«شكله بيفهم». جملة قد تسمعها، من شأنها وصف شخص يرتدي نظارات طبية وملامحه هادئة وشعره مهذب، هذا مثال بسيط، ويكاد يكون بدائيًا عن فكرة تقريرنا اليوم، ولكنه قد يكون مدخلًا توضيحيًا للفكرة، والتي تطرح تساؤلًا مهمًا: هل هناك ملامح توحي بغباء، أو ذكاء، أو طباع إنسان ما؟

على مدار قرون طويلة اشتهر ما يعرف بعلم الفراسة، والذي من شأنه محاولة الربط بين ملامح الوجه، ونسبة ذكاء الشخص وأخلاقه وصفاته الشخصية، فهل تلك القواعد المذكورة في علم الفراسة، وما اندرج تحت بندها مع مرور الوقت، حقيقة يمكننا أن نحدد مواقفنا من الأشخاص على أساسها؟ والأهم هل كان لتلك القناعات الخاصة بملامح الوجه وعلاقته بالدماغ أثر سلبي على المجتمعات والسياسات الدولية؟ وما رأي العلم الحديث في تلك النظريات التي تربط بين ملامح الوجه والدماغ؟ وهل هذا الرابط له القدرة على تحديد درجة ذكاء الشخص؟

الفراسة.. هل هناك ملامح تدل على الغباء؟

ظن العلماء منذ وقت طويل أن هناك رابطًا جينيًا بين شكل الدماغ وملامح الوجه، على سبيل المثال أكدت الأبحاث الحديثة أن الأشخاص الذي يعانون من بعض الاضطرابات الوراثية النادرة في المخ يعانون أيضًا من تشوهات في الوجه؛ ما يشير بوضوح إلى وجود تفاعل معقد بين التطور الهيكلي للدماغ والوجه، ولكن طبيعة هذا التفاعل ظلت لفترة طويلة غامضة، والعلم غير قادر على تفسيرها.

مؤخرًا وخلال الشهر الجاري أبريل (نيسان) من العام 2021، أظهرت دراسة حديثة أن العلاقة بين الدماغ والوجه أكثر ارتباطًا مما كان يظن العلماء من قبل، وحددت تلك الدراسة التي نُشرت في مجلة «نيتشر جيناتكس» أن هناك ما يقرب من 80 منطقة وراثية في الحمض النووي للإنسان تؤثر على أشكال الوجه والدماغ في نفس الوقت؛ ما يشير بوضوح إلى أن الهيكلين – الوجه والدماغ – يشتركان في «الحديث البيولوجي المتبادل» – كما وصفته الدراسة – أثناء عملية التطور لدى البشر. ومصطلح «الحديث البيولوجي المتبادل» يعني أن كل طرف يؤثر في الآخر، مثل حوار متبادل بين طرفين، فالتطور الذي يقدمه الوجه للمخ، يمنحه معطيات يتطور هو الآخر على أساسها، ومن ثم يتطور المخ مانحًا للوجه معطيات جديدة للتطور وهكذا.

تختلف تلك الدراسة عن الأبحاث السابقة حول العلاقة بين الدماغ والوجه لأنها ركزت على صور للدماغ مأخوذة من أشخاص أصحاء، دون التركيز الكلي على الأشخاص الذين يعانون من حالات وراثية نادرة.

صرحت جوانا ويسوكا أستاذ الكيمياء وعلم الأحياء التطوري بجامعة ستانفورد وأحد المشاركين في هذه الدراسة، أن العثور على 67 منطقة وراثية في جسد الإنسان من شأنها التأثير على شكل الوجه والدماغ معًا، ليس من بينها جينات تخص الذكاء، أثار دهشة القائمين على الدراسة، «هذه درجة مذهلة من التداخل» هكذا صرحت لمركز أخبار الطب في ستانفورد، مؤكدة أن هذا التداخل يوضح مدى قرب تأثير هذين الهيكلين على بعضهما البعض في عملية التطور.

الإجابة: لا!

أشارت النتائج مجمعة إلى أنه مثلما يؤثر الدماغ على بنية الوجه، فإن الوجه أيضًا يؤثر بدوره على بنية الدماغ، فيما أطلق عليه «الحديث البيولوجي المتبادل» السابق ذكره، ولكن أيضًا تلك التأثيرات المتبادلة بين الطرفين لا تخص درجة الذكاء، بمعنى أن هذه الدراسة تعتبر دليلًا على أننا يمكننا استنتاج بعض الملامح الفكرية للشخص، والتي لم تزل أمرًا يسعى العلماء لمعرفته، ولكن المؤكد حتى الآن أنه ليس من بينها الذكاء، وعلى عكس الدراسات السابقة، والتي تشير إلى أن مظهر الوجه قد يكشف معلومات حول القدرة المعرفية للفرد، فإن البحث الجديد لا يظهر أنه يمكنك النظر إلى بنية وجه الشخص، ثم التنبؤ بدرجة ذكائه، أو سماته السلوكية، واهتم الباحثون القائمون على الدراسة بالتركيز على دراسة فرضية يقدمها البعض لتعزيز التمييز العنصري بناء على ادعاءات حول علاقة الوجه بالدماغ، مثل ما يسمى بـ«علم الفراسة».

على الرغم من انتشار مفاهيمه في أنحاء العالم، وتطور تلك المفاهيم واختلافها وفقًا لكل عصر، إلا أن علم الفراسة يندرج تحت بند «العلوم الزائفة»؛ فليست هناك أية دلائل علمية على أن مفاهيم وقواعد ونظريات علم الفراسة حقيقة، فما هو علم الفراسة إن لم تكن سمعت عنه من قبل؟

«علم الفراسة» هو منهج تحليلي لملامح الوجه يمكن المرء بحسب رواده من معرفة بواطن الشخص، مثل الأخلاق ونسبة الذكاء، من خلال النظر إلى ملامحه فقط. اشتهر علم الفراسة عند العرب بهذا الاسم، وعرف عند الغرب باسم «Physiognomy»، وهو المصلح الذي وضعه العالم البلجيكي بول بوتس، ومعتنقو هذا العلم يؤمنون بأن دراسة شكل جمجمة الإنسان وملامح وجهه كفيلة بمعرفة كل شيء تقريبًا عن طباعه، وشخصيته، وميوله.

يذكر كتاب «الفراسة» لفخر الدين الرازي أن أصحاب الجبهة العالية في الوجه أكثر ذكاءً من الآخرين، ويكونون محبين للمعرفة والقراءة، ويتمتعون بذاكرة أقوى، أما صاحب الجبهة الصغيرة المنخفضة فهو – من وجهة نظر هذا المنهج – شخص بسيط لا يهتم بالقراءة، أو تحليل الأمور المعقدة، وقد يكون متهورًا؛ لأنه لا يحسب الأمور جيدًا، ويرى هذا العلم أيضًا أن العيون الكبيرة تشير إلى أن صاحبها قوي الملاحظة، أما أصحاب العيون الصغيرة فيتميزون بالصرامة والعنف، وبتحليل باقي ملامح الوجه، مثل الأنف والفم، يمكنك في النهاية أن تصل إلى شخصية الإنسان الذي يقف أمامك دون الحاجة إلى التعامل معه أو معاشرته بحسب هذا المنهج، وهي الأفكار التي ترسخت في هذا المنهج القائم على قراءة البشر من أشكالهم في العصور التالية.

في الدراسة السابق ذكرها أكدت النتائج العلمية أن الارتباط بين المخ والوجه أذهل البشر لفترة طويلة، وحاولت العديد من النظريات فهم تلك العلاقة وتفسيرها، ولكن الدراسة تؤكد أنه سيكون من الخاطئ الاعتقاد بإمكانية التنبؤ بسلوك شخص ما أو قدراته العقلية بناءً على النظر إلى وجهه، وأكد الباحثون القائمون على الدراسة أن الرابط بين المخ والدماغ موجود، ويسعى العلم بقوة إلى معرفة تفاصيله، ولكن المؤكد – حتى الآن – أن الارتباط بين ملامح وجه وقدرات الإنسان العقلية وسماته الشخصية ليس موجودًا.

طبقية الملامح التي مزقت رواندا

منهج الفراسة لم يكن سوى منطلق لتاريخ طويل ومعقد لوضع علاقة بين ملامح الوجه البشري ولونه وبين تقدير الآخرين له وتحديد الحقوق التي يجب أن يحصل عليها في المجتمع، ولكن تلك المفاهيم، والتي تربط بين ملامح الشخص، وما يستحقه في الحياة، أو ما يمثله من درجة وفئة اجتماعية في المجتمع، لا تتوقف عند إحداث تأثير اجتماعي طبقي، أو عنصري بين أفراد المجتمع، بل قد يصل الأمر إلى حروب أهلية مدمرة، خاصة عندما تُستغل تلك المفاهيم من جانب بعض الجهات السياسية أو الحكومات، بالشكل الذي يشعل نيران العنصرية بين أفراد المجتمع، وربما يعد الدور الذي لعبته بلجيكا في رواندا خير مثال على هذا الأمر.

عاشت على أرض رواندا قبيلتان يمتلك أفرادهما بشرة سوداء، وهما: قبيلة الهوتو، والذين تمثلوا في طبقة المزارعين، والذين تعتبر الزراعة مصدر رزقهم. وقبيلة التوتسي، والتي كانت أقل عددًا من الهوتو، ولكنهم كانوا يعملون في رعي قطعان المواشي، والتي منحتهم رأس مال كبير مكنهم من السيطرة على الأغلبية من مزارعي الهوتو سيطرة اقتصادية، ولكن هذا الأمر لم يشكل عداءً بين القبيلتين، وجاء الزواج والوقت ليمحو الاختلافات الثقافية والاقتصادية بين القبيلتين، ويوحدهما في شكل ثقافي واحد، هو مزيح بين الثقافتين، ولم يعد هناك تفرقة طبقية بين الجهتين، ثم جاءت بلجيكا.

قبل أن نذكر دور بلجيكا في الحرب الأهلية التي اشتعلت في رواندا يجب أن نوضح لكم بعض الفروق في ملامح الوجه والشكل بين القبيلتين، قبيلة التوتسي يتميز مواطنوها بلون بشرة أفتح من بشرة مواطني قبيلة الهوتو، كما أن حجم أنف التوتسي أصغر، وقامتهم أطول، وما أن دخلت بلجيكا إلى رواندا، ولاحظت تلك الفروق الشكلية بين القبيلتين؛ حتى كونوا قناعة بأن قبائل التوتسي تعود أصولها الجينية إلى أصول أوروبية، على عكس الهوتو التي تبدو ملامحهم أفريقية تمامًا.

ولذلك قررت بلجيكا أثناء احتلالها لرواندا أن تصدر بطاقات هوية عنصرية لم يكن لها وجود من قبل، لتميز وتفرق بين القبيلتين، ومنحت أغلبية السيطرة السياسية لقبائل التوتسي، وكانت تلك التفرقة هي شرارة انقسام اجتماعي حاد أشعل فيما بعد حربًا أهلية في عام 1990، واستمرت أربع سنوات، قُتل خلالها أكثر من مليون شخص، كما اغتصبت ما بين 150 ألفًا إلى 250 ألف امرأة. 

من وجهة نظر المحتل البلجيكي، هو يريد اختيار الجهة الأكثر ذكاءً وحكمة لتولي السلطة في رواندا، وهو من وجهة نظره الملامح الأقرب للملامح الأوروبية، والأبعد عن الأفريقية، وكانت الطريقة الوحيدة لتحديد هذا الأمر هي بالنظر إلى وجوه القبيلتين، وإقرار أن أصحاب البشرة الأفتح، والأنف الأصغر، والأطول قامة، هم الأحق عقليًا وفكريًا لتولي السلطة السياسية في رواندا.

هذا الأمر كان له تأثير سلبي في نفوس قبائل الهوتو، والتي عاشت سنين طويلة تشعر أن لا شيء حقيقي يفرق بينها وبين قبائل التوتسي سوى بعض الأموال، ولكن بطاقات الهوية العنصرية التي أصدرتها بلجيكا للقبيلتين وضعت حاجزًا نفسيًا وفروقًا في المعاملة بين القبيلتين؛ لتشتغل حرب أهلية تقضي على فترة طويلة من السلام والتناغم بينها.

من الذي يُحاكم.. هم أم ملامحهم؟

«انظر سيادة القاضي على ملامحه البريئة.. هل هذه ملامح قاتل؟»؛ جملة قد نسمعها في الكثير من المرافعات القانونية بالدراما، وواقع الأمر أن تلك الجملة لا تندرج تحت بند الكوميديا، فملامح الشخص لها تأثير على نظرة القاضي له، والمدة التي سيحكم عليه بها، وفي كثير من الأحيان يحدث هذا دون وعي من القضاة، وليس عن ترتيب تحيزي مسبق، هي فقط قناعات راسخة وتوارثتها الأجيال.

في عام 2003 نُشرت دراسة أمريكية تحاول رصد ما يحدث في أحكام القضاء المتحيزة في ولايات إلينوي، وويسكونسن، ومينيسوتا، وهم الولايات الثلاث التي تعاني من أكبر تفاوتات عرقية في الولايات المتحدة، وفي تلك الولايات يُسجن الرجال ذوو البشرة السوداء بتهم تتعلق بالمخدرات بنسبة تزيد عن 50% من الرجال البيض، وما ألقت عليه الضوء هذه الدراسة، أن تأثير مخزون الفراسة على أذهان البشر بدأ يأخذ أبعادًا أخرى فلم يعد الأمر متعلقًا بالذكاء أو السمات الشخصية فقط، بل توسع وأصبح يشمل مدى إمكانية الفرد من ارتكاب الذنب أو الجريمة وفقًا لشكل ملامحه.

رصدت الدراسة أنه على مستوى الثلاث ولايات السابق ذكرهم هناك شخص واحد أبيض فقط يُسجن بتهمة تعاطي المخدرات مقابل 13 فردًا من أصل أفريقي، على الرغم من أن نسب التعاطي بينهما تكاد تكون متساوية.

المثير للاهتمام في هذه الدراسة، أنها رصدت أن هذا التأثير متبادل، فالرجل الأبيض معرض للحكم عليه بعدد سنوات أطول حينما يكون القاضي ذا بشرة سوداء، وبهذا تحوّل ما يسمى بالفراسة مع الوقت لشيء مطاط تطوّعه كل جماعة دون وعي منها لما اختبرته في حياتها من خبرات سيئة على يد جماعة معينة، ففراسة السود تخبرهم أن الرجل الأبيض رجل مذنب لأنه استعبد السود فترات طويلة، والرجل الأبيض فراسته تخبره أن الرجل السود بالضرورة مجرم ومرتكب ذنب وأقل ذكاءً وقدرة على النجاح من الرجل الأبيض.

لعلم الفراسة تاريخ طويل مع وصف المجرمين وتمييزهم وفقًا لملامحهم، وخلال منتصف القرن التاسع عشر، ادعى العالم الإيطالي تشيزري لومبروزو الذي وضع نظرية الإنسان المجرم، واعتبر أن من شأنها التعرف على المجرمين من خلال ملامحهم وهيكل الجمجمة، وقد كرس الكثير من وقته لدراسة ملامح وجماجم ما يقرب من ألف مجرم بين المتوفين والموجودين على قيد الحياة، وجاءت نتائج تلك الدراسات مؤكدة أن المجرم عادة ما يكون له أنف تشبه منقار الصقر، وله وجه عميق التجاويف، وشعر مجعد، ومفرط في طول القامة أو قصرها، وله أذرع طويلة، ورأس وجبهة صغيرة.

الأمر المهم أن العلم الحديث ودراساته الموثقة يؤكدون أن علم الفراسة والقواعد التي وضعت من خلاله عن علاقة الملامح بالسمات الشخصية والذكاء؛ مجرد علم زائف، إذا أخذنا في الاعتبار أن من وضع تلك الأسس لعلم الفراسة كان محملًا أيضًا بالقناعات والتجارب الشخصية والعرقية التي خاضها بنفسه، وتركت في نفسه تأثيرًا سلبيًا أو إيجابيًا جعله يمنع صاحب الجبهة العريضة سمة الذكاء، وصاحب العين الضيقة الصغيرة صفة الغباء.

«ملامحك تبدو إرهابية»

مرة أخرى في عام 1891 وفي ذروة مجموعة من التفجيرات في العالم الغربي، تحدث لومبورزو عن نظرية أخرى من شأنها تحديد ملامح وجه الشخص «الإرهابي»، والفرق بين المجرم العادي والمجرم السياسي، والذي يندرج تحت بنده «الإرهابيون»، وفي تلك الفئة الأخيرة أدرج العالم الإيطالي مجموعة من الثوار الوطنيين الإيطاليين، والرجال المتهمين بتفجير هايماركت بشيكاجو بالولايات المتحدة الأمريكية.

وجاءت نتائج بحثه تقول أن المجرمين العاديين كاللصوص والقتلة وتجار المخدرات عادة ما تكون فكوكهم ضخمة، ونسبة كبيرة منهم قد تصل إلى 60% ليس لديهم تناسق في ملامح الوجه، بينما وصف المجرمين السياسيين بأنهم يمتلكون تشوهات بالأذنين وشدد العالم الإيطالي على ضرورة ملاحظة تلك الملامح والحذر من أصحابها خاصة فيما يخص تدرجهم في عوالم السياسة، أو في إدانة أو تبرئة «الإرهابيين» في المحاكم.

في نهاية عام 2019 وضعت الإدارة الأمريكية 28 منظمة صينية على القائمة السوداء للولايات المتحدة بسبب مخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، ووفقًا لإفادة وزارة التجارة بذاك الوقت، كانت هذه الإجراءات ردًا على عدوان الصين ضد الإيجور والأقليات المسلمة الأخرى، ومن بين 28 شركة ومنظمة حكومية صينية أدركت تحت القائمة السوداء، كان هناك ثلاث شركات لتكنولوجيا التعرف على الوجه، وكانوا من أهم الشركات الناشئة في العالم بهذا المجال.

أما عن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فقد رصدت بعض الانتهاكات في حقوق الإنسان في الأنظمة الصحية والتعليمية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لترتيب أدوار المواطنين في العلاج والتعليم، ووجدت تلك الدراسات أن الذكاء الاصطناعي يمارس تلقائيًا هذا التمييز بين أصحاب البشرة البيضاء والبشرات الأخرى؛ ما يؤكد أن ما يسمي بمنهج الفراسة الذي ابتكره البشر قد مرروه إلى الذكاء الاصطناعي أيضًا.

علم الفراسة لدى الغرب استهدف نوعيات معينة من الملامح والبشرة لوصفها بالغباء والفساد، وفي كتابه « Physiognomie and Chiromancie» الذي نشر عام 1653 كتب ريتشارد سوندرز أن لون الوجه الأسود أو الغامق، أو الشاحب، والأنف الكبير المفلطح المنتفخ، والشفاة الغليظة، والشعر المجعد، يكون أصحابها خبثاء، وأغبياء، وغير منضبطين، وفاسدين، محذرًا أنهم على الرغم من كل تلك الصفات يطمحون للقرب من الملوك والأمراء.

برامج الذكاء الاصطناعي المعنية بالتعرف على ملامح الوجه، لا تطبق منهج الفراسة بمفهومه الواضح كالوصف السابق، وإنما هي تقنية تريم النقاط على الوجه وتقيس المسافات بين هذه النقاط لإنشاء بصمة للوجه، ثم تقارن تلك البصمات ببعضها البعض، لكن في نفس الوقت الادعاء بأن تلك التقنيات محايدة تمامًا هو تجاهل للأنماط العنصرية التي مررتها القوى السياسية لتلك الأنظمة التكنولوجية، والتي تمنح الأولوية في التعليم والعلاج لأصحاب البشرة الأفتح.

وفي السنوات القليلة الماضية أثبتت أكثر من دراسة علمية أمريكية أن الذكاء الاصطناعي قد ورث من البشر مفاهيمهم العنصرية عن ملامح الوجه، وهو الأمر الذي تجلى بوضوح في خوازرميات التعرف إلى الوجه، وهذا مثال بسيط على هذا التحيز الخاص بلون البشرة، ذكر تقرير نُشر العام الماضي 2020 أن الذكاء الاصطناعي الخاص بمايكروسوفت نشر خبرًا عن أحد أعضاء الفريق الغنائي البريطاني «ليتل ماكس»، وكان الخبر يخص المطربة جيد ثيرلول، لكن النظام التقني وبشكل خاطئ نشر مع الخبر صورة لإحدى أعضاء الفريق الأخريات، وهي لي آن بينيك؛ وذلك لأن كلتيهما من أصحاب البشرة السمراء، وقد عجز النظام التقني عن التفرقة بينهما بشكل صحيح.

وكشف التقرير عن استياء عضوة الفريق المنشور عنها الخبر؛ إذ قالت: إن خطأ الصورة مرتبط بمزحة عنصرية تستخدم ضد الفريق بالفعل؛ بسبب أنهم من أصحاب البشرة السمراء، والقول إنهم يشبهون بعضهم البعض.

ولكن هذا المثال هو الأقل خطرًا في هذا الأمر؛ فهناك أمثلة تعتبر أكثر خطورة فيما يخص التحيز ضد العرق أو الدين، فعلى سبيل المثال عادة ما يُرفض الشخص المسلم في بعض الوظائف ببعض المدن الأوروبية أو الولايات الأمريكية، وعليه فحينما يتقدم آخر إلى العمل في مؤسسة علمية ما ويخضع للاختبار الأولي، هناك احتمالية كبيرة أن يتعرض لمشكلة شبيهة فقط لأنه عربي أو لأنه مسلم؛ فالخوارزمية إذا لم يتدخل أحد لتعديلها يدويًا يمكن أن تمنح الأمر أكبر من حجمه؛ وهذا لأن في ذاكرتها التكنولوجية معلومات بأن ثلاثة مسلمين قد فشلوا في أداء هذه الوظيفة من قبل؛ ما يقلل من فرص قبول هذا الشخص في الوظيفة.

«علم الفراسة مجرد علم زائف، حتى وإن تصادف صدقه أحيانًا»؛ هذا التصريح للكاتب الأمريكي جواكين ميللر، يعد تلخيصًا سريعًا لما تناولناه في هذا التقرير، فربما وأنت تقرأ تلك الحقائق التي تنفي العلاقة بين الوجه ونسبة ذكاء الفرد، أو سماته الشخصية، تتذكر بعض السمات التي قرأتها عن الأغبياء في علم الفراسة وتقارنها بالأغبياء الذين قابلتهم في حياتك وتجدها سليمة، ولكن تلك الصدف لا يمكن أن تُدرج تحت بند العلم الموثق بالدلائل، فحتى الآن ووفقًا للدراسة الأخيرة التي نشرت بصدد هذا الشأن أصبحنا على وعي كاف بأن شكل الملامح والجمجمة ليس لهما أية علاقة بمخ الفرد وسماته الشخصية.

المصادر

تحميل المزيد