بات الملك محمد السادس الناجي الوحيد في شمال أفريقيا حتى الآن من الحراك الثوري الذي أسقط رؤوس الأنظمة، وبدأ منذ 10 سنوات، وطال جيران المغرب تباعًا، ابتداءً من تونس، وانتهاءً بموجة جديدة، مست هذه المرة شقيق المغرب اللدود، دولة الجزائر، حتى جعلت رئيسها عبد العزيز بوتفليقة يتخلى عن السلطة.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى أسباب نجاح الملك محمد السادس في رحلته للنجاة ببلاده من أي أسباب أو هزات سياسية قد تؤثر في بقائه بالسلطة، وحفاظه على البقاء بعيدًا عن شعارات المتظاهرين بوصفه مطلبًا من ضمن مطالبهم، أوقات خروج بعض التظاهرات قبل شهور.

هل تصيبه «عدوى» الجزائر؟ أساتذة المغرب يتظاهرون ضد الحكومة

«الشعب يريد.. والملك معه»

في أعقاب انطلاق ثورات الربيع العربي، وتحديدًا من تونس، التي تتقاطع حدودها الجغرافية مع المغرب، همست أصوات من قطاعات واسعة من الشعب المغربي مؤيدة لتظاهرات التوانسة تجاه حُكم بن على، قبل أن ترتفع تلك الأصوات، بعدما شاهدوا ملايين المصريين يطالبون بعزل مُبارك في ميدان التحرير بمصر، ليتم تداول مقطع فيديو قصير بين الأوساط الشبابية المغربية، يدعون فيه إلى التظاهر يوم 20 فبراير (شباط) للمطالبة بالإصلاح.

عقب تنحى مُبارك عن الحُكم بعد هروب بن علي، انتقلت حمى الثورة بشكل مطرد للمغرب؛ لتُقرر 20 هيئة حقوقية مغربية يوم 17 فبراير الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية. وفى اليوم نفسه 17 فبراير عقد شباب حركة 20 فبراير مؤتمرًا صحافيًّا في مقر «الجمعية المغربية لحقوق الإنسان»، أعلنوا فيه صراحة مطالبهم التي حددوها في أمور عدة تتمثل في: إقامة نظام ملكي برلماني، ووضع دستور ديمقراطي جديد، وحل البرلمان، وإقالة الحكومة.

وعلى خلاف أقرانه من الرؤساء في دول الربيع العربي وقتها، انتقل الملك محمد السادس من موقع الحاكم الذي تندلع ضده الاحتجاجات إلى المؤيد للمطالب، متنازلًا عن بعض صلاحياته يوم 9 مارس (آذار) 2011، ومقررًا توسيع هامش الحقوق والحريات في الدستور الجديد، الذي تبعه إجراء انتخابات تشريعية سريعة، فاز بالأكثرية فيها «حزب العدالة والتنمية» ذو التوجه الإسلامي، وقام بقيادة الحكومة الجديدة.

وهو ما دفع رئيس تلك الحكومة والأمين العام لـ«حزب العدالة والتنمية»، عبد الإله بنكيران، إلى أن يقول آنذاك: «المغرب شهد ما يسمى بالربيع العربي على طريقته الخاصة من خلال ثورة حقيقية أطلقها الملك محمد السادس، وسار على نهجها الشعب المغربي».

وقد عزز من تجاوب الملك تجاه مطالب الشعب الصورة الرمزية الماثلة في أذهان آلاف المغاربة؛ فهو لم يمض على نهج والده في ترسيخ صورة الحاكم غير المتفاعل مع شعبه؛ ليظهر دومًا في صور عديدة برفقة مواطنين مغاربة، سواء داخل البلاد، أو عند حلوله في دول أخرى ضمن زيارات خاصة أو رسمية، حتى أنه نال برأي البعض بفضل ذلك -إلى جانب قربه من الطبقات الفقيرة والمهمشين- لقب «ملك الفقراء».

ساعده أيضًا على ذلك صورته التي رسخها عبر قرارات وخُطب؛ بدا فيها وكأن الديوان الملكي كيان منفصل عن سياسات مسؤوليه؛ بعدما ظهر في موقع المُعاتب لهم، والغاضب منهم، ليظهر في صورة غير المسئول عن أخطائهم، بل والمعارض لها في صف الغاضبين من الشعب.

ظهر ذلك في الخطاب الرسمي له في 30 يوليو (تموز) العام قبل الماضي، بمناسبة ذكرى توليه سدة الحُكم، حين ذكر أن «هناك دولتين داخل المغرب، الأولى يرأسها الملك محمد السادس، والثانية لا ندري من أين تأتي قراراتها وتعييناتها»، وذكر أن «البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ العمل السياسي وأخلاقياته، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس حرمة المؤسسات ومصداقيتها».

«لا نتدخل في شؤون الآخرين»

اتبعت المغرب سياسة الحياد دومًا، تجاه الثورات العربية في العقد الحالي؛ ملتزمة دومًا بسياسة الصمت تجاه أي انتفاضة، رافعة في الوقت نفسه شعارها الأثير في هذه المواقف، وهو «عدم التدخل» في شؤون البلدان التي أطاحت الانتفاضات حُكامها الذين كان بعضهم على صلة وثيقة مع الملك.

يبدو الحرص المُفرط في تطبيق هذه السياسة من واقع التزام كافة المسؤولين على اختلاف درجاتهم الوظيفية بتنفيذها، فالأمر لم يكن قاصرًا على الملك ومستشاريه، بل شمل كافة موظفي الدولة على اختلاف مهامهم وطبيعة أدوارهم.

بدا موقف المغرب إيجابيًّا ومختلفًا اختلافًا كبيرًا، وانعكس ذلك على صورة محمد السادس في وسائل الإعلام العربية؛ فهو لم يبد مناهضًا لتحركات الشعوب العربية وانتفاضاتها؛ كي يُحسب على كارهي الربيع العربي حال حُكام دول مثل الإمارات والسعودية، ويُثير بذلك استياء قطاعات واسعة من شعبه، فضلًا عن كونه في الوقت نفسه ليس داعمًا أو مؤيدًا لها؛ فقد جعل من سياسات بلاده محط أنظار الجميع.

كان آخر هذه المواقف، مع الخصم الجزائري، الذي لا تنتهي التجاذبات بينهما، في ضوء قضية الصحراء الغربية، والتي وصلت إلى حد القطيعة الدبلوماسية وغلق الحدود؛ فقد أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، موقف بلاده «بعدم التدخل» في الشؤون الداخلية للجزائر على خلفية التظاهرات التي يشهدها هذا البلد منذ 22 فبراير الماضي، موضحًا في تصريحات رسمية أن «المملكة المغربية قررت اتخاذ موقف بعدم التدخل في التطورات الأخيرة بالجزائر، وعدم إصدار أي تعليق حول الموضوع». وأضاف: «ليس للمغرب أن يتدخل في التطورات الداخلية التي تعرفها الجزائر، ولا أن يعلق عليها بأي شكل من الأشكال».

الملك محمد السادس

السياسة الخارجية القائمة على تجنّب المخاطر التي اتبعتها السلطات المغربية بشكل رسمي امتدت كذلك إلى وسائل الإعلام المُقربة منها، لتنعكس في تغطيتها للاحتجاجات في الجزائر، وتتحايل على تغطية الاحتجاجات بتأكيد «أهمية أن تفضي التطورات في الجزائر إلى تحسين علاقات البلدين، وحل مُشكلة الصحراء».

يتصل كذلك بهذه السياسة محاولة التوطيد المستمر للعلاقة مع دولة قطر، وتطور العلاقات المغربية- القطرية في السنوات الأخيرة، التي انعكست في حضور كبير ولافت للاستثمارات القطرية، وهو ما شكل سببًا رئيسًا في حذر قناة «الجزيرة» الفضائية، إحدى أكثر المحطات التلفزيونية تأثيرًا في الشارع العربي، من تناول الشأن المغربي على نحو يؤرق العلاقات بين البلدين، وفقًا للخبراء.

وقد لعبت قناة الجزيرة، بوصفها الأكثر انتشارًا في العالم العربي، دورًا مُحفزًا في ثورات الربيع العربي عبر التغطية المُستمرة، والتناول الإعلامي الداعم لهذه الانتفاضات، في بلدان مثل مصر وتونس وليبيا وسوريا.

ويُعزز من ذلك ظهور أرفع مسئولي المغرب على شاشة القناة لشرح سياسة بلادهم الداخلية والخارجية؛ وقد كان آخر هذه اللقاءات التلفزيونية، مقابلة خاصة مع وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، بداية العام الجاري، للحديث عن قضايا الأزمة الخليجية والحرب على اليمن، إضافة إلى مستجدات الموقف المغربي من قضية الصحراء الغربية، والمفاوضات الجارية بشأنها.

وربما يعكس هذا التحول في السماح لأرفع مسئوليها بالظهور على قناة الجزيرة الفضائية، بعدما كانت القناة محظورة في المغرب بقرار ملكي، بعد إغلاق مكتبها عام 2010، وإلغاء اعتماد سبعة من الصحافيين العاملين بها، تحولًا مرتبطًا ارتباطًا كبيرًا بالتغطية الإعلامية الهادئة للأوضاع في المغرب التي انتهجتها الجزيرة.

لا أحد آمن في منصبه بالمغرب

على مدار الخمسة أعوام الماضية، تحولت عملية الإحلال والتجديد في مناصب الوزراء المغاربة إلى أمر اعتيادي؛ ليصير بقاء وزير في منصبه أكثر من ثلاثة أعوام أمرًا نادرًا، بعدما عمد الملك محمد السادس إلى سياسة قائمة على التغيير المستمر في الوزراء، استباقًا لأي غضب محتمل قد يقوض شرعيته.

وقد شكلت هذه الاستراتيجية القائمة على التغيير المستمر للمسؤولين في القصر الملكي، في الأعوام الأخيرة، إحدى وسائل النجاة بالمغرب من تفاقم الغضب عند قطاعات واسعة من الشعب؛ إذ سرعان ما أضفى دخول شخوص جديدة دومًا في القصر الملكي بعض الحيوية، وساهم في امتصاص الكثير من الغضب الشعبي.

وبنظرة شاملة على أعوام ما بعد الربيع العربي، نجد أن الملك محمد السادس شكل حكومة جديدة بعد انتخابات عام 2011، قبل أن يطرأ عليها تغيير عام 2013، بتعيين نحو 19 وزيرًا بعد توصل رئيس الوزراء عبد الإله بنكيران إلى اتفاق لتشكيل حكومة ائتلافية جديدة.

وفي يناير (كانون الثاني) من العام الماضي، أتم محمد السادس تعديلًا وزاريًّا مشتملًا تعيين خمسة وزراء جدد خلفًا لآخرين أقيلوا بسبب تأخر مشروع تنمية في منطقة الحسيمة شمالي المغرب، لتعود أخبار التعديلات الوزارية من جديد.

وقد اكتسبت هذه التغييرات مصداقية لدى قطاع من الشارع المغربي، كونها اعتمدت على انطباعات قطاعات متباينة من الرأي العام في ما يتعلق بأداء الوزراء، وكذلك تقارير «المجلس الأعلى للحسابات»، وهي المؤسسة التي تعدّ أعلى هيئة حكومية رقابية على مالية القطاعات العمومية المختلفة، وتحظى بثقة الشارع المغربي.

وقد تحولت التقارير الصادرة عن المجلس لدافع رئيسي للملك في تقييم المسؤولين، وإعفائهم إذا اقتضى الأمر، وباتت المرجع الرئيسي للملك في أي قضية فساد أو تقصير حكومي. وقد مُنح المجلس صلاحيات استثنائية بعدما تم تكليف إدريس جطو، مستشار القصر الملكي، شخصيًّا من جانب الملك، في أحد خطاباته بإنجاز تقارير حول تقصير تنفيذ بعض المشاريع، ليصبح الآمر الناهي، الذي يُعفي من يشاء من المسؤولين، ويهابه الجميع.

ولعب المجلس كذلك أدوارًا مشابهة في الكشف عن العديد من وقائع الاختلاسات المالية، فضلًا عن اضطلاعه بإعادة هيكلة العديد من القطاعات التي شهدت الكثير من المشاكل كقطاع الصحة، فقد رصد تقرير للمجلس عن «ضعف تجهيز عدد من المستشفيات حتى في المدن الكبرى، وخاصة بشأن تخصّصات جراحية دقيقة مثل جراحة المخ والأعصاب وغيرها، إذ إن افتقار هذه المراكز للمعدات اللازمة يدفع إلى إرجاء المواعيد الطبية مددًا زمنية طويلة».

دروس لبقية العرب.. كيف نجحت حكومة المغرب في تقليص أزمة البطالة؟

معدلات نمو مرتفعة وقدرة على احتواء أزماتها الاقتصادية

شكل العامل الاقتصادي سببًا رئيسيًّا في استقرار المغرب، وعدم تعرضه لاحتجاجات واسعة، في ظل قدرة البلاد على تجاوز أزماتها الاقتصادية، التي وصلت إلى ذروتها في عام 2016، بعدما شهد نموًا اقتصاديًّا محدودًا توقف عند 1.5% عام 2016، وهو العام الذي خرجت فيه تظاهرات تطالب بتحسين ظروف المعيشة.

لم تمضِ الأرقام في الانحدار، وقفزت بفضل خطة نوعية أطلقتها المملكة بنهاية عام 2016، ظهرت آثارها سريعًا في انخفاض العجز في ميزانية المغرب هذا العام بنسبة 3%، لتستمر تلك القفزات في نمو القطاعات التي تُشكل مصادر أساسية للدخل للبلاد، لتصل نسبة النمو إلى نحو 2.9% في عام 2018.

يظهر ذلك في البيانات المنشورة على موقع البنك الدولي، إذ يُشير إلى بلوغ معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي 4% في عام 2017، وذلك في أعقاب تباطؤ حاد في عام 2016، مدعومًا بحدوث انتعاش قوي في الإنتاج الزراعي. وشهد القطاع الزراعي، مدفوعًا بزيادة إنتاج الحبوب عن المتوسط، انتعاشًا قويًّا؛ إذ بلغ معدل نموه 15.1%. لكن إجمالي الناتج المحلي غير الزراعي ظل منخفضًا عند نحو 2.8%.

كانت خطة الملك محمد السادس الاقتصادية لاحتواء الأزمات المحتملة وسيلة استقرار تُضاف للوسائل الأخرى؛ والتي جعلته يتفادى الدخول في نفق مظلم يكون عنوانه الرئيسي تعويم العملة تعويمًا كاملًا، كما فعل رؤساء عرب سابقون وحاليون، إذ شكلت تلك الخطوة سببًا رئيسيًّا في خفض شعبيتهم، فضلًا عن استثارة قطاعات واسعة من شغوبهم تجاههم.

كان المسار الآخر هو التحرير التدريجي تفاديًا لأي آثار يكون لها كُلفة سياسية كبيرة؛ إذ اعتمد المغرب على ما يُعرف بسياسة «التليين» للدرهم المغربي، وهي سياسة تشمل زيادة المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها سعر الدرهم عبر اعتماد نظام جديد «أكثر مرونة» لسعر الصرف، لتنجح تلك السياسة النقدية في صد أي ارتفاعات للأسعار، أو حدوث تضخم.

عامل آخر كان ركيزة أساسية في قدرة المغرب على تجاوز أي آثار محتملة سلبية وراء التحرير التدريجي، هو تنظيم بنك المغرب المركزي ورشات عمل مع الصحافة عن إصلاح نظام الصرف، لطمأنة المواطنين بأن المسار الذي ينوي من خلاله تحرير سعر صرف الدرهم «لن يكون مثلما حدث في مصر وتركيا».

إلى جانب تلك الخطوة، سعى البنك المغربي لشرح الأوضاع لعموم الشعب، عبر إطلاق بيان أوضح فيه «أن أهم الفروق التي تتمثل بين (إصلاح نظام الصرف) في مصر والمغرب، أن الإصلاح في المغرب (طوعي ومُحضر له وتدريجي ومنظم)، في حين كان في مصر (قسريًّا وغير منظم)» .

وقال البنك المغربي، بحسب موقعه الإلكتروني، إن احتياطي مصر وقت تعويم الجنيه كان غير ملائم لأنه كان يمثل 50% من مقياس كفاية احتياطيات الصرف، وذلك بعد أن تراجع بنحو 25 مليار دولار، كما أضاف أن «احتياطي النقد الأجنبي في المغرب ملائم، ويتراوح بين 100- 150% من مقياس كفاية احتياطيات الصرف، وهذا الاحتياطي يتزايد» بحسب المركزي المغربي.

تحديات ما زالت موجودة

رغم كل كا يبدو عليه المغرب من استقرار مقارنة بجيرانه، لا تزال هناك سلسلة أزمات تؤرق النظام، أبرزها مخاطر استمرار الاضطرابات من جانب بعض الفئات المهمة كالمدرسيين المتعاقدين بنظام العقود المؤقتة، أو ارتفاع نسب البطالة، أو غياب خطط التنمية في بعض المناطق التي تقع غالبًا في قرى ريفية؛ وهو ما كان دافعًا لنشوء حركة احتجاجات واسعة في إقليم الحسيمة، عرفت باسم «حراك الريف».

«ناصر الزفزافي».. عندما يحول حراك الريف المغربي البسطاء إلى قادة

المصادر

تحميل المزيد