في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 اندلعت العديد من الاحتجاجات وأعمال شغب في مدنٍ أمريكية عدة، عقب إصدار الحكم ببراءة كايل ريتنهاوس، المتهم بقتل اثنين رميًا بالرصاص وإصابة ثالثٍ في مظاهرات مناهضة للعنصرية بمدينة كينوشا خلال العام الماضي، وأدَّى الحكم بالبراءة إلى إثارة الغضب على نطاقٍ واسعٍ، كما حاصرت الاتهامات بالعنصرية نظام القضاء الأمريكي.

وكانت هيئة المحلفين هي التي حسمت الحكم بالبراءة في قضية ريتنهاوس؛ مما أشعل فتيل المظاهرات مرةً أخرى، وأثار غضب الذين رأوا في حكم البراءة إجحافًا بحق الضحايا وذويهم، وفي السطور التالية نتناول ظروف تلك المحاكمة التي تسببت في انقسامٍ واسعٍ بالشارع الأمريكي، ونلقي الضوء على وضع «هيئة المحلفين» داخل منظومة القضاء الأمريكي، والتي بإمكانها أن تحسم القضايا وتحدد مصير المتهمين.

المتهم في «مظاهرات كينوشا»: قتلتُ دفاعًا عن النفس

في أغسطس (آب) من عام 2020، اندلعت مظاهرات حاشدة في مدينة كينوشا الأمريكية، التي تقع في الغرب الأوسط بولاية ويسكونسن، بعد مقتل شخصين أثناء تظاهرات كانت تطالب بتحقيق العدالة لجايكوب بليك، الأمريكي الأسود الذي لقي حتفه بعد أن أطلق شرطي النار عليه مرارًا.

وقد اندلعت المظاهرات المطالبة بحق بليك عقب نشر فيديو جرى التقاطه بكاميرا هاتف محمول، ويظهر شرطة ولاية ويسكونسن وهي تطلق النار على رجل أسود فأصابته في ظهره أمام أطفاله، وقد أشار محامي الحقوق المدنية حينها إلى أن بليك أصيب بالشلل، وقد لا يتمكن من المشي ثانية.

Embed from Getty Images

متظاهرون في نيويورك في 24 أغسطس (آب) 2020 عقب إطلاق النار على جاكوب بليك

ودفعت المظاهرات الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، حينذاك، لنشر تعزيزات من القوات الفيدرالية في المدينة الثائرة كينوشا، قائلًا: «سأعمل على نشر قوات فيدرالية إضافةً إلى الحرس الوطني في كينوشا ويسكونسن لإعادة إحلال القانون والنظام»، لأنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام النهب والعنف وإشعال الحرائق، حسب قوله.

خلال تلك التظاهرات المناهضة للتمييز العنصري، كانت مدينة كينوشا مدججة بالسلاح؛ إذ حمل المواطنون البيض أسلحتهم مؤكدين أنهم يسعون إلى حماية ممتلكاتهم فقط بها، وفي خضم ذلك المناخ المشحون وقعت اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، كما شبت بعض أعمال العنف؛ إذ فوجئ الجميع بمقتل شخصين بالرصاص، وإصابة ثالث بجراحٍ نقل على إثرها إلى مستشفى المدينة، يوم 25 أغسطس (آب) 2020.

دولي

منذ سنة واحدة
«حياة السود مهمة» في أوروبا أيضًا.. 4 عواصم كبرى احتجت على العنصرية ضد السود

وكان المتهم بقتل الاثنين شابًا أمريكيًّا أبيض، هو كايل ريتنهاوس، الذي يقول إنه أطلق الرصاص خوفًا على حياته؛ وهو الرصاص الذي راح ضحيته كل من جوزيف روزنباوم 36 سنة، وأنتوني هوبر 26 سنة، كما أصاب جايج جروسكريتز بجراحٍ، وجميعهم من المواطنين البيض. 

ووجهت خمسة اتهامات إلى ريتنهاوس، كان بينها تهمة القتل العمد التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، لكنه صرح أثناء شهادته بأن الأمر لم يتعدَّ الدفاع عن النفس، أما حيازته للسلاح الآلي فقد كانت لحماية الممتلكات.

انقسام سياسي في الشارع الأمريكي

بعد أكثر من عام على الحادثة، برأت المحكمة المتهم الشاب كايل ريتنهاوس يوم الجمعة الفائت 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، من اتهامات القتل العمد التي نُسبت إليه، مبررةً حكمها بأن ما فعله المتهم كان في نطاق الدفاع عن النفس.

وعقب المحاكمة اندلعت التظاهرات في عدة مدن أمريكية، مُنددة بالحكم الذي أثار انقسامًا سياسيًّا في البلاد، وجعل البعض يشعرون بعدم تحقيق العدالة، كان بينهم والدا أنتوني هوبر، أحد الضحايا، اللذان صرحا لـ«بي بي سي» بأن هذا الحكم يبعث برسالة مفادها أن المدنيين صار بإمكانهم حمل الأسلحة وإثارة الفزع واستغلال العنف والخطر في إطلاق النار على الناس بالشوارع.

واستدعى الأمر أن يطالب الرئيس الأمريكي الحالي، جو بايدن، الأمريكيين بضبط النفس والتعبير عن الآراء بطريقةٍ سلميةٍ، خوفًا من اندلاع أحداث عنف مماثلة للعام الماضي؛ مُشيرًا إلى أن هذا الحكم أثار غضبًا وقلقًا لدى كثير من أبناء الشعب الأمريكي وهو منهم.

وصنَّفت المرافعة الختامية للدفاع عن المتهم الحادثة في حيز الدفاع عن النفس؛ وأشار محامي الدفاع إلى أن موكله كان فقط يحاول مساعدة المحيطين به، وأن إطلاق النار خرج بوصفه ردَّ فعلٍ تجاه من كانوا يحاولون مهاجمته.

(الجلسة الختامية لمحاكمة كايل ريتنهاوس)

وكان ريتنهاوس قد وصل إلى مدينة كينوشا قبل اندلاع أحداث الشغب في شوارع المدينة بيومين، ومعه سلاح آلي، قال في المحاكمة إنه لحماية منزله من الاضطرابات، وقد أشارت هيئة المُحلفين إلى أنها شاهدت الفيديوهات التي تناولت حادثة إطلاق النار للمتهم، عدة مرات قبل اتخاذ قرار البراءة.

وقال معلقون ينتمون إلى اليسار الأمريكي إن قبول هيئة المحلفين لحجة المتهم بالدفاع عن نفسه، دليل على التمييز والعنصرية القابعين في نظام العدالة الأمريكي بشكلٍ عام، وهو الأمر ذاته الذي صرح به المتظاهرون عقب خروجهم في احتجاجات على الحكم الذي وجدوه يدلل على «التفوق الأبيض» الذي يحميه نظام القضاء؛ إذ يحيد عن العدل أحيانًا إذا كان المتهم رجلًا أبيض.

على الرغم من أن البعض رأى في اتهام القضاء بالعنصرية بعد براءة ريتنهاوس مسألة ليست منطقية؛ إذ إن المتهم والضحايا كانوا جميعًا من الجنس الأبيض، لكن المنددين بالحكم لجأوا إلى حجة أخرى، وهي أنه لو كان كايل ريتنهاوس أسود اللون، لما سمحت له هيئة المحلفين بالدفاع عن نفسه، وهو امتيازٌ منحته بالفعل الهيئة للمتهم في هذه المحاكمة.

ودفع ذلك نائب حاكم ولاية ويسكونسن، مانديلا بارنز يعلق قائلًا: «لقد رأينا بالفعل الكثير من الشباب ذوي البشرة السمراء وهم يُقتلون حتى قبل الوصول إلى المحاكمة – يقصد أثناء القبض عليهم – في حين جاءت براءة ريتنهاوس بكل سهولة من قِبل القاضي»، فيما صرحت ليتيتيا جايمس، المدعي العام لولاية نيويورك قائلة: «هذا يوم مظلم لنظام القضاء الأمريكي».

ومن جانبه، صرَّح أحد محاميِّ الضحايا بأن الحكم غير عادل، مضيفًا: «لكن ما يحتاج إليه المجتمع الآن هو العدالة وليس مزيدًا من العنف»، وعلى الرغم من تزايد دعوات ضبط النفس والتهدئة، شهدت عدة مدن أمريكية، بينها شيكاجو ونيويورك، احتجاجاتٍ عدة للتنديد بالحكم، فيما عبَّر بعض الساسة عن آرائهم المنددة بالحكم عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل عمدة نيويورك بيل دي بلاسيو، الذي وجد الحكم مجحفًا ومثيرًا للاشمئزاز. 

وكان الحكم في هذه القضية، مرهونًا بكلمة هيئة المحلفين، التي حسمت قرارها ببراءة المتهم من تهمة القتل العمد بعد مداولة استمرت لثلاثة أيام، وهو ما جعل البعض يتساءل عن ماهية «هيئة المحلفين» التي بإمكانها تقرير مصير متهمٍ في قضية مثل تلك التي أثارت البلبلة والجدل في البلاد.

موقع «هيئة المحلفين» من القضاء الأمريكي 

يكفل التعديل السادس لدستور الولايات المتحدة الأمريكية للمتهم الحق في المحاكمة أمام «هيئة محلفين» في القضايا الجنائية؛ وعادةً ما يختار المحامون، وكذلك القضاة، أفراد هيئة المحلفين المشاركين في محاكماتهم، ويجري اختيار المحلفين من خلال جلسة يستجوب فيها القاضي والمحامون أعضاء عشوائيين من الهيئة داخل قاعة المحكمة، وذلك للتأكد أي من المحلفين مناسبين للعمل على القضية بحيادٍ ودون أن تسبب له مشقة، وخلال هذه الجلسة يُسأل المحلفون عن تحيزاتهم ومعتقداتهم للتأكد من أنها لا تتعارض مع أي شق من القضية، سواءً بالنسبة إلى القضاء أم الدفاع.

وتُعد «هيئة المحلفين» جزءًا أساسيًّا من نظام القضاء الأمريكي، والذي يُعِد وجود هيئة منتخبة من المستشارين داخل قاعات المحاكم، يطلعون على الأدلة ويتخذون القرار مع القضاة، جزءًا من الحرية ونظام الديمقراطية الأمريكي، الذي يقتضي بأن يُحاكم المتهمون بإنصاف داخل نظام عدالة يضمن لهم حقوقهم.

وهناك نوعان من هيئة المحلفين داخل النظام الأمريكي، أحدهما تسمى بـ«هيئة المحلفين الكبرى»، وهي المختصة بالقضايا الكبرى، مثل التي يرفعها المدعي العام الأمريكي بنفسه، وتتكون من 16 إلى 23 شخصًا، كما أن إجراءات تلك الهيئة عادةً ما تكون مغلقة للجمهور ولا يحق للمتهم أو ممثلي الدفاع المثول أمام هيئة المحلفين الكبرى. 

أما الأخرى فهي «هيئة المحلفين الصغرى»، والتي تختص بالقضايا العادية، وهي القضايا المدنية والجنائية، مثل قضية ريتنهاوس، وتتكون أعضاؤها من ستة إلى 12 شخصًا، وهي هيئة علنية في إجراءاتها، إلا أن مداولات أعضاء الهيئة عادةً ما تكون سرية وخاصة، كما يحق للمتهم أن يمثل أمام هيئة المحلفين سواءً للشهادة أم استدعاء الشهود.

ومن أجل العمل عضوًا في هيئة المحلفين، يجب أن يكون الشخص مواطنًا أمريكيًّا، يزيد عمره على 18 عامًا، ويعيش في نطاق اختصاص المحكمة، وله الحق في التصويت، ويجري اختيار أعضاء هيئة المحلفين بعناية تامة؛ إذ عليهم أن يتحلوا بالجَلَد حتى يصير بإمكانهم فرض عقوبة الإعدام عندما يتطلب الأمر كذلك.

ويخضع المؤهلون لهيئة المحلفين لاختبارات مكثفة، لبيان ما إذا كان الشخص مؤهلًا ليكون عضوًا بين هيئة المحلفين أم لا؛ كما يجري التأكد من أن أعضاء الهيئة ليست لديهم أية معتقدات دينية أو أخلاقية تمنعهم من فرض عقوبة الإعدام وقت اقتضاء الحاجة.

وعادةً ما تحدث بعض الأخطاء في اختيار أفراد هيئة المحلفين المناسبين لقضيةٍ ما، وهي أخطاء شائعة، وعندها يكون ذلك سببًا إضافيًّا للدفاع لطلبِ الاستئناف في القضايا، ومع الجدل المثار حاليًا حول قضية كايل ريتنهاوس، تُرى هل يمكن أن يستغل محامو الضحايا هذه النقطة في طلب الاستئناف على القضية لتحقيق العدالة؟

المصادر

تحميل المزيد