15.5 كيلو مترًا مربعًا، وصراع طويل يمتد لـ74 عامًا؛ يلخصان حكاية «جزر الكوريل» التي تقف عائقًا أمام اتفاق سلامٍ مؤجل منذ الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) بين روسيا واليابان، وتعد في الوقت الحالي مفتاحًا لتحقيق التوازن الجيوسياسي في أوراسيا.

وبالرغم من المصافحات والابتسامات المتبادلة واللقاءات الثنائية بين مسؤولي اليابان وروسيا خلال العقود الماضية، وتطبيع علاقاتهما في مجالات الاقتصاد والتجارة والأمن والثقافة والبنية التحتية، إلا أن توترًا يتوارى خلف الستار ويغلف علاقات البلدين؛ بسبب خلاف رئيس حول السيادة على جزر الكوريل التي تمتد لمسافة 1200 كم ما بين شبه جزيرة «كامتشاتكا» الروسية وجزيرة «هوكايدو» اليابانية في أقصى شمال شرق آسيا.

خلال الحرب العالمية الثانية، استعادت روسيا السيادة الكاملة على جزر الكوريل، بيدَ أن اليابان ما زالت ترفض الإقرار بسيادة موسكو على أربع جزر في جنوب مجموعة جزر الكوريل؛ وهو ما يحول دون توقيع اتفاقية السلام التي يمكن أن تُنهي رسميًا حالة التوتر بين روسيا واليابان الممتدة منذ سبعة عقود ونصف تقريبًا. 

عسكريًا،تسيطر موسكو على الجزر التي تعرف في اليابان بـ«الأراضي الشمالية»، وفي روسيا بجزر «الكوريل» الجنوبية، فيما تؤكد اليابان ملكيتها للجزر الأربع (إيتوروب، كوناشير، شيكوتان، وهابوماي)، وذلك وفق اتفاق التجارة الثنائية المبرم بشأن الحدود عام 1855. 

وبينما جعلت طوكيو من عودة الجزر الأربع أحد شروط أي معاهدة سلام مستقبلية مع روسيا، صرَّح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أمام الصحفيين يوم السبت 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019: «إذا أرادت اليابان توقيع اتفاقية سلام معنا؛ عليها أن تقر بسيادتنا الكاملة على جزر الكوريل».

ما أهمية جزر الكوريل؟

تبلغ مساحة جزر الكوريل 15.5 ألف كيلو متر مربع، ويقطنها نحو 20 ألف نسمة، وتقع على بعد كيلومترات فقط من الساحل الشمالي لمحافظة لهوكايدو اليابانية، وتعتبرها طوكيو جزءًا من المحافظة، وتعتبر جزءًا من مجموعة جزر بركانية تفصل بحر أوخوتسك والمحيط الهادي. كما تقع هذه الجزر جنوب شرق جزيرة ساخالين الروسية، وتعتبرها موسكو تابعة إداريًا للجزيرة الأخيرة.

وينشط في جزر الكوريل البركانية نحو 100 بركان، بالإضافة لأكثر من 60 بركانا آخرين تحت سطح الماء. وتضم بحيرات مياه معدنية ساخنة، وصخور ساحلية ذات أشكال فريدة، وحصى مختلف الألوان.

وتنبع أهمية جزر الكوريل من احتوائها على احتياطات كبيرة من النفط والغاز والمعادن، بينها معادن نادرة، كمعدن الريني الذي يوجد منجمه الوحيد في العالم في جزيرة إيتوروب التي تبلغ مساحتها 3 آلاف كيلو مترًا مربعًا، بالإضافة إلى مخزون كبير من الثروات البحرية، حيث يبلغ الإنتاج السمكي السنوي للمياه المحيطة بهذه الجزر نحو 1.6 مليون طن من الأسماك.

وإلى جانب الثروات المعدنية والسمكية، تتمتع جزر الكوريل، وهي مجموعة من الجزر البركانية، بموقع إستراتيجي بالغ الأهمية من الناحية العسكرية؛ فالسيطرة على هذه الجزر يضمن للسفن الحربية الروسية والغواصات الوصول للمحيط الهادئ طوال العام؛ لأن المضيق بين جزيرتي كوناشير وإيتوروب لا يتعرض للتجمد في فصل الشتاء. لذلك تنشر روسيا قواعد عسكرية وأنظمة صواريخ ودفاع جوي متطورين في جزر الكوريل.

من القرن الثامن عشر.. تاريخ طويل من المعاهدات والنزاعات 

مر الصراع على جزر الكوريل بين روسيا واليابان بمراحل عدة، وكانت البداية في القرن الـ18؛ إذ امتد النفوذ الروسي للجزر لأول مرة في التاريخ، وفي 1786، وصل اليابانيون إلى جزيرة إيتوروب ووجدوا بعض أهلها الأصليين يتحدثون الروسية، قبل أن ينصبوا في 1798 أعمدة في جزر الكوريل للتأكيد على أن ملكيتها تعود لليابان، لكن البحارة الروس رسخوا وجودهم مجددًا في الجزر في 1795، وبحلول 1830 أعلنت روسيا سيطرتها على جزر الكوريل الشمالية والجنوبية.

وفي منتصف القرن الـ19، وقعت موسكو وطوكيو معاهدة «سيمودا» التي أقرت بسيادة اليابان على جزر الكوريل الجنوبية، وسيادة روسيا القيصرية على جزر الكوريل الشمالية، فيما أبقت على جزيرة سخالين تحت إدارة مشتركة من البلدين.

وفي عام 1875 أبرمت الدولتان معاهدة سان بطرسبرغ، التي تنازلت بموجبها موسكو عن كل جزر الكوريل لصالح اليابان، مقابل وضع جزيرة سخالين فقط تحت السيادة الروسية. وخلال الحرب الروسية اليابانية (1904 – 1905) والتي انتهت بهزيمة روسيا، أحكمت اليابان سيطرتها على جزر الكوريل بالكامل وجنوب سخالين، لكن الجزر عادت مجددًا لسيطرة موسكو خلال الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد بموجب مؤتمر يالطا في فبراير (شباط) 1945.

وبعد ذلك بست سنوات، وبالتحديد في 1951 وقعت اليابان المهزومة في الحرب العالمية الثانية مع الحلفاء المنتصرين، وبيهم الاتحاد السوفيتي (روسيا الحالية)، معاهدة «سان فرانسيسكو» للسلام، وتخلت طوكيو مجبرة عن السيادة على جزر الكوريل، بينما امتنع الاتحاد السوفيتي عن التوقيع على المعاهدة؛ لأنها صيغت من قبل واشنطن ولندن، ولم توضح صراحة لصالح من تتنازل اليابان عن هذه الجزر.

ولاحقًا استغلت اليابان امتناع الاتحاد السوفيتي عن التوقيع على «سان فرانسيسكو»، وتمسكت بحقها في الأجزاء الجنوبية من جزر الكوريل، وهي هابوماي، وشيكوتان، وكوناشير، وإيتوروب، مؤكدة أنها ليست جزءًا من جزر الكوريل التي وقعت على التنازل عنها لصالح موسكو.

وفي عام 1956 أصدر البلدان إعلانًا مشتركًا تضمن تطبيع العلاقات الدبلوماسية بينهما، وموافقة موسكو على إعادة جزيرتين فقط هما شيكوتان وهابوماي لليابان، شريطة توقيع الأخيرة معاهدة سلام معها، وإنهاء أي وجود أجنبي على أراضيها، في إشارة للقواعد العسكرية الأمريكية. إلا أن اليابان رفضت تحت ضغوط من واشنطن، الشروط السوفيتية، مؤكدة على حقوقها التاريخية في جزر الكوريل الجنوبية الأربع، بالإضافة لجزيرة سخالين.

هل يتخلى بوتين عن الجزر لليابان؟

في 1993 وقع رئيس وزراء اليابان الأسبق، موريهيرو هوسوكاوا، ورئيس وزراء روسيا السابق، بوريس يلتسن، اتفاق طوكيو الذي نص على رغبة البلدين في حل النزاع الجغرافي بالاحتكام للوثائق المتوفرة لديهما، والقنوات القضائية الدولية، إلا أن ذلك لم يحدث.

وبعد 17 عامًا من الجمود، قام الرئيس الروسي السابق ديمتري مدفيديف، بزيارة مفاجئة للجزر الأربع، في أول زيارة من نوعها لرئيس روسي أو سوفيتي للمنطقة المتنازع عليها بين روسيا واليابان، وتفقد مدفيديف حينها منشآت البنية التحتية في إيتوروب، وقال في كلمة نقلها التلفزيون الروسي في حينه «إنها أرضنا.. ممثلو الدولة الروسية يزورون الكوريل، وأي أراض أخرى من أراضينا، دون انتظار موافقة دول أخرى». 

فيما نددت الخارجية اليابانية في بيان بالزيارة، ووصفتها بـ«المؤسفة بشدة»، وأنها «تتعارض مع موقف اليابان، وتجرح اليابانيين». ودخل النزاع دائرة الجمود مرة أخرى حتى عام 2012، وبالتحديد حتى تسلم رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي السلطة؛ إذ بدأت طوكيو نهج جديد في العلاقات مع موسكو، وشددت على ضرورة تسوية النزاعات القديمة. 

وفي إطار النهج الياباني الجديد، عقد آبي لقاءات متعددة مع الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين، لكنهما لم يفلحا في التوصل لحل لنزاع الكوريل. وفي منتدى بطرسبورغ عام 2015 طرح بوتين على آبي وبحضور الرئيس الصيني شي جين بينغ عقد معاهدة سلام نهاية العام نفسه دون شروط مسبقة، وقال بوتين في هذه الإطار: «70 عامًا ونحن نتفاوض دون نتيجة، دعونا نوقع معاهدة وبعدها نبدأ في حل كل المسائل العالقة»، وقابل آبي الاقتراح بابتسامة دون تعليق. وبعد ذلك بثلاث سنوات التقى بوتين وآبي مجددًا على هامش منتدى في سنغافورة في نوفمبر 2018 دون إحراز أي تقدم في قضية الكوريل.

سياسة

منذ 3 سنوات
استراتيجية «العم شنزو».. هل تعيد طوكيو تشكيل سياستها الخارجية من جديد؟

لماذا يمد بوتين يده لليابان؟

في تسعينات القرن الماضي فشلت سياسة روسيا الموالية للغرب، وانهارت محاولاتها للاندماج في العالم الغربي؛ بسبب اختلاف تصور كل طرف عن الطرف الأخر؛ فقد كان الغرب ينظر لموسكو كدولة هامشية وإرث فاشل للاتحاد السوفيتي الشيوعي الخطير، وليس كشريك على قدم المساواة. فضلًا عن سعي حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والاتحاد الأوروبي الدائم للتوسع في مناطق الاتحاد السوفيتي السابقة، ما مثل تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا.

خيبة الأمل الروسية وفشل توجهها غربًا دفعها مع بداية الألفية الثالثة إلى تغيير دوائر حركتها الأساسية والتركيز على الشرق، وبالفعل تبنت موسكو في ظل حكم بوتين، سياسة خارجية تركز على منطقة أوراسيا الكبرى، وأصبح التحالف مع الصين نقطة انطلاق أساسية لتحقيق التوازن مع الغرب في المنطقة.

إلا أن مخاوف الروس من الصعود الصيني، واستفادة بكين من طريق الحرير الجديد، وما يمكن أن يحمله ذلك من تضخيم لنفوذ وقوة الصين في المنطقة واختلال العلاقات لصالحها، دفعهم للتفكير في حلول لتحقيق توازن جيوسياسي مع الصينيين.

وفي هذا الإطار قررت روسيا المضي قدما في تطبيع العلاقات مع طوكيو عبر توقيع اتفاق سلام معها بهدف تحقيق التوازن مع الصين في أوراسيا وتخفيف الاعتماد على التكنولوجيا الصينية، والاستفادة من الاستثمارات اليابانية، دون تكبد خسائر سياسية كبيرة. في المقابل فإن اليابان تهدف بالأساس لإعادة جزر الكوريل لسيادتها.

وبالتالي فإن أهداف وتوقعات الجانبين لا تزال مختلفة، وبالرغم من حاجة روسيا للاستثمارات اليابانية، ودعم طوكيو لتحقيق التوازن مع الصين، فإن تخليها عن جزر الكوريل سيسبب ثغرة أمنية لموسكو؛ لأنها بوابتها للمحيط الهادئ. كما أن تخلي موسكو عن هذه الجزر يمكن أن يفتح الباب أمام نشر الولايات المتحدة، حليفة طوكيو الأساسية، صواريخها عليها، وتهديد أمن روسيا بشكل مباشر.

وانطلاقًا من الأولوية المطلقة للاعتبارات الجيوسياسية على المصالح الاقتصادية في السياسة الخارجية الروسية، ورغبة بوتين الشخصية في رسم صورته بالتاريخ الروسي على أنه الزعيم الذي وسع الأراضي الروسية بضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014، وليس العكس، فإن تنازل الروس عن جزر الكوريل يعد أمرًا صعب، ولا ينوي فعله.

وبالتالي فإن أهداف روسيا من وراء استمرار المفاوضات مع اليابان تتمثل في إبقاء الأخيرة على طاولة التفاوض، والحفاظ على قنوات الاتصال معها على أمل إحداث شرخ في تحالفها مع واشنطن، بالإضافة إلى رغبة موسكو في تحسين علاقاتها الاقتصادية مع اليابان بأقل خسائر سياسية ممكنة ودون التخلي عن جزر الكوريل، انطلاقًا من أن العلاقات الجيدة مع اليابان يمكن أن تقودها لتحقيق التوازن مع الصين في أوراسيا في المستقبل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد