لطالما كانت أفلام الحرب من الأنواع الأكثر تأثيرًا في السينما الروسية، لدرجة أن المجتمع العسكري في الاتحاد السوفيتي كان يستخدم مصطلح «جبهة السينما» لوصف هذه الصناعة، كما ترصد دينيس جاي يونجبلود في كتابها «أفلام الحرب الروسية: على جبهة السينما، 1914-2005) الصادر بتاريخ 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006.

صحيحٌ أن السينما الروسية «عانت الأمَرَّيْن»، على حد وصف المخرج الروسي كارين شخنازاروف، خلال فترة التسعينيات؛ بسبب «التحوُّلات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد، لا سيما سقوط الاتحاد السوفييتي، وما رافقها من انقطاع دعم الدولة للأعمال السينمائية، والجنوح نحو إنتاج الأعمال السطحية، ودخول غير المتخصصين في الإنتاج السينمائي»، لكن بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، استطاعت السينما الروسية رفع معدلات إنتاجها من 46 فيلمًا في السنة إلى أكثر من 200 فيلم.

حدثت هذه النقلة النوعية بفضل عودة الاهتمام الحكومي بالقطاع السينمائي منذ عام 2000، وتخصيص 30 مليون دولار لتطوير جامعة السينما الحكومية الروسية، وتحويلها من معهد إلى جامعة في عام 2009. ظهرت الثمرة تدريجيًا؛ بفوز فيلم «العودة» بجائزة «الأسد الذهبي» من مهرجان «البندقية السينمائي الدولي» في عام 2003، وحصول فيلم «لوياسيان» على جائزة السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي في عام 2014، وتتويج فيلم «بلا حب» بجائزة أفضل فيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان لندن السينمائي عام 2017. 

تحت جناح الرئيس ومظلة الجيش.. السينما في خدمة الكرملين 

حين واجهت «موسفيلم»، إحدى أكبر وأقدم الشركات الروسية لإنتاج الأفلام، مشكلة «قرصنة الأفلام»، عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شخصيًا اجتماعًا مع السينمائيين الروس لمناقشة سبل الخروج من هذه الأزمة؛ ما يعكس مدى اهتمام الكرملين بهذه الصناعة على أعلى المستويات.

ولم يكن مستغربًا أن فيلم «الدبابة تي-34»، الذي حظي بالدعم المعنوي والمادي الكامل من الكرملين، يُعرَض بأمر وزارة الدفاع على كل أفراد الجيش باعتباره «عملًا وطنيًا كبيرًا يؤرخ لمرحلة مهمة من حياة الوطن». وهو يستند إلى قصة حقيقية حدثت لجنود سوفييت هربوا من معسكرات النازية في دبابة.

ومما لا شك فيه أن الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة لـ50 مهرجانًا سينمائيًا إقليميًا و60 مهرجانًا دوليًا تقام في روسيا- مثل مهرجان (سوتشي) للسينما ومهرجان (ياروسلافل) للأفلام الدينية ومهرجان الأفلام الإسلامية في قازان- ساعد على تحقيق طفرة في إيرادات السينما الروسية للسنة الرابعة على التوالي هذا العام، حسبما صرح وزير الثقافة الروسي، فلاديمير ميدينسكي.

بلُغة الأرقام؛ عرضت دور السينما 142 فيلمًا روسيًا عام 2018، 32 فيلمًا منها أنتجت بدعم من وزارة الثقافة الروسية، و39 فيلمًا منها بدعم من مؤسسة السينما الروسية الحكومية، وبلغت إيراداتها 13 مليار روبل (حوالي 200 مليون دولار)، ما يشكل نسبة 27% من إجمالي إيرادات شباك التذاكر في روسيا. نتج ذلك عن زيادة عدد الأشخاص الذين شاهدوا الأفلام الروسية في دور السينما إلى 55 مليون مشاهد خلال عام 2018، مقارنة بـ54.7 مليون مشاهد خلال عام 2017، و27.8 مليون مشاهد في عام 2010، وفق إحصائية مؤسسة السينما الروسية.

بموازاة ذلك، انخفضت عائدات الأفلام الأجنبية في عام 2018 إلى 25.2 مليار روبل، بانخفاض عدد مشاهدي الأفلام الأجنبية إلى 98.6 مليون مشاهد، بنسبة انخفاض بلغت 21.6% مقارنة بذات الفترة من العام الماضي؛ ما يشير إلى أن «الروس يحبون الأفلام المحلية»، كما تقول المنتجة السينمائية السابقة، أولجا زينياكوفا.

الجانب الآخر من الصورة.. قطاع السينما الروسية لا يزال في مرحلة المراهقة

لكن هذه الطفرة التي تجسدها الأرقام السابقة، وما تعكسه من اهتمامٍ حكومي متزايد بصناعة السينما، ليس سوى نصف المشهد، ولتكتمل الصورة لا بد من تسليط الضوء على نصفها الآخر:

على الرغم من نمو قطاع السينما في روسيا بمعدل أسرع بثلاث مرات من الاقتصاد الحقيقي، يلفت تقرير أعده الكاتب بن آريس في صحيفة موسكو تايمز إلى أن «القطاع لا يزال في سن المراهقة». صحيحٌ أن شباك التذاكر الروسي شهد نموًا في السنوات الأخيرة، إلا أن قطاع السينما مثله مثل أي مجال آخر يتأثر بالصدمات الاقتصادية، كأزمة 2015 و2016 التي شهدت انهيار أسعار النفط وتدهور قيمة الروبل.

وحتى لو كانت ماكينة السينما الروسية تنتج الآن بضع عشرات من الأفلام كل عام (حوالي 110 فيلمًا سنويًا تقريبًا) فهي كمية متواضعة مقارنة بعدد الأفلام التي تنتجها فرنسا مثلًا، والذي يبلغ أربعة أو خمسة أضعاف هذا العدد في العام. وبينما أظهر المحتوى الروسي نموًا كبيرًا في حصته من إجمالي إيرادات، كان 2018 أول عام يشهد فيه شباك التذاكر في السوق بأكمله انخفاضًا، بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة تقريبًا؛ بسبب المحتوى الأجنبي غير الجذاب للجمهور الروسي، والحريق الكبير في مركز التسوق الذي تسبب في إغلاق العديد من دور السينما، وكأس العالم حينها الذي حول البلاد بأكملها إلى حفلة عملاقة لأكثر من شهر.

هل رضع صناع الفيلم حليب النظام؟ إطلالة مزدوجة على السياسة الروسية

في بلدٍ مثل روسيا، حيث تسيطر الحكومة بشكل كبير على الإنتاج الفني- وتحديدًا الأفلام – يمكن لهذا القطاع أن يوفر معلومات مفيدة لصناع السياسة الخارجية في دول الخصوم، عن طريق توفير إطلالة على أحد أمرين: (1) يمكن للأفلام التي يصنعها مخرجون مقربون من النظام أن تكشف عن الجوانب الرئيسية لخطاب الحكومة وترسم ملامح سياساتها الداخلية والخارجية (2) ويمكن أن توفر الأفلام التي يصنعها مخرجون ليسوا مقربين من السلطة مقياسًا أكثر صدقًا للمشاعر العامة، وتسلط الضوء على الشروخ الأعمق في جدار الأمة.

الإطلالة الأولى: الجيش الروسي جدير بثقتكم 

المتابع لجهود وزارة الثقافة الروسية النشطة في تمويل المساعي السينمائية، يدرك عمق ما أشار إليه ألكساندر روجافين، الباحث في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في واشنطن العاصمة، في مقال نشرته دورية «ذا ناشيونال إنترست»: «على الرغم من أن هذه الأفلام تعتبر ظاهريًا وسيلة للتسلية، فإنها تمثل صدى لصوت الحزب، وتقدم للحكومة منبرًا آخر لإقناع الجماهير بتميز أدائها، على مستوى أكثر تمويهًا مما يعلنه ممثلو الحكومة صراحة في المقابلات».

وأقرب مثال على ذلك، فيلم «سوبيبور» الذي صدر العام الماضي، وهو فيلم درامي حربي يعرض رؤية مختلفة عن الرواية التاريخية السائدة، ويحتفي بأخلاقيات الجندي السوفيتي المنقذ، وهي «رسالة واضحة وصريحة وذات صلة مباشرة بوضع روسيا السياسي المعاصر».

وإذا كان الجيش الروسي المحترف لم يتردد في تحرير المضطهدين من نير الطغمة الحاكمة الفاشية في بولندا المحتلة خلال العصور النازية كما يظهر في الفيلم، فإنه يحذو الحذو ذاته في أوكرانيا قبل سنوات وفي سوريا حتى اليوم كما يصور التلفزيون الحكومي الروسي. 

تتكرر الرسالة ذاتها في فيلم «جاذبية»، الذي يحاول إقناع الجمهور بأن «الجيش الروسي يتمتع بالقوة والكفاءة، ويخضع لسيطرة كاملة، وهو المؤسسة الأكثر استحقاقًا لإيمان الشعب».

الإطلالة الثانية: الوجه الآخر للأمة الروسية

على النقيض من ذلك، فإن روسيا التي تظهر في أفلام المخرجين الذين لا يستبطنوا رغبات الحكومة مختلفة تمامًا، سواء كانت أفلام تحظى بدعم جزئي من وزارة الثقافة مثل: «ليفياثان» (2014) و«عدم انتظام ضربات القلب» (2017)، أو لا تحظى بدعم حكومي على الإطلاق مثل: «Thawed Carp» و«Loveless 2017». 

تُظهِر الأفلام الأربعة الوجه الآخر للأمة الروسية: «تدهور العلاقات الأسرية، والتكنولوجيا والأفكار التي عفا عليها الزمن، والخدمات العامة والموظفين الفاسدين حتى النخاع، والمواطنين العاديين غير الراضين عن حياتهم، والمعركة الخاسرة التي يخوضها الشعب بلا مبالاة»، من وجهة نظر صناع الأفلام.

وإذا كان الفيلم يقدِّم رواية غير مريحة للنظام، فلا يستبعد أن تجد قاعة العرض الأول نصف فارغة؛ لأن السلطات أغلقت الطرق المحيطة بالمدينة بذريعة إقامة بروفة لاستعراض عسكري سيقام في وقت لاحق، مثلما حدث مع فيلم «Bratstvo» الذي فسَّر مخرجه بافيل لونجين تلك التدابير الأمنية بقوله: «إنهم يحاولون منعنا بأي طريقة ممكنة».

ولا غروَ، فقصة الانسحاب السوفيتي من أفغانستان في عام 1989 مثيرة للجدل، والمشاهد التي تظهر الجنود وهم ينهبون ويقاتلون بعضهم البعض ليست شيئًا يفخر به الكرملين، حين يأتي ذكر الحرب التي استمرت تسع سنوات وأودت بحياة أكثر من مليون مدني أفغاني وأكثر من 14000 جندي سوفيتي. والحال هكذا، من المتوقع ألا يشفع للمخرج أن يعترف على رؤوس الأشهاد بأن «هذا فيلم مناهض للحرب، وليس فيلمًا معاديًا لروسيا. كان هدفي الرئيسي هو إظهار كيف يُلقى بالأخيار في أتون الحروب القبيحة التي لا معنى لها».

وحتى لو وصف الناقد السينمائي أندريه أرخانجيلسكي الصورة التي قدمها لونجين للحرب بأنها «الأكثر صدقًا» في السينما الروسية خلال السنوات العشرين الماضية، سيجد وزير الثقافة المحافظ فلاديمير ميدنسكي ذريعة لإرجاء عرض الفيلم؛ ربما لمنع «التوترات الاجتماعية».

حظر الأجنبي وغزو العرب.. حرب روسية مختلفة «على جبهة السينما» 

وإذا كانت الدولة تمرر لصُنَّاع السينما رؤيتها ليصدروها، وتضخ من دمائها في شرايين إنتاجهم الفني؛ فمن الطبيعي أن تُسهِم هذه الصناعة بنصيبٍ في الحرب التي يخوضها الكرملين على جبهتين خارجيتين:

الجبهة الأولى: حظر عرض الأفلام الأجنبية في روسيا.. حظر ضد المقاطعة

أعلن رئيس اتحاد فناني السينما الروسية، نيكيتا ميخالكوف، في أواخر عام 2018، أن الأفلام الأجنبية التي تُعرض محليًا تجني مليارات الدولارات من أموال الشعب الروسي، لذا يجب وقفها؛ احتجاجًا على مواصلة سياسة العقوبات الغربية الموجّهة ضد روسيا.

وأضاف: «استمرار عرض الأفلام الأجنبية وجني الأموال لصالحهم يعني أننا نستمر في منح الأموال لأولئك الذين لا يحترموننا، وذلك ظلم لصناعة السينما الروسية». وهو ما يتوافق مع تصريحات سابقة أدلى بها وزير الثقافة الروسي، فلاديمير ميدينسكي، شددت على ضرورة فرض إجراءات لحماية السينما الروسية. وأيده مدير كبرى الاستوديوهات الروسية «موس فيلم»، كارين شاه نازاروف، بدعم فرض قيود على عرض الأفلام الأمريكية في دور السينما الروسية.

الجبهة الثانية: ترويج الأفلام الروسية بين العرب.. معركة العقول والقلوب

بموازاة هذه الحملة الروسية المناهضة للأفلام الأجنبية، تأسست شركة «أنتاريس» في أبريل (نيسان) 2017 بهدف الترويج للأفلام الروسية في بلدان الخليج، وعلى الأخص دولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عمان، وقطر. ويتوقع سيرجي كوزمينكو، أحد مؤسسي الشركة «ظهور أفلام روسية-عربية مشتركة في المستقبل». 

قبلها فاز الفيلم الروسي (ليافاثيان) بجائزة اللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام الطويلة ضمن مهرجان أبو ظبي السينمائي 2014. وقبل أشهر استضافت العاصمة اللبنانية بيروت فعاليات أسبوع السينما الروسية، التي عرضت ثمانية أفلام سينمائية روسية، تزامنًا مع انعقاد مجلس الأعمال اللبناني- الروسي، وخلال اليوبيل الماسي لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا ولبنان.

وفي أغسطس (آب) 2019، طرحت وزارة الثقافة الروسية مناقصة لضمان الاستثمار الأمثل لمبلغ مليوني روبل (ما يعادل نحو 30 ألف دولار أمريكي) من موازنة الدولة لغرض ترويج الأفلام الروسية عام 2019 عن طريق إقامة مهرجان «أسبوع السينما الروسية في الجمهورية العربية السورية».

وإذا كان «بمقدور السينما أن تملأ المساحات الفارغة في حياتك ووحدتك»، كما يقول المخرج الإسباني بيدرو ألمودوبار، فإن دور هذه الصناعة «لا يقتصر على جعل الناس يحلمون، بل يتعلق بتغيير الأشياء وجعل الناس يفكرون بشكل جديد»، حسبما ترى المخرجة اللبنانية نادين لبكي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد