شهدت المنطقة العربية والإسلامية العديد من الثورات والاحتجاجات الشعبيّة عبر التاريخ، والتي تأجج بعضها بفعل السياسات الخاطئة في الحكم والإدارة، بينما اندلع الآخر ضد العدوان والاحتلال الأجنبي. ومن بين تلك الثورات، شهدت المنطقة العربية الثورة المهدية، التي اندلعت شرارتها الأولى في السودان.

وتُعد «الثورة المهدية» نقطة البدء للسودان الحديث، وانطلاقة سعيه للحصول على استقلاله، الذي ناله بعد اندلاع «الثورة المهدية» بـ60 عامًا؛ فكيف حدثت تلك الثورة؟ وما أسبابها؟ وعلام انتهت؟

ما قبل الثورة المهدية.. السودان قبائل وممالك متفرقة

بعد أن غزا حاكم مصر محمد علي باشا، الذي كان بدوره حاكمًا إقليميًا للإمبراطورية العثمانية في مصر، السودان في عام 1820، وتمكنت جيوشه في غضون عام من إخضاع السودان؛ أصبحت الخرطوم في عام 1822 عاصمة للسودان التي احتلتها مصر، ومركزًا بعيدًا عن سيطرة الإمبراطورية العثمانية ذات الأطراف المترامية.

كان السودان مجموعة قبائل متفرقة وممالك، ولم يكن دولة بالمعنى الحالي، وقد تضمن الحكم المصري للسودان فرض معدلات عالية من الضرائب، وأخذ العبيد من السكان المحليين عند الرغبة، فضلًا عن السيطرة المطلقة على كافة أشكال التجارة السودانية؛ الأمر الذي دمر سُبل العيش وممارسات السكان الأصلية. علاوةً على ذلك، بدأ تجنيد الرجال السودانيين في الجيش المصري، وخلال عملية التجنيد العسكري، كان عشرات الآلاف من الرجال والفتيان السودانيين، يلقون حتفهم في مسيرة ذهابهم الطويلة من المناطق السودانية النائية إلى أسوان بمصر.

انتهت ولاية محمد علي في عام 1848، لكن معاناة الشعب السوداني في ظل الحكم العثماني لم تنتهِ معها؛ إذ بدأ الحاكم الجديد في مصر إسماعيل باشا حملة لمكافحة العبودية في السودان عام 1863، وكانت العبودية البشرية آنذاك جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد المحلي للسودان، وكانت تجارة الرقّ تُشكل مصدر رزق للكثيرين؛ الأمر الذي زاد من شدة الاضطرابات في السودان.

ازدادت الأمور تعقيدًا بعد الاحتلال البريطاني لمصر، وتولِّي البريطانيين المسؤولية من أجل حماية مصالحهم في قناة السويس، وضمان سداد الحكومة للقروض التي تدين بها. وقد عُيِّن الجنرال تشارلز جوردون حاكمًا للسودان، الذي كثَّف على الفور حملة مكافحة العبودية، التي كانت قد بدأت قبل عقد من الزمان. لكن القادة السودانيين نظروا إلى ما تفعله بريطانيا على أنه محاولة أوروبية مسيحية؛ لتقويض الهيمنة العربية الإسلامية في المنطقة.

المهدي المنتظر يعلن عن نفسه

في أغسطس (آب) عام 1881، بدأت حركة ضد السلطات الحاكمة في السودان، تزعّمها محمد أحمد المهدى الذى أعلن أنه المهدى المنتظر الذى ينتظره العالم الإسلامي؛ ليخلص الإسلام مما علق به من انحرافات تُخالف تعاليم الدين الصحيح.

ولد محمد أحمد بن عبد الله المهدى في جزيرة «لبب» في عام 1844، وكان شغوفًا بالعلم الشرعي منذ صغره، واعتاد على محاسبة نفسه على كل صغيرة منذ حداثة سنه. نشأ المهدي هكذا حتى بلغ شبابه وتاقت نفسه إلى التصوف؛ فالتحق بأحد شيوخ الطريقة السمانية في عام 1861، وعمل على الالتزام بالنهج النبوي في كل شؤون حياته.

بعد ذلك، انتقل المهدي إلى جزيرة «أبا» ولجأ إلى غارٍ بها، وأخذ يتعبد فيه. وبعد أن أخذ نصيبه من الخلوة؛ خصّص وقته للتعليم؛ فاشتهرت مدرسته وحمل الناس إليه الهدايا لينفقها على تلامذته، وتبرّكوا بزيارته، وسكنت نفوسهم إليه. ولمّا علم المهدي أن الطريق إلى إعادة الإسلام إلى سيرته الأولى، يتطلب منه أن يحتل مركزًا دينيًّا مرموقًا؛ ذهب إلى الشيخ القرشي خليفة الطريقة السمانية في ذلك الوقت، ثم اتجه إلى غرب البلاد يزور رجال الدين هناك، وكان يُستقبل بالحفاوة لما عُرف عنه من التقوى والورع.

Embed from Getty Images

(محمد أحمد بن عبد الله المهدي)

وبعد وفاة الشيخ القرشي، التقى المهدي خلال الدفن برجل يُدعى عبد الله التعايشي، الذي كان مأخوذًا بشخصية المهدي وعلمه، وكان المهدي هو الآخر مأخوذًا بذكاء عبد الله رغم قلة علمه. أصبح الاثنان صديقين، وأخذه المهدي معه إلى جزيرة أبا، حيث أسرَّ المهدي له أنه أصبح يرى الرسول في يقظته، وأنه يُخبره أنه المهدي المنتظر. أخبر المهدي أيضًا أصحابه، وخاصته، وأهل بيته، وتلاميذه؛ فبايعه تلاميذه على نصرة المهدية. كان ذلك في مارس (آذار) عام 1881، ومنذ ذلك الحين سُمي كل من ناصره بالأنصار، كما أُطلق على أهل يثرب عندما بايعوا النبي محمد.

بدأ المهدي بالجهر لدعوته بعد عدة أشهر، وكان يأمر بالجهاد واتباع السنة النبوية؛ فكتب إلى كل الفقهاء وزعماء القبائل، بالإضافة إلى الحكمدار في الخرطوم ناصحًا إياه أن يُبايعه. وقد أرسل الحكمدار أحد معاونيه إلى المهدي ليتبين حقيقة الأمر، لكن جهود الحكمدار لم تُفلح في إيقاف المهدي عما بدأه؛ فهدده بإيقافه بقوة الحكومة.

شرارة اشتعال الثورة المهدية

كان العامل الديني والفكري في الثورة المهديّة المُحرّك الأساسي لها، والذي استطاع من خلاله المهدي تسخير وحشد الجموع، وكسب تأييد الناس لدعوته، وتحريضهم على التخلص من حكومة الخرطوم والقيادة السودانية -التي كانت تُسمى بـ «الحكمدارية»- وعدم دفع الضرائب لها. وقد كان جهل الحكومة البريطانية والمصرية بطبيعة الإسلام الصوفي، الذي تعلق به أهل السودان، وإرهاق الشعب بالضرائب، هو الشرارة التي أشعلت الثورة المهدية، التي قُدّر لها أن تكون عنوانًا لاستقلال السودان.

كذلك، لاقت دعوة المهدي قبولًا لدى السودانيين، ووجدت مناخًا ملائمًا لانتشارها وتوغلها؛ نتيجة انتشار المظالم وشيوع الفوضى في البلاد في ذلك الوقت؛ إذ أدَّت كثرة الضرائب التي فرضتها حكومة محمد علي باشا ومن جاء بعده على السّودانيّين، ومحاربتها لتجارة الرقيق في السّودان، إلى جانب النفوذ الغربي وتمكين بريطانيا نفسها من مقاليد الأمور في كل من مصر والسودان، وتدخُّل القنصليات البريطانيّة في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، إلى إحداث نقمة شعبيّة ونفور من الحكم الغربي، الذي اقترن بانتشار الأخلاق السيئة والقيم المبتذلة.

وعندما عَلِم روؤف باشا حكمدار السودان بخبر المهدى؛ أرسل إليه رسولًا يستدعيه إلى الخرطوم لمقابلة الحاكم العام، لكن المهدي رفض الذهاب؛ فأرسل رؤوف باشا قوة لإحضاره. جهَّز الحكمدار جنوده لقتال المهدي، الذين نزلوا إلى جزيرة أبا واعتقدوا أن مجرد ظهورهم سيرُد المهدي عن أمره. لكن رجال المهدي باغتوهم بالهجوم بأسلحتهم البسيطة؛ فقُتل معظم الجنود وفرّ البقية عائدين إلى الخرطوم، حاملين معهم نبأ أول هزيمة للحكومة منذ الاحتلال المصري العثماني. عُرفت تلك المعركة التي انتصرت فيها قوات المهدي بـ «معركة أبا»، وكانت أولى معارك الثورة المهدية التي وقعت في 12 أغسطس عام 1881.

وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 1881، لجأ المهدي بعد معركته الأولى إلى جبال النوبة، التي كانت تقع تحت إدارة راشد بك أيمن. وقد أراد راشد أن يُفاجئ المهدي بهجوم سريع، لكن أثناء تحركه مع جنوده، رأتهم سيدة من أتباع المهدي؛ فأسرعت إلى المهدي حتى أبلغته، فباغت المهدي راشدًا ورجاله قبل أن يصلوا إليه. وبحلول النهار، كان راشد بك جثة هامدة ومن حوله جنوده، إلا من فرّ منهم ليُبلغ الخرطوم بتلك المعركة.

عزَّز هذا النصر إيمان الناس بالمهدي؛ إذ عدوا ما حدث معجزة، إضافةً إلى أن مدير كردفان حاول الهجوم أيضًا، لكن صوت الطلقات التي كان يُطلقها رجال المهدي ليلًا أرهبه؛ فهرب بجنوده وعد أتباع المهدي ذلك من كراماته.

الاغتصاب الزوجي منتشر بالسودان.. «نورا حسين» التي قتلت زوجها ضحية أم مذنبة؟

«بعثة هيكس».. ما بعد اندلاع الثورة العرابية واحتلال الإنجليز مصر

بعد الفشل في التصدي للحركة المهدية، أرسل حكمدار السودان لمصر يطلب تعزيزات لإخماد هذه الثورة، لكن قيادة الخديوي توفيق في مصر كانت مشغولة في ذلك الوقت باندلاع الثورة العرابية، ولم يستطع أحمد عرابي، الذي كان يتولى قيادة الجيش المصري حينها، إرسال أي إمدادات إلى السودان، لخشيته من هجوم الإنجليز على مصر في أي وقت؛ الأمر الذي جعل الحكومة المصرية عاجزة عن إرسال أي نجدة للسودان.

هكذا حصل المهدي على مزيد من الوقت لمضاعفة قوته وزيادة أتباعه، وبالفعل ازدادت قوة المهدي وانتشرت دعوته في جميع أنحاء البلاد؛ وأصبحت الحركة المهدية حركة منظمة، سُمي مؤيدوها بالأنصار، ودعم السودانيون القيادة الدينية التي رفع رايتها محمد المهدي، الذي تمكّن في غضون سنوات قليلة من هزيمة الحُكم القائم في السّودان.

وبعد احتلال الإنجليز مصر في عام 1882، عيَّنت بريطانيا الجنرال تشارلز جوردون حاكمًا للسودان، في الوقت الذي كان جيش المهدي قد استولى على المنطقة المحيطة بالخرطوم. وبعد أن شكّلت انتصارات المهدي الواسعة مصدر قلق كبير للحكومة البريطانيّة في مصر والسودان، أرسلت الحكومة البريطانية بعثة عسكرية بريطانية مصرية مشتركة، تحت قيادة العقيد البريطاني ويليام هيكس؛ لشنّ هجوم مضاد ضد المهديين في عام 1883.

Embed from Getty Images

الجنرال تشارلز جوردون

سرعان ما هزم المهديون هيكس وقضوا عليه، وقرر البريطانيون إخلاء السودان. مع ذلك، استمر القتال بين المهديين والقوات البريطانية المصرية، التي دافعت عن الخرطوم في حصار طال أمده؛ حتى قُتلت الحامية بأكملها تقريبًا، وقُطع رأس الجنرال تشارلز جوردون، الذي قضى عليه الثوار في قصره خلال الهجوم.

أعطت هزيمة هيكس دفعة قوية للمهدي، وزودته بكثير من العتاد والمؤن، وساهمت في إقناع السودانيين المتشككين بصحة دعوى المهدي. وبعد مقتل جوردون، أصبحت الخرطوم حرة بعد أن سقطت على يد قوات المهدي في يناير (كانون الثاني) عام 1885. وقد كان لسقوط الخرطوم دوي كبير في مصر والعالم؛ إذ كان إيذانًا بحلّ الإمبراطورية المصرية في السودان، والقضاء على الحكم المصري.

وفاة المهدي.. السودان مطمعًا للغزاة

بعد استيلاء المهديين على الخرطوم، أصبحت حكومة المهدي أول حكومة سودانية منظمة، وكان لها بيت مال وعملة وجيش وحدود. لكن بعد ستة أشهر فقط من تحرير الخرطوم في عام 1885، توفي المهدي بالتيفويد عن عمر يُناهز 41 عامًا. وبعد وفاة المهدي مُفجر الثورة والأب الروحي لها، خلفه في الحكم عبد الله التعايشي الذي عيّن لنفسه مساعدين أُطلق عليهم لقب الخلفاء، وأسند إليهم حكم المُقاطعات التي أطلق عليها الإمارات.

جرى تطوير التجارة، والحرف، والطرق، وبناء المدارس، وكان جمع الضرائب من السكان، وجني أرباح تجارة الرقيق والعاج، والغنائم العسكرية، المصادر الرئيسية لإيرادات الدولة. واستطاع التعايشي الذي استبد بالحكم 13 عامًا أن يُكمل مسيرة الثورة، وتوسيع مساحة الدولة، إلا أنّ مطامحه الكبيرة، وتفاقم التناقضات الاجتماعية والاختلافات بين القبائل أضعفت الدولة السودانية.

فَتَرت الحماسة الدينية للحركة المهدية بوفاة المهدي، والتي كانت أساس الثورة المهدية. كذلك، فقدت الحركة روحها وتنظيمها مع ضعف سيطرة التعايشي على أجزاء الدولة المترامية الأطراف. وعلى أمل الاستفادة من الصراعات الداخلية، عاد البريطانيون إلى السودان في حملة عسكرية بريطانية مصرية جديدة، بقيادة اللورد هوراشيو كيتشنر في عام 1896.

نجحت الحملة العسكرية الجديدة في هزيمة جيش المهديين هذه المرة في معركة أم درمان، التي وقعت في 2 سبتمبر (أيلول) عام 1898، ونتيجة لذلك؛ تحوّل السودان إلى مستعمرة بريطانية. مع ذلك، استمر الكفاح المهدي الشعبي في السودان، بقيادة عبد الله التعايشي ضد الاحتلال البريطاني، حتى فراره بعد هزيمته في معركة أم دويكرات بعد أن انهارت قواته في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1899، وعُثر على عبد الله التعايشي وأُجهِز عليه؛ مُسدلًا بذلك الستار على انتهاء الدولة المهدية رسميًّا.

10 أسباب تخبرك لماذا استقل السودان عن مصر

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد