(1)

“أنا إيراني سريع الغضب. لكن قبل أن أكون إيرانيًّا فأنا سريع الغضب! كجميع أهل الشرق الأوسط سريعي الغضب الذين تشاهدوهم على الشاشات. أولئك الذين ينزلون للشوارع غاضبين، يسيرون بوجوه غاضبة ويرفعون قبضات غاضبة ليعبروا عن اعتراضهم الغاضب!

لم أكن سريع الغضب، لكنني أصبحت كذلك! في البداية كنت أغضب، ثم صرت كثير الغضب، ثم صرت سريع الغضب. نعم، هكذا تحولت عندما كنت أعيش في إيران. لكن ثمة فترة تتجاوز بعدها أسباب الغضب ذاك الحد الذي يجعلك تغضب. صرت حينها أضحك. لا لشيء، بل لأظل حيًّا. تدريجيًّا تحولت ببساطة لرجل لا يستطع ألا يغضب ولا يستطيع ألا يضحك على غضبه”.

(من اعترافات إيراني غاضب، كامبيز حسيني)

 (2)

“السياسة هي فن البحث عن المشاكل، إيجادها في كل مكان، تشخيص أسبابها بطريقة خاطئة، وعلاجها بشكل غير صحيح”. بهذه الكلمات لـ “غروشو ماركس” علق مهدي أحمدي أحد مستخدمي فيسبوك على زيادة التشويش الحكومي على العديد من محطات التليفزيون التي تبث من خارج إيران. القرار الذي يأتي في بلد يحظر العديد من المواقع الإلكترونية كفيسبوك وتويتر قوبل بغضب كبير وسخرية أكبر. “نعم قانونهم يخبرنا أن امتلاك مُستقبل للقنوات غير المحلية محظور، لكن الجميع يملك واحدًا، فيسبوك محظور ونحن نتصفحه ليل نهار، فلماذا يُحرجون أنفسهم بالمزيد من السخافات التي لن تعيق أحدًا؟”، التعليق لـ “رامين محسني” وهو مستخدم آخر! إذ – كما هو متوقع- انتشرت عبر الإنترنت صفحات كثيرة تعطي نصائح عن كيف يمكنك التقاط قنواتك المفضلة دون مشاكل، متجاوزًا التشويش الحكومي المتزايد.

(3)

“لماذا أغضب؟؟! حسنًا! ثمة لوحة إعلانات كبيرة على جانبي إحدى الطرق الكبيرة، نقش عليها: “الحزب فقط حزب علي، المرشد فقط السيد علي” – يقصد بعلي الأول الصحابي علي بن أبي طالب، ويقصد بعلي الثاني علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية- حسنًا غضبت وذهبت إلى طبيبي النفسي لأعالج غضبي، قال لي “هسس”. أدركت بعدها أن الجمهورية الإسلامية لا تمانع أن يقول الناس لبعضهم: “هسس”.

البرنامج الإخباري في الساعة السابعة كان يثير غضبي أيضًا. كان يردد لي جملة واحدة فقط منذ بدايته وحتى نهايته: “أنت أحمق. أنت أحمق. أنت أحمق”، ذهبت إلى الطبيب أيضًا، قال: “أنت أحمق”. أدركت بعدها أن الجمهورية الإسلامية لا تمانع أن تفترض في الناس الحماقة”.

(من اعترافات إيراني غاضب، كامبيز حسيني)

(4)

طيلة الأعوام الثلاثين الماضية، اعتاد التليفزيون الإيراني أن يبث بكثافة برامج دينية وعقدية، مقابلات مع وزراء ومسؤولين ورجال دين، اجتماعات رجال دين، محوارات عن رؤية الجمهورية الإسلامية لنفسها وللغرب، ولقاءات تخبر المواطن أنه يجب أن يرى الجمهورية الإسلامية بالغة الحكمة، بينما يجب أن يعتبر الغرب عدوًا بالغ الانحطاط وغارقًا في الأخطاء.

في المقابل انتشرت الأطباق المستقبلة للأقمار الصناعية انتشارًا هائلاً على الرغم من منعها، وعلى الرغم من وجود موجات التشويش الحكومية “البارازيت”، خلق ذلك فرصة اقتصادية كبيرة للإيرانيين المقيمين بالخارج، تتمثل في إطلاق قنوات تتحدث بالفارسية، وتعرض كل ممنوع في التلفزيون الرسمي، مما أتاح فرص عمل ومجالاً كبيرًا لعرض المواهب والآراء للمهاجرين الإيرانيين في جميع أنحاء العالم. كانت الفرصة متاحة والأجواء مهيئة جدًّا أمام كامبيز حسيني وشريكه سامان أربابي لإنشاء أول برنامج إيراني ساخر على غرار The Daily Showيستهدف عرض الحياة في إيران بلغة الكوميديا. وربما لم يخطر ببال رئيس إيران حينها محمود أحمدي نجاد أنه سيصبح مادة خصبة للبرنامج الجديد حتى بلغ الأمر أن يقول أربابي: “أحمدي نجاد هدية الله لنا”.

(5)

“لماذا أغضب؟! يكفي أن أخبرك أنني كنت كلما تصفحت جريدة كيهان الرسمية أجد بدل الأخبار كذبًا ونفاقًا. ذهبت إلى الطبيب، وجدته قد كتب على عيادته: (لبعض الأسباب نعتذر عن استقبال المرضى الذين يقرأون كيهان). أدركت بعدها أن الجمهورية الإسلامية لا تمانع الكذب والنفاق القذِرَين في جرائدها.

أيضًا ذاك المسؤول عن إعطاء التصاريح للمسرحيات في وزارة (الثقافة والإرشاد الإسلامي) الذي كلما ذهبت له بمسرحية لأحصل لها على تصريح، كان يبتسم ويقول: (فوت علينا بكرة). ذهبت إلى الطبيب فقال: (فوت علينا بكرة). فهمت بعدها أن الجمهورية الإسلامية لا تمانع أن تذهب و(تفوت عليها بكرة).

وعجزي عن دفع إجار منزلي. ذهبت إلى الطبيب فقال هذا مرض شائع ولا يجب أن تقلق منه كثيرًا. عرفت بعدها أن الجمهورية الإيرانية ترسل تلك القلة القليلة التي تحبها إلى دبي والصين وماليزيا وروسيا وفنزويلا ليتعالجوا من هذا المرض. وأنها في الأساس لا تمانع في مرضي”.

(من اعترافات إيراني غاضب، كامبيز حسيني)

(6)

ربما لما يخطر ببال “كامبيز حسيني” عامل البنزينة المهاجر حديثًا من إيران، ذاك الذي لا يتجاوز طموحه تدفئة نفسه، ذاك الذي لا يجيد الإنجليزية، ولم يسمع يومًا عن The Daily Show، أنه سيصبح يومًا ما ضيفًا على جون ستيوارت بوصفه مقدم البرنامج الكوميدي الإيراني الأشهر داخل البلاد وخارجها.

تعلم كامبيز الإنجليزية وعمل كناقد فني،سمع عن The Daily Show وأعجب به، ثم مرت سنوات حتى قرر أخيرًا أن يجرب بنفسه تأثير الكوميديا على أعصاب المسؤولين والروحانيين في إيران.

“بارازيت” كلمة تعني ضوضاء، و هو الاسم الذي يُطلق على الموجات التي تبثها الحكومة الإيرانية للتشويش على القنوات غير المحلية، وهو الاسم الذي اختاره كامبيز ليطلقه على برنامجه ليصبح بحق البرنامج الأكثر تشويشًا على النظام بشعبيته الفائقة!

(7)

“الكلمات التي كانت دائمًا على لساني ولم أنطقها أغضبتني. ذهبت إلى الطبيب، فقال: (اللسان الأحمر يلقي برأسك الخضراء إلى الريح) – مثل إيراني يشبه الرأس بغصن على شجرة واللسان كثير الكلام بالرمح الأحمر الذي يضرب الغصن فيسلمه للريح- أدركت بعدها أن الجمهورية الإسلامية تمانع كثيرًا حمرة لساني. أدمنت السجائر ربما يتحول لساني إلى بني. لكن مشكلتي لم تُحل. بل إنني حين كنت أستمع إلى خطاب رئيس الجمهورية الذي كان يبثه التلفاز كنت أصاب بضيق في التنفس.

حتى السينما أغضبتني. تلك التي كانت تتكلم باستمرار عن المبادئ الكبرى التي لم تكن مبادئي. أدركت بعدها أن الجمهورية الإسلامية تمانع أن تختلف مبادئك عن مبادئها. لم أذهب إلى الطبيب، بل حاولت أن أتعايش مع مرضي.

ذاك العدو الافتراضي لبلدي أغضبني! ذاك الذي كان يفترض أن يفترس بلدي وكانوا يخبرونني أن عليّ أن أفعل كل يوم شيئًا مختلفًا لأحمي بلدي لم يفترس بلدي. ذهبت إلى الطبيب قال غير طبيبك. لم أفهم شيئًا عن هذا الموضوع حتى الآن!”.

(من اعترافات إيراني غاضب، كامبيز حسيني)

(8)

أوقف كامبيز حلقات برنامجه الأول “بارازيت” ليبدأ برنامجًا ساخرًا آخر بشكل مختلف، انتشر البرنامج كسابقه، وقد بلغ رواجه وانتشاره حدًّا لا تملك الجمهورية الإسلامية القدرة على احتماله، فأطلقت برنامجًا مضادًا يراد له أن يكون كوميديًّا ساخرًا لربما يصرف الناس عن “الافتراءات الحقيرة والكذب المفضوح لبعض الممولين التافهين” كما يصف الإعلام الرسمي البرنامج ومقدميه، لكن ربما لم يلاحظ المسؤولون أن انصراف الناس عن الإعلام الرسمي في الأصل لم يكن لثقل ظله فقط، بل لثقل همومهم أيضًا! برنامج من الطبيعي جدًّا ألا يحظى برواج كبير، أو ألا يحظى برواج أصلاً، فمنذ متى تجيد الأنظمة إطلاق النكات، أو تخفيف الهموم؟!

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد