على مر التاريخ الإنساني، قامت العديد من الحضارات التي بلغت أوج مجدها ولكنها انهارت في النهاية. واختلفت وتنوعت أسباب انهيار الحضارات العريقة وتفككها؛ منها الفكر والثقافة والتعليم والدين واللغة، تلك العوامل كما تتسبب في انهيار الحضارة، لها دور أيضًا في بنائها وتماسك مجتمعها.

والعوامل سالفة الذكر هي عوامل يشارك الإنسان في صنعها وتطويرها بشكل أو بآخر، إلا أن هناك عوامل أخرى لتماسك الحضارات أو تفككها ليس للإنسان يد فيها وهي ما تعرف بالعوامل الطبيعية مثل الطقس والتغيرات البيئية أو موضوع حديثنا اليوم؛ الجغرافيا.

في هذا التقرير نأخذكم رحلة تاريخية توضح لكم بالدلائل، التأثير الذي قد تتسبب فيه الجغرافيا في وحدة مجتمعها وإدارتها وحكامها، وتأثير هذا في تماسك الحضارة أو انهيارها من خلال استعراض بعض الحضارات القديمة. 

بلاد الرافدين.. الجغرافيا قسمتها لعدة حضارات منفصلة

قامت في بلاد الرافدين عدة حضارات رئيسية، هي السومرية والبابلية والآشورية والأكدية، وكان لكل من هذه الحضارات سمة مميزة تخصها بخلاف القواسم العامة المشتركة بينها جميعها، ولكن لم تعددت هذه الحضارات؟ ولماذا لم تستكمل إحداها مسار الأخرى بل قامت كل منها إما في منطقة مستقلة أو على أنقاض السابقة عليها؟ 

لنعرف كيفية حدوث ذلك علينا أن نلقي نظرة على جغرافيا بلاد الرافدين قديمًا حتى نتمكن من تكوين صورة ذهنية عن هذه الحضارات.

الموقع الجغرافي لبلاد الرافدين التاريخية القديمة كما تدل عليه تسميتها، يقع على ضفاف نهري دجلة والفرات، تحديدًا شرق العراق والجزء الشمالي منه، وهي حضارات شأنها شأن كل الحضارات القديمة نشأت على ضفاف الأنهار بسبب إمكانية الزراعة والتنقل، وتوفر الماء العذب للشرب.

خريطة بلاد الرافدين قديمًا

هذه المنطقة لها تضاريس مميزة، تتكون من أودية ضيقة على ضفاف النهر بينما باقي المناطق تتوزع بين الجبال والهضاب والصحاري في الغرب، ولتلك الجغرافيا تحديدًا دورًا هامًا في نشوء الحضارات المتعاقبة والمنفصلة في بلاد الرافدين، إذ إن صعوبة الحركة والتنقل بين الجبال ووديانها جعل من التواصل المستمر والهادئ بين سكان هذه المناطق أمرًا صعبًا، وفي بعض الأحيان شبه مستحيل، مع الأخذ في الحسبان أن كل منطقة من هذه المناطق كانت تسكنها جماعة عرقية ذات لغة خاصة بها ومجمع آلهة أو بانثيون خاص كذلك.

 ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن العراق الحديث موطن للكثير من الأديان والطوائف الدينية، فإلى جانب الأديان الثلاث الكبرى كالإسلام والمسيحية واليهودية وطوائف كل منها، توجد كذلك ديانات أخرى كالمندائية المعروفة بالصابئة، والأزيدية، والبهائية، وأخيرًا وليس آخرا الكاكائية والشبك. والعراق الحديث موطن تتعدد فيه القوميات أيضًا كالكرد والتركمان والأشوريين والأرمن والشركس على سبيل المثال لا الحصر، هذا التعدد الذي يعد إرثًا جغرافيًّا واضحًا على الانقسام بين مجتمعات تلك المنطقة.

قسوة الجغرافيا.. تصنع مجتمعًا قاسيًا بدوره

في عصورها القديمة كانت الزراعة هي عماد اقتصاد الإمبراطوريات الكبرى وموطن غناها، وعليه فقد أولى أصحاب تلك الحضارات عناية فائقة بالزراعة، وجعلوا لها آلهة ومواسم خاصة بها، كالإله نينورتا رب الشعير والزراعة، والذي ترجع عبادته إلى منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد وهو من أقدم الآلهة المعروفة في تلك المنطقة، والتي وجدت دلائل أثرية على تقديسه. 

ونظرًا لصعوبة الزراعة في مناطق جبلية وبين الهضاب، كان على الرافدي القديم أن يقوم بالاهتمام بشق ورعاية وتنظيف قنوات الري بشكل دوري والحفاظ عليها حتى تستطيع نقل المياه من النهر نحو الأراضي الزراعية، وكان هذا الأمر من الأهمية بمكان للدرجة التي جعلت الملك البابلي الشهير ومؤسس الإمبراطورية البابلية حمورابي (1810 – 1750 ق. م) ينص في قوانينه على ضرورة تنظيف هذه القنوات والمجاري المائية بصفة دائمة بل ويغلظ العقوبة للمخالفين، لأن ذلك من شأنه أن يهدد المحصول وجباية الضرائب وبالتالي استقرار ورخاء البلاد ككل.

 فنظام النهرين لم يكن واحدًا، فنهر دجلة بشطآنه المرتفعة الصلبة كان ذا مجرى سريع ويبدأ فيضانه في أوائل مارس (آذار) ويبلغ أشده في الأيام الأولى من شهر مايو (أيار) وينتهي حوالي منتصف يونيو (حزيران) وتوجد على شواطئه الكثير من المستنقعات.

الإله نينورتا رب الشعير والزراعة – مصدر الصورة ويكيبديا

أما نهر الفرات فمياهه أقل ارتفاعًا بمترين تقريبًا ويبدأ فيضانه متأخرًا نحو 15 يومًا، ولا ينتهي ذلك الفيضان قبل شهر سبتمبر (أيلول) ولما كانت ضفافه أقل ارتفاعًا من نظيره دجلة؛ فإن الماء كان ينتشر بسهولة في السهل المحيط بها ويضفي عليه فيضانًا نافعًا إلا أن السكان القدماء قد فضلوا ضفاف دجلة ليؤسس عليها مدنهم الأولى.

ورغم صعوبة شطآنه اعتبروه أكثر أمنًا ليتجنبوا الغرق تحت فيضان الفرات المنخفض عنه، وعليه فقد استلزم وجودهم على ضفاف دجلة حفر القنوات والترع الصغيرة التي تنقل المياه.

وهكذا يمكننا أن نرى أن عملية الزراعة كانت ترافقها مجهودات مضنية وقوانين صارمة كذلك، مما جعل حياة الرافدي القديم مليئة بالتشاؤم حتى في رؤيته للعالم الآخر.

فلم يؤمن الرافدين القدماء بحياة رغدة ومنعمة بعد الموت، بل إنهم لم يؤمنوا بالبعث والخلود بعد الموت، حيث شكلت الجغرافيا القاسية لبلادهم نظرتهم للعالم وطبيعة أفكارهم عن كل شيء تقريبًا، فهي وإن منعت قيام دولة موحدة تنتشر في كافة أنحاء البلاد وتبسط عليها سلطانها، فإنها منعت كذلك التفكير في حياة أخروية سعيدة.

حتى إن أِشهر وأعظم الملاحم الدينية والأدبية لهم وهي ملحمة جلجامش – على روعتها وجمالها – تنتهي هي الأخرى نهائية مأساوية تشبه العبث حين يفقد جلجامش نبتة الخلود التي ذهب في رحلة خرافية من أجل الحصول عليها. 

بلاد اليونان.. جغرافيا فرضت الحرب والطبقية الاجتماعية

تعتبر بلاد اليونان أوضح مثال على تأثير الجغرافيا في تماسك الدول وتشكلها، فقد نشأت فيها أنظمة جديدة للحكم والإدارة للمرة الأولى فيما عرف بنظام المدينة الدولة، أي أن تكون كل مدينة يونانية دولة بحد ذاتها، بكل ما فيها من قوانين ومجالس وحكام.

بنظرة سريعة على خريطة بلاد اليونان القديمة، تجد أنها امتدت من آسيا الصغرى واليونان وجنوب إيطاليا فيما عرف باليونان الكبرى، والطبيعة الجغرافية لهذه المنطقة قسمتها إلى عدة جزر بعضها كبير المساحة مثل جزيرة كريت وبعضها الآخر صغير مثل جزيرة ثيرا القديمة، وقد قامت في تلك المنطقة قديمًا عدة نماذج مما يعرف بالدول المدن؛ أشهرها أثينا وإسبرطة.

وحسب بعض التقديرات فإن الوجود البشري في أثينا ربما يعود لخمسة آلاف عام قبل الميلاد، إلا أن السجلات التاريخية للاستقرار الفعلي تكشف عن كون أولى الحضارات التي قامت في بلاد اليونان كانت هي الحضارة الميسينية التي بدأت حوالي (1550 – 1100 ق . م) وما زالت بقاياها ماثلة للعيان في أطلال القصر الملكي الموجود بهضبة الأكروبوليس أو الأكروبول بمدينة أثينا. 

ونظرًا لضيق المساحة الجغرافية للمدينة، وكذلك إحاطة البحر للمنطقة ككل من معظم الجهات، كانت فكرة الاعتماد بشكل رئيسي على الزراعة غير ممكنة بالنسبة لليونانيين القدماء، وعليه فقد اتجهت أنظارهم نحو البحر والتجارة مع الشعوب المجاورة، وكذلك غزوها إن أمكن لضيق الموارد عندهم.

وهو ما ظهر بالفعل في الحروب الطاحنة التي كانت تدور بين دول / مدن اليونان المختلفة – الحرب بين أثينا وإسبرطة مثلًا فيما عرف الحرب البيلوبونيسية 431 ق. م – من أجل النفوذ في البحر وأخذ الأسرى والغنائم.

 وهي كلها جسدها شاعر اليونان الأكبر هوميروس بملحمتي الإلياذة والأوديسة، تجدر الإشارة إلى أن هذه الطبيعة الجغرافية لم تؤثر سلبيًا فقط في تكوين دولة مركزية موحدة في بلاد اليونان إنما أثرت أيضًا في تكوين الفكر الفلسفي لليونان القدماء ومن بعدهم أوروبا العصور الوسطى وحتى العصور الحديثة.

فقد احتقر اليونان القدماء فكرة العمل والكد، وتركوها للعبيد الذين كانوا في معظمهم من أسرى الحروب، مكونين مجتمعًا طبقيًا، حتى إن أشهر فلاسفتهم كأفلاطون وأرسطو قد اعتبروا الرق والعبودية جزءًا أصيلًا من نظام الكون وليس بالمستغرب أو المستهجن، وأسسوا للتمييز العنصري بمناداتهم بعدم استرقاق اليونانيين لكونهم «أرقى» من باقي الشعوب غير اليونانية «الهمجية».

مصر القديمة.. منحة الجغرافيا التي وفرت الاستقرار

ربما تكون مصر القديمة هي أوضح مثال على أهمية الجغرافيا في تكوين وتشكيل دولة مركزية موحدة، فقد عرفت مصر منذ عصور ما قبل الأسرات مفهوم الدولة المركزية، وقد ساعد المصريين القدماء على ذلك الطبيعة الجغرافية المنبسطة للبلاد ككل، حيث إنه يندر وجود الجبال والمعوقات الشبيهة بطول ضفتي نهر النيل.

 حتى أن نهر النيل نفسه وعلى خلاف معظم أنهار العالم، يتدفق من أسفل إلى أعلى، فيما عُرف بمصر العليا (الصعيد) ومصر السفلى (الدلتا) مما سهل حركة التجارة والملاحة والتنقل بين الأماكن المختلفة، ناهيك عن فيضان النيل السنوي، والذي كان الباعث الأول للزراعة وللحضارة المصرية القديمة ككل؛ حتى قدسه المصريون القدماء وأطلقوا عليه اسم حابي.

 ورسموا النيل على جدران المعابد في جسم خنثى، أي رجل وأنثى معًا، ليمثل عطاء النهر الخير لكل المصريين على حد سواء، ودعا ملك مصر بملك مصر العليا والسفلى وملك الأرضين وكان يرتدي تاجًا مزدوجًا يمثل الجنوب والشمال معًا دليلًا على وحدة الشعب المصري القديم لما منحته لهم الجغرافيا من قدرة على التواصل والسفر بسهولة. 

لأن هذا ما كان له أن يتحقق دون وجود المقومات الجغرافية التي ساعدت على وحدة مصر القديمة وبسط الدولة المركزية لنفوذها في جميع الأنحاء تقريبًا، ولذا فإنه وعلى عكس بلاد الرافدين – على سبيل المثال – فإننا حين نتحدث عن مصر لا نتحدث عن عدة حضارات متعاقبة أو مختلفة قامت في مناطق مختلفة بقدر ما نتحدث عن حضارة واحدة ممتدة لآلاف السنين، وهو ما أثر بدوره على نظرة المصريين القدماء للعالم.

 فهم لم يروا في الموت عدمًا كما رآه الرافديون القدماء، إنما رأوا فيه فرصة لحياة أخرى جديدة أكثر خلودًا وتشبه حياتهم على الأرض فأسموه «الخروج في النهار» أو ما يعرف باسم أكثر شهرة «كتاب الموتى».

وعلى عكس اليونانيون القدماء كذلك لم يحتقروا العمل بدعوى أن العمل للعبيد والتفكير للأحرار كما نادى بذلك فلاسفة اليونان العظام، إنما قدس المصريون القدماء العمل والبناء والتشييد كقيمة إنسانية يجب للإنسان أن يفخر بها. والفضل في ذلك إنما يعود لسهولة حياتهم نسبيًّا مقارنة بغيرهم فيما يتعلق بالزراعة والتنقل من مكان لآخر وكذلك التواصل بين الأفراد وبين بقاع البلاد المختلفة.

بشكل عام؛ هل تتذكر صديقك الذي اختار لسكنه مدينة جديدة بعيدة عن وسط المدينة، كيف حال صداقتكم الآن؟ الجغرافيا عمومًا لها تأثير يومي في حياة المجتمعات وتواصلها وبالتالي على الحضارات بشكل عام، ولاشك أن هناك عوامل كثيرة تقوم عليها وحدة الدول والحضارات وتماسكها، إنما يظل العامل الجغرافي حاسمًا في هذا المضمار، حيث إن هناك حضارات بأكملها لم تستطع التوسع أو الحفاظ على ما حققته من مكتسبات بسبب طبيعتها الجغرافية التي شكلت تاريخها، ومعاركها بل وحتى رؤيتها للعالم الذي تعيش فيه ولحياتها ما بعد الموت.

سياسة

منذ 3 سنوات
«لعنة الحدود المشتركة».. كيف تُزعج الجغرافيا 6 دول عربية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد