تكاد لا تخلو وسائل الإعلام من أخبار الحوادث في مجتمع العاملات في منازل الخليجيين، تارة هن يرتكبن هذه الحوادث، وأخرى ترتكب في حقهن العديد من الجرائم والانتهاكات.

في نظر العديد من المراقبين هناك ظروف مأساوية تتواجد فيها نحو مليوني خادمة يعملن في دول الخليج، إذ تعد الانتهاكات بحق العاملات المنزليات متأصلة رغم الإعلان المستمر قانونيًّا وحقوقيًّا عن تحسين أوضاعهن، بعضهن أجبرن على العمل قرابة 21 ساعة يوميًّا بدون راحة أو عطلة، أما الأنكى فهو عدم حصول بعضهن على الراتب البتة، أو تعرضهن للاغتصاب، أو التحرش الجنسي.

حادثة العاملة الإثيوبية

«امسكيني، امسكيني» كانت صاحبة هذه الصرخة تمسك بأطراف أصابع يدٍ واحدة بحافة نافذة زجاجية لمنزل في الطابق السابع، يظهر أيضًا مقطع الفيديو الذي قامت بتصويره ربة العمل الكويتية قولها للعاملة المنزلية بعدم اكتراث «يا مجنونة تعالي».

هذا الفيديو الذي أثار سخط الرأي العام العربي في الأيام الماضية، لم يقف عند تبرير السيدة الكويتية بأن العاملة كانت تنوي الانتحار، بينما هي وثقت تلك اللحظة لتثبت براءتها من قتلها، فسرعان ما انتشر فيديو آخر من داخل المستشفى الذي تعالج فيه العاملة بعد سقوطها على مظلة «كيربي» أسفل البناية ونجاتها، قالت العاملة إنها كانت تحاول النجاة من القتل داخل المنزل على يد تلك السيدة الكويتية.

تشكل هذه الحكاية حلقة جديدة في سلسلة الصراع بين عاملات المنازل، وأرباب العمل في الخليج العربي، ففي أهون نتائج هذا الصراع يحدث كثيرًا أن تخاطر بعض العاملات بالهرب بطرق تعرض حياتهن للخطر، كتسلق أسوار مبانٍ شاهقة، أو القفز من الشرفات، أو المشي لأميال في حر الصحراء.

ورغم المعاناة الأخيرة التي طرأت على عمليات استقدام العمالة المنزلية في دول الخليج، بسبب منع بعض الدول مواطنيها من العمل في العمالة المنزلية، على خلفية تدني مستوى الرواتب، وزيادة الانتهاكات، يستمر الخليج في استقدام العمالة من دول الصومال والنيجر وجيبوتي، ويستمر مسلسل الانتهاكات، والجرائم بحق العمالة المنزلية.

الاعتداءات الجنسية على العاملات

«قاومته، كنت أصرخ، لكن لم يكن هناك أحد حولنا، صفعني، وحين انتهى أعاد ارتداء ثيابه وتركني في الغرفة وحبسني فيها، ذهبت إلى الحمام ونظفت نفسي. وعدت فعاد بي إلى المنزل، كنت أبكي طوال الليل»، تلك شهادة العاملة الإندونيسية «ألت آرتي ل» لـ«هيومن رايتس ووتش» عن حادثة اغتصابها من قبل رب العمل حين أخذها لتنظيف منزل ثانٍ اشتراه.

في الأعوام الأخيرة أصبحت حوادث الاغتصاب والتحرش اللفظي والجسدي تزاحم الانتهاكات الأخرى التي تتعرض لها العاملات في دول الخليج، تلك النسوة اللواتي هربن من منازل مشغليهن بسبب التحرش الجنسي، إذ تساهم الظروف المعيشية كالنوم في مساحات مكشوفة، أو غرف غير مغلقة في تعرضهن لخطر التحرش الجنسي، وتذكر دراسة نشرتها صحيفة «الرياض»، أن المتحرش في الغالب يقع ما بين مرحلة المراهقة، أو الشيخوخة المتأخّرة، كما أن وجودهن الدائم في المنزل قد يغري البعض بالتحرش بهن، على سبيل المثال ذكرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن: «الكثير من النساء المغربيات اللائي يهاجرن للعمل في بعض الدول الخليجية يتم استغلالهن جنسيًّا، أو يتم تسخيرهن قسرًا لخدمة بعض الأسر في وضع أشبه بالعبودية».

من جانبها، تقول الخبيرة في حقوق المرأة في الشرق الأوسط لدى منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الباحثة «روثنا بيغم» التي أعدت التقرير الحقوقي «باعوني» الخاص بسلطنة عمان: «يحدث الاعتداء الجنسي في بعض الأحيان، قالت امرأة إنها تعرضت للاغتصاب من قبل ابن صاحب عملها البالغ من العمر 27 عامًا، وقالت امرأة أخرى إنها تعرضت للتحرش الجنسي من قبل ثلاثة أبناء كبار في الأسرة، في نهاية المطاف قالت لوالدتهم: أبناؤك لا يتركوني وشأني في الليل، وتوسلت للسماح لها بالمغادرة، رضخت الأم وسمحت لها بالمغادرة، ولكن صاحب العمل الجديد كان مسيئًا أيضًا وهدد بقتلها».

عاملة في منزل (المصدر: cnn العربية)

العمل الإجباري أو الاتجار

«دخلت حالة اكتئاب من جراء تمثيل هذا الدور وتأثرت كثيرًا به»، هذا ما قالته الممثلة الهندية «كافيا مادهافين» عن أثر أدائها لدور الخادمة في فيلم سينمائي (Gaddama) الذي يتحدث عن معاناة الخادمات في السعودية والخليج.

بالتأكيد، الواقع أكثر قسوة مما يفرضه العمل السينمائي عند التطرق لوضع معين، إنهن يعملن طوال النهار وغالبية الليل، وفي الكثير من الأحيان لا يحصلن على أجر، ويتعرضن لاعتداءات جسدية وجنسية، بعضهن تعرضن للضرب بالعصي واللكم والصفع والركل، وحتى الحرق بالماء أو الطعام الساخن، تقول «أسماء ك» من بنغلادش: «أجبر على العمل 21 ساعة في اليوم، لا يسمحون لي بالجلوس طوال اليوم. عندما قلت إنني أريد أن أغادر، أجابني: اشتريتك بـ1560 ريالًا عمانيًّا (4052 دولارًا أمريكيًّا) من دبي. أعيديها لي، وبعد ذلك يمكنك الذهاب».

وفي شهادة أخرى تقول عاملة إندونيسية: «كانوا يعتبرونني قذرة، لم يفكروا فيّ على أني إنسان، وقد عرفت هذا لأنهم لم يخاطبوني قط كشخص، كانت آداب السلوك لديهم منعدمة».

لذلك تؤكد رئيسة جمعية «حماية العمال الوافدين» في البحرين «ماريتا دياس»: «أن عاملات منازل أُجبرن على العمل في البحرين لمدة تصل إلى 15 عامًا من دون أجر، ومن دون أن يتم السماح لهن بالعودة إلى بلادهن»، وتقول الباحثة في حقوق المرأة في قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى المنظمة «روثنا بيغم»: «تخضع عاملات المنازل المهاجرات في عمان لسلطة أرباب العمل، وهن تحت رحمتهم المطلقة، ويمكن لأصحاب العمل أن يجبروهن على العمل دون راحة أو أجر أو غذاء؛ لأنهم يعلمون أنهن سيتعرضن للعقاب إن هربن».

أما منظمة «هيومن رايتس ووتش» فتؤكد أنه: «في حالات كان الاستغلال الشديد للعاملات المنزليات يرقى فيها إلى مصاف العمل الجبري أو الاتجار، وقد يرقى في بعض الحالات أيضًا إلى مصاف الاسترقاق بموجب القانون الدولي»، وهذا ما جعل ممثل منظمة (ميغرانتي) «نيل مورونا» يقول: «لطالما نظر بعض أصحاب العمل إلى خادمات المنازل نظرة الرقيق. إنهم لا يعاملونهن كبشر، ولكن كأجهزة منزلية يمتلكونها».

جرائم منزلية

«لقد قص شعري وحرق قدميّ بالماء الساخن»، كانت العاملة «لاتيكا» وهو تروى شهادتها تلك تشير إلى أماكن قص شعرها والحروق على قدميها، فعل ذلك كفيلها المواطن العماني الذي صادر جواز سفرها عندما طالبت براتبها الذي لم يدفع طوال خمسة أشهر.

طفلة سعودية تعرضت لاعتداء من خادمة (المصدر:العربية نت)

ولا يمكنا إغفال قضية المغربية «سعاد علوش» ذات الأربعين عامًا العاملة في السعودية، فقد نشرت سعاد فيديو تستغيث فيه كونها «محتجزة من طرف كفيلتها، وتعاني من استغلال وضرب وتنكيل»، ويعقب بيان مرصد شمال لحقوق الإنسان، وهو منظمة غير حكومية بالمغرب، على حادثة علوش بالقول: قد «أصبحت تتعرض لشتى أنواع التنكيل والمعاملة القاسية، سرعان ما تحول إلى احتجاز تعسفي وضغط من طرف مسؤولين بالقنصلية المغربية»، إذ تم: «الضغط عليها لتوقيع محضر يتضمن مغالطات بهدف إرغامها على التنازل مقابل إطلاق سراحها وعودتها إلى المغرب».

لكن هناك جرائم من العاملات أيضًا بحق الأسر التي يعملن فيها، ففي يناير (كانون الثاني) تعرضت طفلتان وأمهما للضرب من قبل عاملة إثيوبية في منطقة جازان (السعودية)، وهي مقيمة منذ أربع سنوات مع العائلة، إذ استقدمت لرعاية الابنةالكبرى التي تبلغ من العمر 13 عامًا وهي من ذوي الاحتياجات، حدث ذلك عندما بادرت الأسرة بإنهاء إجراءات سفر العاملة بسبب تصرفاتها الغربية في نظرهم مع العائلة.

القوانين بعيدة عن التطبيق

تلعب القوانين دورًا مهمًّا في اضطهاد العاملات، فحوالي 2.4 مليون عامل في دول الخليج من دول آسيوية أو إفريقية، غير مشمولين بقوانين العمل النافذة، وتعد قضية تغيير الكفيل الأصعب قانونيًّا، فما يزال احتجاز رب العمل لجواز سفر العامل أمرًا ساريًا رغم منع القانون حجز جواز سفر أي شخص آخر، كما لا تعتمد غالبية القوانين في الخليج الحد أدنى لأجور العمالة، وإنما يكتفى بتوقيع عقد بين صاحب العمل والعامل، وقد يخل صاحب العمل بالعقد، ولا يجد العامل سبيلًا للعودة لبلاده التي تركها وهو غارق في ديون السفر، وقد اعتاد أرباب العمل إلى مصادرة جوازات سفر العاملات إجراءً احتياطيًّا للتأكد من عدم هربهن.

وقد عد قيام الكويت بوضع حد أدنى لأجور العمالة المنزلية ودخوله القرار حيز التنفيذ، سابقة هي الأولى من نوعها في دول الخليج العربي، إذ يمنح القرار حقوقًا إضافية لعمال المنازل، كتحديد ساعات العمل بـ12 ساعة يوميًّا مع راحة، والحصول على 30 يومًا إجازة سنوية مدفوعة الأجر، يذكر أن تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية عن الاتجار بالبشر قد رفع الكويت من الدرجة الثالثة (الأسوأ) إلى الثانية.

ورغم انصياع دول الخليج لتعديل القوانين كي تتلاءم مع ظروف العمالة الأجنبية بسبب الضغوط الحقوقية الدولية، ما تزال العديد من الإجراءات لم تجد سبيلها إلى التطبيق، ولم تؤد إلى الحد من الانتهاكات بحق العمالة المنزلية، فالإمارات التي اتخذت بعض الإجراءات لصالح العمالة المنزلية، لم تفعل شيئًا لمعالجة ظروف العمل الجبري والاسترقاق والاتجار، وما يزال فيها نظام الكفالة، واستبعاد العاملات المنزليات سائر، ولا ينسى هنا تصنيفها عام 2014، بالمرتبة الأولى خليجيًّا في مؤشر العبودية.

كما تلعب الثقافة المجتمعية دورها، فمجرد الحديث عن السماح للخادمات بالخروج من المنازل في يوم العطلة، قال عنه المواطنون القطريون إنه: «سيخلق مشاكل، ولا يتماشى مع العادات والتقاليد الوطنية والأخلاق الاجتماعية، فيما تساءلوا عن مسؤولية سلامة العاملات أثناء فترة خروجهن من المنزل».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد