أفاد مسؤولون أمريكيون أن آلاف المقاتلين المدعومين من أمريكا شنوا هجومًا، بدأ يوم الثلاثاء 31 مايو (أيار) الماضي، في عملية تستغرق عدة أسابيع، لاستعادة منطقة جيب منبج، ذات الأهمية الإستراتيجية محليًا وإقليميًا، من تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ«داعش»، وسط مواءمات سياسية أمريكية تركية ظهرت في خطة العملية.

وتأتي العملية بعد أسابيع من الاستعدادات الهادئة في شمال سوريا، وقال مسؤولون أمريكيون لوكالة رويترز إن عددًا صغيرًا من قوات العمليات الخاصة الأمريكية، سيدعم الهجوم على الأرض، في مهام استشارية بعيدة عن خطوط القتال والمواجهة المباشرة، مُضيفين «سيكونون على مقربة بقدر احتياج المقاتلين السوريين لاستكمال العملية، لكنهم لن يشاركوا في قتال مباشر». وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، قد وافق في وقت سابق على إرسال 300 مجند أمريكي من القوات الخاصة إلى شمال سوريا، حيث السيطرة الكردية، لمواجهة تنظيم الدولة ولتقديم الدعم والمشورة دون المشاركة في مهام قتالية مباشرة.

وستعتمد العملية أيضًا، بحسب المسئولين، على الدعم الجوي لغارات التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا، بالإضافة إلى مواقع القصف البرية من داخل تركيا عبر الحدود السورية التركية، لدعم المقاتلين على الأرض. وقال المسؤولون إن العملية ستضم في أغلبها عربًا سوريين، بدلًا من القوات التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية، التي ستمثل نحو خمس إلى سدس القوة بالكامل، لافتين إلى الدعم التركي للعملية.

وتمثل الوحدات الكردية مصدر خلاف بين تركيا وأمريكا، فتركيا تعتبر الوحدات جماعة إرهابية غير منفصلة عن حزب العمال الكردستاني، بينما تعتبر أمريكا الوحدات الكردية «صديقها المفضل» بالداخل السوري، والفصيل الأقوى في مواجهة تنظيم الدولة، وشرعت الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في تكوين ما يُسمى بـ«تحالف سوريا الديمقراطية»، تحالف تسيطر عليه وحدات حماية الشعب الكردية، إلا أنه يضم عددًا من المقاتلين العرب.

خطة العملية وسياقها السياسي

تأتي هذه العملية بعد شهور من الخلاف، بين الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بالتحالف الدولي والحلف الأطلسي تركيا، حول وحدات حماية الشعب الكردية. مع ازدياد المخاوف التركية من هذه الوحدات، وتعارض أنقرة المزيد من التوسع الكردي في شمال سوريا، على خط الامتداد في الحدود التركية السورية، إذ تسيطر الوحدات الكردية على مساحات حدودية واسعة بين البلدين، وصلت إلى 400 كيلو متر متصلة، مما يُزيد من القلق التركي من تلك الوحدات، المصنفة لدى أنقرة بوصفها «جماعة إرهابية»، متهمة إياها بدعم حزب العمال الكردستاني، الذي يمثل بجانب تنظيم الدولة أكبر تحديين أمنيين لأنقرة.

وفيما يبدو أنها رسالة تطمين للأتراك، قال المسؤولون الأمريكيون لرويترز إن وحدات حماية الشعب الكردية، ستقاتل فقط من أجل المساعدة لطرد داعش من منطقة منبج، مُشيرين إلى أن خطط العمليات ترتكز على أن المقاتلين العرب هم من سيعملون على بسط الاستقرار والأمن في منبج، بمجرد طرد تنظيم الدولة من هناك، مُضيفين «بعد أن يسيطروا على منبج، هناك اتفاق ألا تبقى وحدات حماية الشعب الكردية، ولذلك ستكون القوات العربية هي من تسيطر على أراضٍ عربية تقليدية»، مؤكدين دعم تركيا للعملية.

ولكن مصدرًا عسكريًّا تركيًّا نفى المشاركة التركية في العملية، لأسباب عسكرية وسياسية، وقال المصدر التركي لرويترز إن واشنطن أبلغت أنقرة بشأن العملية: «لكن أي مساهمة منا هي أمر غير وارد» على حد تعبيره، لافتًا النظر إلى وقوع المنطقة على بعد 40 كيلومترًا من الحدود التركية، وبالتالي «من المستحيل أن تدعمها تركيا» مؤكدًا «من غير الوارد سياسيًا لتركيا أن تقدم الدعم لإحدى عمليات وحدات حماية الشعب».

وتأتي هذه التصريحات لترسخ الخلاف التركي الأمريكي حول الأكراد، خلاف رآه محللون سببًا في تعطيل الجهود الرامية لمواجهة داعش في منطقة منبج. وتجدر الإشارة إلى أن تركيا عارضت، في وقت سابق، انتصارات حققها الأكراد في تلك المنطقة، مطالبةً الولايات المتحدة بدعم المعارضة المسلحة غير الكردية، وإعطائهم أولوية الدعم بدلًا من الوحدات الكردية، ولكن واشنطن تبدو أكثر تمسكًا بالوحدات الكردية، لأسباب عديدة.

الوضع على الأرض في اليوم الأول للعملية

أسفرت العملية بعد يوم واحد من بدئها، عن تقدم بري أحرزته قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة بغطاء جوي من التحالف الدولي، على حساب تنظيم الدولة في منطقة منبج، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، وقال نشطاء سوريون إن قوات سوريا الديمقراطية تمكنت من السيطرة على ما لا يقل عن 16 قرية، من أبرزها: الحمادات، والحالولة، والشيخ عبيدات، ورميلات.

وفي سياق متصل، نقلت قنوات تلفزيونية بيانًا لهيئة الأركان العامة التركية، أفاد بأن الجيش التركي قصف أهدافًا لداعش، شمالي مدينة حلب، قصفًا أسفر عن مقتل 14 من مقاتلي التنظيم، بينما في المقابل، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن الغارات الجوية للتحالف الدولي، في  مناطق بمدينة منبج، ومحيطها بريف حلب الشمالي الشرقي، أسفرت عن مقتل 15 مدنيًا، بينهم ثلاثة أطفال.

وعلى عكس ما قاله المسؤولون الأمريكيون، بأن غالبية المقاتلين المشاركين في العملية من عرب سوريا، قال المرصد إن وحدات حماية الشعب الكردية تمثل أغلب القوات المشاركة في الهجوم، وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد السوري، في تصريحات لرويترز، إن غالبية القوى المشاركة في العملية من وحدات حماية الشعب الكردية، وهي «عملية الوحدات بالأساس».

أهمية إستراتيجية لمنطقة جيب منبج

وتكتسب منطقة جيب منبج، على الحدود السورية التركية، أهمية إستراتيجية كبيرة داخليًا ودوليًا، فداخليًا تُعدّ تلك المنطقة خط الإمداد الأخير لتنظيم الدولة، الواصل بين ريف حلب والرقة، عاصمة التنظيم في سوريا، وفي هذا الصدد يقول مسؤول عسكري أمريكي إن حرمان تنظيم الدولة الإسلامية من جيب منبج: «سيساعد في عزل المتشددين، ويقوض أكثر قدرتهم على توصيل الإمدادات إلى الرقة».

ودوليًا، تعد تلك المنطقة قاعدة لوجستية، دائمًا ما استخدمها التنظيم لنقل المقاتلين الأجانب، من وإلى أوروبا وسوريا، وتزداد الحاجة الغربية للقضاء على التنظيم في هذه المنطقة تحديدًا، بعد هجمات باريس وبروكسل التي أودت بحياة العشرات، وكانت من أكثر الهجمات دموية في تاريخ أوروبا، بعدما ثبت انتقال منفذي هجمات باريس من منبج إلى تركيا وصولًا إلى أوروبا، ويقول مسؤول أمريكي «أهمية العملية تأتي على اعتبار أن منطقة منبج آخر مركز لتنظيم الدولة للوصول إلى أوروبا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد