يبدو أن حلم المغرب في أن يصبح دولة بترولية منتجة للطاقة، لا يزال مستمرًا. إذ تواصل الشركات الدولية المنقبة عن النفط بالبلاد في إعلان وعودها المبشرة في العثور على حقول النفط، والذي كان آخرها توقيع عقد مع الشركة الأمريكية «ConocoPhillips» لاستكشاف البترول بالمنطقة الحرة المسماة «ميزوريف» شمال المغرب، فهل يتحقق المراد للمملكة بالدخول إلى نادي «الدول النفطية»؟

استثمارات هائلة للعثور على النفط في المغرب

طمعًا في الدخول إلى نادي «الدول النفطية» بذل المغرب خلال العقد الأخير، قصارى جهده، من أجل جذب الاستثمار الأجنبي في صناعة النفط والغاز الناشئة، وذلك بعد أن أعياه الاستيراد لحاجياته الطاقية. حتى أنه وضع شروطًا مغرية للشركات المستثمرة في القطاع البترولي، مثل إلغاء الضرائب خلال السنوات العشر الأولى من الإنتاج، وتسهيل الحصول على التراخيص والوصول إلى الحقول المحتملة، من أجل جذبها للاستثمار والتنقيب عن النفط في المغرب.

فتحت هذه الإغراءات شهية المجموعات الاقتصادية الكبرى المختصة في التنقيب عن النفط في المغرب؛ لا سيما وأن المملكة تقع بين بلدان تحتوي على نفط مثل الجزائر وليبيا، ومن المحتمل أن يتوافر لديها هي الأخرى خزانات للغاز الطبيعي والنفط الصخري.

ومن ثمّة، بدأت الشركات الأجنبية تتقاطر على المغرب إلى أن وصل عددها اليوم أكثر من 15 شركة مهتمة بالاستثمار في القطاع النفطي، مستثمرة مليارات الدولارات طوال العقد الماضي، وتبدو متفائلة بتحول المملكة إلى دولة نفطية قريبًا، إذ تعلن كل فترة عن اكتشاف احتياطات نفطية، بحسب ما تقول.

لكن على جانب آخر؛ يمتنع المسؤولون الحكوميون عادة عن التعليق على مثل تلك الأخبار، التي تحوي وعودًا مبشرة، تبالغ فيها الشركات لأسباب تتعلق بمصالحها المالية في سوق البورصات العالمية، لكن أيضًا لا تزال عازمة على الدفع نحو المزيد من الاستثمار والتنقيب عن النفط في البلاد.

وفي هذا الصدد، يقول عزيز رباح، وزير الطاقة والمعادن والبيئة: «لقد وجد المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن الوطني مع شركائه من الشركات الأجنبية كميات متواضعة من الغاز في أحواضنا الغربية، ومنطقة الصويرة وتندرارا، وما زلنا متفائلين على المدى القريب». وشجع كذلك على مزيد من الاستثمار قائلًا إن: «صناعة النفط والغاز المغربية مفتوحة للأعمال التجارية»، ومن المتوقع أن تصل الاستثمارات في قطاع الطاقة بحلول عام 2030 إلى 40 مليار دولار، مما يمثل فرص استثمارية كبيرة.

«ساوند إنيرجي».. الشركة التي تعد المغاربة بالنفط

تمثل شركة «ساوند إنيرجي» البريطانية أبرز لاعب مستثمر في التنقيب عن النفط بالمغرب، إذ تقود حملة طموحة لحفر الآبار في خمسة مواقع، وهي حوض «سبو» و«لالة ميمونة الشمالية» و«غرب سَنْتر» و«لالة ميمونة الجنوبية» و«مولاي بوشتى الغربية». ويقول رئيسها التنفيذي بول ويلش إن شركته، التي لديها أيضًا أنشطة استكشافية واسعة في مصر، جاءت إلى المغرب «للعثور فيه على الغاز الطبيعي ونعتبرها منطقة نمو رئيسية».

وتمتلك الشركة حصة 75% من حقوق الاستغلال في مختلف مناطق الحفر التي حازت على رخصتها، في حين يحتفظ المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن بنسبة 25% المتبقية من المشاريع، وهو ما يجذبها إلى الاستثمار في المملكة.

أعلنت «ساوند إنيرجي» في عام 2018، أنها اكتشفت كميات هائلة من غاز الهيدروكربون في بئر بمنطقة «تندرارا» الشرقية، وقدّرت حجم المخزون بحوالي 5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، بعد الحفر في عمق حوالي ألفي متر أسفل الأرض. بل وبدأت تحضر خطة التسويق ومد الأنابيب متوقعة أن تشرع في إنتاجه من حقول المنطقة بدءًا من سنة 2021.

ومع نهاية العام الماضي، وقّعت الحكومة المغربية وساوند إنيرجي مذكرة تفاهم، تتعلق بالشروط الرئيسية لاتفاقية بيع الغاز الطبيعي المخصص لتشغيل المحطات الكهربائية. ويتفاوض حاليًّا المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب الحكومي من أجل شراء الغاز المستخرج في حقول تندرارا، من الشركة البريطانية التي تملك الحصة الكبرى من الاستغلال.

وقد أجبرت تداعيات جائحة كورونا الشركة على توقيف أنشطة التنقيب عن الغاز الطبيعي بشكل مؤقت، في إطار مشروعها الرامي إلى حفر 12 بئرًا في منطقة حوض الغرب، وأكدت في الوقت نفسه «اكتشافها مخزونًا جديدًا من النفط» في منطقة «لالة ميمونة»، لكن دون أن تحدد حجم المخزون.

طموح المغرب في تحقيق اكتفاء طاقي

يحاول المغرب، الذي يستورد أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية من الخارج، تخفيف العبء على ميزانيته العامة، ولذا يسعى جاهدًا إلى الوصول إلى مصادر طاقة محلية تغنيه عن الاستيراد، من خلال التوجه إلى مشاريع الطاقات المتجددة والتنقيب عن النفط.

بلغت الاستثمارات المغربية في مجال التنقيب عن الغاز الطبيعي حتى الآن، ما مجموعه مليارا دولار خلال السنوات العشر الأخيرة فقط، بالإضافة إلى استثمارات الشركات البترولية الأجنبية التي تتسابق للعثور على الذهب الأسود، في مساحة بحث تقدر بـ170 ألف كيلو متر مربع، منها 22 موقعًا على الأرض و77 موقع على البحر.

العالم والاقتصاد

منذ 3 شهور
هكذا تستحوذ الشركات الأجنبية على ثروات الدول النفطية

ومن شأن تحقيق المغرب اكتفاء ذاتيًّا في الطاقة، في حال نجحت عمليات التنقيب في الوصول إلى كميات معتبرة، أن يحقق له فوائد اقتصادية واجتماعية وسياسية، فمن جهة سيسهم ذلك في خفض عجز الميزان التجاري لديه، ومن جهة أخرى يعفيه عن استيراد الغاز الطبيعي من الجزائر المجاورة، والتي تربطه علاقات متوترة معها، كما أن العثور على النفط قد يخفف الاحتقان الاجتماعي.

ويخشى مراقبون أن تتبخر وعود اكتشافات النفط بالمغرب، التي تبشر بها الشركات البترولية، كما حدث مع «كذبة تالسينت»، عندما أُعلن سنة 2000 عن اكتشاف احتياط مهم من النفط في منطقة تالسينت، من شأنه أن يحول المغرب إلى بلد غني، قبل أن يتبين أن الأمر كان مجرد كذبة لا حقيقة لها.

المصادر

تحميل المزيد