لقد عادت الكتب إلى الساحة، تلك الكتب الحقيقية المصنوعة من ورق وتحمل كلمات حبرية قد عادت لتحقق أمجادها على أنقاض أجهزة الكيندل، ذلك إذا أخذنا في الاعتبار بيانات البيع التي نُشرت هذا الأسبوع، وكذلك تعليقات أهم بائعي الكتب في بريطانيا.

وكان “جيمس داونت” العضو المنتدب لأكبر سلسلة من المكتبات في بريطانيا قد أشار إلى أن أجهزة الكيندل قد اختفت تمامًا كما يبدو، فمبيعاتها لم تنهار فحسب، بل إنها استقرت في الهاوية. وجاءت تعليقاته بعد ما أعلنه من زيادة مبيعات الكتب الورقية بنسبة 5% خلال شهر ديسمبر، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2013. كما أضاف أن هذه القفزة في المبيعات ليست مجرد حدثًا عارضًا، بل “إننا شهدنا ارتفاعًا متواضعًا في مبيعات الكتب الشهر تلو الآخر”، ولكن نظرًا للتراجعات القوية التي شهدتها المبيعات، فيعد هذا الأمر غاية في الإيجابية بالنسبة لنا. كما إننا نجري حسابًا لمبيعاتنا ربع السنوية خلال شهر ديسمبر، وقد كان شهرًا واعدًا بحق”.

وسار على خطاه “سام حسين” الرئيس التنفيذي لسلسلة مكتبات “فويلس”، والذي صرح بأن المبيعات في مكتبته قفزت بنسبة 8.1% مقارنة بشهر ديسمبر من العام الماضي، مضيفًا أنهم يتطلعون إلى أن يكون 2015 عامًا ناجحًا بالنسبة للكتب الورقية”. حتى إن مارك زوكربيرغ مؤسس موقع الفيس بوك قد صرح بأنه سيقرأ كتابًا كل أسبوعين ضمن قرارته للعام الجديد، وقد أطلق بالفعل نادٍ للكتاب.

يمكننا أن نلمس بعض البهجة في أصوات الأعداد الغفيرة من محبي الكتب ممن ذعروا من فكرة أن أجهزة الكتب الإلكترونية تلك ومن بينها الكيندل والنوك والكابو قد تقضي على الكتب الورقية، بل إن المكتبات وما بها من أرفف تحمل كتبًا مرصوصة بعناية قد تصبح مجرد آثارًا لما قبل العصر الرقمي.

مما لا شك فيه أن السعادة تغمر هؤلاء المتحدثين من مكتبات “واترستونز” و”فويلس”، ولكن لا بد من أن نحلل ما إذا كان هذا الأمر بمثابة صحوة حقيقية للكتب الورقية، وإذا كان كذلك، فهل هذا الأمر مهم؟

ويشير “دونت” نفسه إلى أن أي انتعاش في المبيعات دائمًا ما يأتي في أعقاب بعض التراجعات القوية بها. لقد عانى سوق الكتب الورقية كثيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، إذ لم يتوجه القراء إلى الأجهزة الإلكترونية فحسب، بل إنهم أعرضوا عن متاجر الشارع الرئيسي.

ونقلاً عن شركة “لوكال داتا”، فقد انخفض عدد المكتبات بنسبة 9.5% خلال السنوات الخمسة الماضية، ليصل إلى 2547 مكتبة، كما أن عدد وكالات السيارات في المملكة المتحدة يزيد عن عدد المكتبات بها في الوقت الراهن. كما شهدت المكتبات تراجعًا قدره 1.6% خلال العام الماضي، وهي نسبة أقل من السنوات الماضية. وكما أوضح مدير شركة “لوكال داتا” المدعى “ماثيو هوبكينز” بأن بعض هذه التراجعات يعود إلى ما أقدمت عليه مجموعة “دابليو أتش سميث” من إغلاق عددٍ من أهم المكتبات التابعة لها.

ويقول “دونت” إن هذا الأمر يعد غاية في الصعوبة حقًّا حتى إذا لم تكن كُفئًا كما يلزم أو حتى لم يكن الحظ رفيقه. فما يزال السوق العقاري يشهد تغيرات مفاجئة، وإذا كنت تمتلك متجرًا بالشارع الرئيسي حيث يتجه غيرك من أصحاب الأعمال إلى إغلاق متاجرهم، فإنك تواجه وضعًا حرجًا حتمًا، لأنك تهتم بالمتاجر المجاورة من أمثال متاجر ألعاب الأطفال والجزّار والخبّاز تمامًا كما تهتم لمتجرك. لن أبالغ في تقييم مدى أهمية الشارع الرئيسي، فمدينة لندن والمنطقة الجنوبية الشرقية ليسا إلا فقاعة، يا إلهي، كم صار الوضع صعبًا”.

ولكن مجموعة “واترستونز” تخطط لفتح فروع جديدة هذا العام على الرغم من تصريحات “دونت” الحذرة، كما تحمل مجموعة “فويلز” خططًا مثيلة. فيما شهد القطاع المستقل بعض الانتعاشات من وقت لآخر.

أما “روبرت توبينغ” الذي يمتلك مكتبات في المدنيتين الكاتدرائيتين الجميلتين “إلي” و”باث”، كما أنشأ مكتبة ثالث في جامعة “سانت أندروز” حيث يوجد أكبر مكتبة مستقلة في بريطانيا منذ 20 عامًا، فيقول: “أشعر بثقة بالغة بأن هناك حياة تكمن داخل كل كتاب، أما الحماس المثار حول الكتب الإلكترونية فليس إلا هراء، وقد يكون انعكاسًا لروح العصر، لكن الناس يتحدثون الآن أكثر عن دعم الشركات المحلية عوضًا عن استنزاف أموال الشعب لصالح مراوغي الضرائب بالولايات المتحدة الأمريكية”. كما أضاف أنه يقضي اليوم بطوله محدقًا في شاشة الكمبيوتر، ولا يرغب في العودة إلى المنزل في المساء ليحدق في شاشة أخرى”.

وكما هي الحال مع مكتبتي “واترستون” و”فيولس”، فإن الارتفاع الكبير في مبيعات الكتب الورقية لديه خلال الأشهر الماضية لا يمثل السوق بأكلمه، والذي يشمل بلا شك سوق الإنترنت والأسواق المركزية.

ووفقًا لإحصائيات “نيلسن يوكسكان”، فإننا قد اشترينا 237 مليون كتاب خلال عام 2008، ولكن المبيعات انخفضت خلال عام 2013 لتصل إلى 184 مليون كتاب، أي إنها شهدت انخفاضًا حادًا قدره 22%. كما استمر هذا الانخفاض خلال العام الماضي، ولكن بمعدل أكثر بطئًا، وذلك بشراء 181 مليون كتب، أي إنها شهدت تراجعًا سنويًّا تبلغ نسبته 1.7%.

ويجد البعض أن هذا التباطؤ في معدل تراجع المبيعات أمرًا مشجعًا، خاصة مع عدم إصدار واحد من تلك الكتب البارزة الأكثر مبيعًا من أمثال “خمسون درجة من الرمادي” أو “هاري بوتر” أو إحدى روايات “دان براون”.

وبالطبع حينما أشار “دونت” إلى اختفاء الكتب الإلكترونية، فإنه كان يتحدث عن الجهاز الذي تُقرأ الكتب من خلاله، وليست الكتب نفسها، بل إنه اعترف بوجود مبرر مقنع لذلك، ألا وهو أن معظم الأشخاص الذين يرغبون في شراء الكيندل، لديهم جهاز بالفعل، موضحًا “أنها لا تنكسر، فالكثيرون يمتلكون الأجهزة الأصلية وما يزالون يستخدمونها، كما إن إمكانية استبدالها محدودة جدًا نظرًا لعدم وجود فرصة لسقوطها في الحمام”.

وعلاوة على ذلك، فهناك الكثيرون الذي يقرأون كتب الكيندل أو النوك من خلال التطبيقات المخصصة لها على أجهزة التابلت أو الآيباد. وهذا الحل يناسب الكثير من المستهلكين، لأنه لا يضطرهم إلى استخدام جهازين منفصلين.

ولا تتبع شركة “نيلسين بوك سكان” سوق الكتب الإلكترونية بنفس الطريقة التي يتتبعون من خلالها سوق الكتب الورقية، ولكنها أجرت استطلاعًا تفصيليًّا للمستخدمين، وقدّرت أنه قد تم شراء 64 مليون كتاب إلكتروني خلال الفترة من شهر يناير إلى سبتمبر من العام 2014، بعد أن تم شراء 57 مليون كتاب إلكتروني خلال الفترة ذاتها من العام السابق. ومن الواضح أن معدل مبيعات الكتب الإلكترونية يشهد تباطؤًا ملحوظًا، ولكن هذا المعدل ما يزال ينمو نموًا طفيفًا.

يبدو أن سوق الكتب قد وصل إلى نوع من التوازن مع بيع كتاب رقمي في مقابل ثلاثة كتب ورقية، وبالتالي فإن الكتب الإلكترونية لم تقض على الكتب الورقية، ولا ينذر الموضوع بوقوع مثل هذا الأمر في المستقبل القريب؛ فلا يوجد ما هو شابه لمواقع Spotify أو Netflix في سوق الكتب، والتي يمكن الاشتراك بخدماتها والتشغيل عليها، فقضت على مبيعات أسطوانات الموسيقى الحقيقية وأقراص الفيديو الأمريكية.

أما “كيت ويلسون”، فتشغل منصب العضو المنتدب بمؤسسة “نوسي كرو”، وهي دار نشر جديدة نسبيًا وتنتج كتبًا ورقية مجلدة وكتبًا إلكترونية، بل وتنتج أيضًا تطبيقات للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية. وتقول “كيت” إن الكتب الإلكترونية لا تأتي بالنتائج المرجوة بالنسبة لصغار القراء، خاصة إذا كانت عبارة عن صفحات مصوّرة على الشاشة، مضيفة: “فلا يجوز أن تكون القراءة الأمر الأكثر مللاً بين أنشطتهم على جهاز الآيباد”. ولكنهم قد يرحبون كثيرًا بوجود بعض القصص المتفاعلة مع بعض تغمات الموسيقى والرسوم المتحركة، كما ترتفع بوتيرة سريعة مبيعات هذه التطبيقات المصممة خصيصًا للقراءة على جهاز الآيباد. وفي رأيها، هذا هو مستقبل القراءة.

وتابعت: “كيف يمكننا أن نأتي بأشياء يمكن من خلالها تحفيز الأطفال على أن نجعلهم يرغبون في قضاء وقتهم في القراءة؟ ما يهم هو كيفية قضاء هذا الوقت عوضًا عن الوسيلة التي يختارون استخدامها للقراءة”. ويوافقها في هذا الرأي الكثيرون ممن يعملون في مجال النشر، فإنهم من مشجعي الكتب الورقية حتى النخاع؛ فأكثر ما يعنيهم حقًا هو أن يقرأ المستخدمون بدلاً من مشاهدة البرامج على الأجهزة اللوحية أو الاستمتاع بألعاب الفيديو على التلفاز.

أما “ريتشارد كوليت” الرئيس التنفيذي لاتحاد الناشرين، فيقول: “لا شيء يوحي بالاطمئنان ويدلل على عودة الكتب. وما تزال المنافسة محتدمة داخل السوق بحثًا عن أفكار مختلفة”. كما ستستمر هذه المعركة في الاشتعال لإقناع الجمهور بالتوجه إلى المكتبات لشراء كتاب ورقي، ولكن عالم الكتب قد يتنفس الصعداء في الوقت الحالي، فعلى الأقل ما زال الناس يهتمون بأمر القراءة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد