هذا التقرير عبارة عن محاولة لإنعاش ذاكرة العشق العربية ننثرها؛ لعلها تخصب أرضًا وقلبًا وعقلًا، في عصر يحتاج إلى الخصب والعطاء، قبل أن يغيب الحبُّ ويصبح ليس له وجود!

ويمكنك من خلال هذا التقرير أن تتعرف على 7 مجانين عشاق، غير مجنون ليلى الأشهر «قيس بن الملوح» ويشتركون في ثلاثة شمائل وهي أن هؤلاء العشاق استمروا طيلة حياتهم لا يعشقون إلا فتاة واحدة، والثاني أن يموت دون عشقه، والثالث، أن يكون شاعرًا يسطِّر قصته بالشعر، حيث نظم ما نظم من أحرف الحب بالقافية.

الحب – أعزَّكَ الله – أوله هزل، وآخره جد، وهو لا يوصف، بل إنه لا بد من معاناته حتى تعرفه والدين لا ينكره، والشريعة لا تمنعه. * الإمام ابن حزم الأندلسي

 

قبل الجنون وبعد الحب

اجتهد الفلاسفة في تعريف الحب، ولم يفلح – كما يبدو – أي منهم في العثور على تعريف جامع مانع له، فتناولوا صفاته وأحواله واشتقاقاته، فقال أفلاطون «إنما الحبُّ هو المطلع من اللاوجود إلى الوجود»، بينما عرفهُ ابن حزم مثلا في كتابه طوق الحمامة «إن الحب أوله هزل، وآخره جد، وهو لا يوصف، بل إنه لا بد من معاناته حتى تعرفه والدين لا ينكره، والشريعة لا تمنعه» ويمكن تعريفه بأنه عبارة عن شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخصٍ ما، أو شيء ما، وقد ينظر إليه على أنه كيمياء متبادلة بين اثنين، ولخصوصية هذا الشعور يفرز الجسم هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ «هرمون المحبين» أثناء اللقاء بين المحبين، والذي يفعل في المرء الأفاعيل.

وقد يكون الحب هو أعظم قوة في العالم يلعب في قلب الإنسان، ويخضع لقوة غير منظورة، تقوده الى حيث لم يكن راغبًا، وهو بعبارة أو بأخرى «الجنون!».

 

ولنبدأ الآن بسرد قصص العشاق المجانين.

 

1.      المرقش الأكبر .. مجنون أسماء

هو المرقش الأكبر واسمه عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيه المتوفي في 552 م، عشق المرقش ابنة عمه أسماء، غير أن أباها رفض تزويجه له وطلب مهرًا مستحيلًا، وهو أن يصبح من الرجال الأسياد وأن يرافق الملوك، فقبل العاشق الولهان الشرطان وارتحل الى اليمن، تلبية لعشقه، وبعد مدة صادق ملكها وعاد به إلى الديار، فوجد أن والدها قام بتزويج حبيبته الى غيره من الأثرياء؛ لما مرّ بقوم والد معشوقته من جدب وقحط. وحين اعترض المرقش على ذلك، أخبره عمه إنَّ أسماء ماتت، ولكنه سرعان ما اكتشف الخديعة فأخذ يجوب الصحاري والقفار بحثًا عن محبوبته ليموت بين أحضانها بعد أن عثر عليها أخيرًا بعد أن أنهكه المرض.

 

2.       يزيد بن الطثرية.. عاشق اليمامة

يزيد بن الصُمَّة بن سلمة بن قشير. كان شاعرًا وأديبًا وعرف بحسن خلقه وحلاوة منطقه وحديثه وكان ذا مال وشجاعة، وله منزلة كبيرة لدى قومه. قتل في أحد المعارك عام (126 هـ، 744م).

 

تقول كتب التاريخ أن يزيد بن الطثرية كان رجلًا جميل الوجه معسول الكلام لا همّ له سوى التغزل بالنساء إلى أن التقى بـ «وحشيَّة» التي أحبها حبًّا شديدًا حتى أنه مرض مرضًا شديدًا ولم يداوه إلا رؤيته لمحبوبته.

«وحشية» هي اسم محبوبة يزيد وكانت من أجمل النساء وأحسنهن، وكانت تنتمي إلى قوم يطلق عليهم «جرم»، وهم على عداء مع قبيلة «قشير» التي ينتمي إليها يزيد، وزاد الفراق بين العاشقين لدرجة أن عقل يزيد كان يذهب ويغيب عن وعيه كثيرًا فيذكرون له وحشيَّة، فيفيق على اسمها ويتخلله الأمل في لقائهما ثم ما يلبث أن يشتد به الوجع ويصيبه اليأس.

وذات مرة اهتدى الى راعٍ يعرف أمر وحشيه فاتفق معه على زيارتها متنكرًا كأنه أحد الشياه، تقول كتب التاريخ أن لقاء يزيد ووحشية سر به العاشقان كثيرًا فأدخلته حبيبته ليراها سرًا وجمعت عليه في الصباح من تثق به من صديقاتها ويظل يزيد يعيش على تلك الليالي الجميلة التي قضاها مع وحشية وكلما اشتاق إليها أكثر احتال لرؤيتها ووصلها أو أرسل إليها بأشعاره، غير أن التاريخ لم يخبرنا ما هي نهاية هذه القصة.

 

3.      المخبَّل وميْلاء

هو كعب، عبد الله بن أبي سعد الوراق، قصته مختلفة عمّا سبق إذ أنه عشق أخت زوجته التي كانت أجمل منها وأكثر حسنًا ورقة وتدعى « ميلاء» وسرعان ما وقع في غرامها، وحدث أن فاجأتهما أم عمرو زوجة كعب وهما يجلسان في صفاء فأخبرت إخوتها السبعة، فجمع الإخوة أنفسهم لحل هذه المعضلة واستنكار ما يحدث، غير أنَّ العاشق أسرع بالرحيل إلى الشام حياءً منهم، وبعد مضي رده من الزمن علم الأخوة بمكان كعب، فأرادوا أنْ يطمأنوا عليه ويزوجوه الميلاء، فجمعوا أمرهم وأخذوها معهم وفي الطريق التقى القوم قدرًا مع كعب على نبع ماء، فسأل ما الخبر؟ فقالو له إن الميلاء قد ماتت، فزفر كعب زفرة مات منها مكانه، ودفنا في قبرين متجاورين، إنها قصة عاشق هارب من عاطفتين صادقتين، زوجته أم ولده وأختها الحسناء!

 

4.      عبد الله بن العجلان.. عاشق زوجته

كان عبد الله بن العجلان أحد شعراء الجاهلية من قبيلة فهد، وكان وحيد والديه، وبينما كان عبد الله يمتطي جواده مر على نهر غسان، وقع في حب فتاة كانت تستحم في النهر وسرعان ما تزوجا.

وبعد مرور 8 أعوام أضحى حب عبد الله وهند حديث قبيلة بني نهد غير أن هند كانت عاقرًا وذلك كان مثار استنكار كبير من والد عبدالله، السيد في قومه والذي اهتدى الى حيلة ليرغم فيه ابنه على تطليق زوجه التي لا تنجب.

وحين كان عبد الله ثملًا أمره أبوه بتطليق زوجته ففعل، وحين استفاق عبد الله على نفسه وجد أنَّ زوجته ومعشوقته رحلت فأصيب بالجنون سيما وأنه سمع بزواجها من رجل من بني نمير، فهام عبد الله على وجهه، وجف بريق عينيه، ونحل عوده، وسقم بدنه، ولا يملك زيارة محبوبته للعداوات والحروب بين بني فهد وبني نمير، فتقطع قلبه حزنًا ولوعة.

 

أما هند فتعلم أن حربًا ستنشب بين نمير – أهل زوجها السابق – وبني فهد فأرسلت غلامًا لتحذيرهم إلا أن هذا باعد الشقة وقضى على أمل اللقاء بين عبد الله وهند، لكنه لم ييأس فأخذ يتسلل ليلًا إلى بني نمير حتى علم مكان هند، فجاءها في ليلة فرأى زوجها يسقي إبله وهي جالسة إلى جواره، فنزل عن جواده وجرى إلى هند التي قامت إليه، وبكى العاشقان وتعانقا، وزوجها ينظر إليهما في دهشة مذهولاً، وسرعان ما سقطت هند وعبد الله، فسارع الرجل يتفقد حالهما، فإذا هما بلا حراك، لقد ماتا في ذات اللحظة، فنادى في قومه، وحفروا لهما قبرًا واحدًا، ودفنا فيه معًا!

5.      مُرَّة بن عبد الله ومعشوقته ليلى

هو مرة بن عبد الله بن هليل بن يسار وكان شاعرًا مقلا في نظمه، وأوقف شعره فقط لليلى معشوقته، وهي ليلى بنت زهير بن يزيد بن خالد بن عمرو بن سلمة وكانا أولاد عم، وكان يهجوا كل من يتقدم لخطبتها واتخذ من الشعر سلاحًا يدافع به عن محبوبته، ففر الرجال من لذاعة الكلمات وقسوتها!

لكن رجلًا يسمى المنجاب بن عبد الله تقدم يخطبها وتم مراده، دون أن يسمع من هجاء مرة، أو ربما لم يلقِ له بالاً، وارتحل بها إلى مكان بعيد في اليمن فماتت ليلى بدورها كمدًا وحسرة على حبيبها، وحينما علم مرة بالخبر أغمي عليه ثم بات ينعي الناعون أنفسهم، وواصل ندبها ويكب وجهه على قبرها وظل ملازمًا له يبكي وينوح حتى لحق بها، إنه جنون العشق!

 

6.      عروة بن حِزام.. عاشق عفراء

أما عروة بن حزام بن مهاصر العذري المتوفي في 650 م يذكر التاريخ أنه أول العاشقين جنونًا حيث مات بالهرج من العذريين حيث لا يعرف له شعر إلا في «عفراء» بنت عمه ومعشوقته بنت عقال بن مهاصر، وتربى عروة يتيمًا في بيت عمه، وكان عقال يميل الى عروة ليزوجه ابنته عفراء، بيد أن أمها كانت ترفضه وتراه غير ذي مال، فطلبت منه أن يأتي بمهر كبير حتى توافق، فسافر إلى اليمن قاصدًا ذلك المهر أو الإبل المائة وفي تلك الفترة جاء أحد الاثرياء العرب وتزوج عفراء بإغراء السلطة والجاه والمال وقصدا الشام.

مضى عروة بعد أن يبحث عن معشوقته وبعد لقاء حميم بينهما، حاول إقناع نفسه أن الحياة تضمي بدون عفراء، فما استطاع، لقد أصابته انتكاسة شديدة جعلته يفقد توازنه، فيغيب عن الناس حتى يكاد قلبه يتوقف عن الخقفان وكان كلما أصيب بذلك، ألقوا على وجهه خمارًا لعفراء زودته به فيفيق من غيابه، ثم يعود مرة أخرى ومضت حاله كذلك حتى أسلم الروح إلى بارئها وبلغ الخبر معشوقته عفراء، وتظل عفراء تندب عروة وتبكي عليه حتى ماتت بعده بأيام قليلة، فدفنت عفراء إلى جانب قبر عروة ومن القبرين تنبت شجرتان غريبتان لم ير الناس مثلهما من قبل، نَمَتَا حتى تلتف إحداهما بالأخرى!

7.      جميل بن مَعْمر وبثينة

هو جميل بن معمر توفي سنة701 م، عاش في القرن الأول الهجري ولعلها من القصص البارزة التي بدأت في العصر الجديد وكان شاعرًا وراويًا، عشق فتاة تدعى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن ربيعة، وكانت تكنى أم عبد الملك وكانت قبيلة عذرة التي ينتمي إليها العاشقان مشهورة بالموت حبًّا، وكانوا يقولون عن أنفسهم نحن قوم إذا أحبوا ماتوا!

والكثير من الباحثين يُرجع مصطلح «الحب العذري» إلى هذه القبيلة!

قصة جميل تبدأ حين كان يرعى إبله بوادي «بغيض» أما هو فأسلم نفسه للراحة، فجاءت بثينة ولم يكن يعرفها من قبل، تريد أن تملأ الماء، فأرادت أن تبعد الإبل عنها، فشق ذلك على الفتى، فقام إلى بثينة، التي خالها حمقاء، فعنفها على سلوكها وسبها، فردت سبه بسب آخر، وغالت فيه.

أدرك جميل كم هي رقيقة تلك الفتاة، وكم هو مليح سبابها فشعر بسهم الحب ينفذ إلى عمق قلبه فأحب سبابها وعلق بها

وكان العاشقان يتبادلان اللقاءات دومًا حتى ثارت قبيلة عذرة لذلك، وعتبوا عليه عتابًا كبيرًا وحالوا دونه ودون معشوقته، فالعرب تثور حين ينسب أحدهم إلى فتياتهن الشعر، ويتغزل بفتاة ما، فلم يكن أمام والد بثينة سوى تزويجها لغيره، فقرنها على فتى اسمه نبيه بن الأسود العذري، وحين علم جميل بالأمر ثار وأخذ يهجو قوم بثينة ويهزأ بهم وكله عشق وجنون، كما لم يحل زواج بثينة دون إصرار جميل على لقائهما وظلت العلاقة بينهما كما كانت من قبل، يزورها سرًا في غفلة من زوجها أو يلتقيان خارج البيت في الخلاء، وحين علم الأهل أهدروا دمه وقرروا قتله! وأخذ يجوب الصحاري هربًا من أهلها والسلطان حتى حل بمصر بعد شقاء ومرض، وهناك لقي صديقًا له، فوهبه كل ماله – قبيل موته – شرط أن يهدي حلية من ثروته الى بثينة في قومها، وحين علمت بثينة بالأمر بكت بكاءً مرًا حتى تقول كتب التراث إنه يومٌ لم يُر بكاء أكثر منه!

 

 الحب العذري

وبعد.. فالحكاية لم تطوَ بعد

فلم تنته قصص الحب المجنون، وثمة عشرات إن لم نقل المئات من تلك القصص التي يميتُ الحبُّ أصحابها لسبب أو لآخر، غير أن العرب في غالب الأمر كانت مشاعرهم أكثر من غرائزهم هي الدافع، وهذا ما نقله الأصمعي ذات مرة حين سئل عن الحب فأجاب: «أمتِّع عيني من وجهها وسمعي من حديثها وأسترُ منها ما يحرُمُ كشفُهُ إلا عند حله».

عرض التعليقات
تحميل المزيد