسبته 18% بين مئة ثري عالمي، يوجد في روسيا 12 ثريًا يهوديًا، بلغ مجموع ثروتهم نحو 82 مليار دولار، وأكثرهم ثراء هو «ميخائيل فريدمان» الذي يستثمر أمواله في قطاعي النفط و البنوك، وتساوي ثروة 48 ثريًا من أبناء الديانة اليهودية الروس 133 مليار دولار، بمعدل 2.77 مليار دولار للثري الواحد.

«فراس أبو هلال»: اللوبي الإسرائيلي قوي ولكن هزيمته ممكنة