في واحدةٍ من أكثر صفحات تاريخ «الجمهورية الإسلامية» دمويةً، وفي أعقاب الحرب الإيرانية – العراقية، أقدمت الجمهورية الإسلامية في 17 من يوليو (تموز) 1988 على إعدام الآلاف ممن دعموا حركات الجهاد أو التمرد اليساري المسلح في وجه «السُلطة الثورية الإسلامية» ولا تزال الأرقام الحقيقية لهذه المذابح التي استمرت قرابة خمسة أشهر مجهولة بيد أن منظمة العفو الدولية سجلت ما يزيد عن 4 آلاف حالة اختفاء من بين السجناء السياسيين منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

تقول الجماعات المعارضة إن ضحايا هذه المجزرة يُقدرون بنحو 30 ألفًا من السجناء السياسيين لكن لا تقارير دولية أو رسمية دقيقة حول الحادث. قُتل هذا العدد الهائل تحت سمع وبصر آية الله الخميني، وكان القضاء مشرفًا على المذابح بحقّ المعارضين، الذين أُلقيت أجسادهم فيما بعد في منطقةٍ مهجورة، عُرفت باسم «كفرستان  – أرض الكفار» و«لعنت آباد – أرض الملعونين».

كان حمام الدم الذي أريق اختبارًا لورثة الجمهورية الإسلامية من بعد آية الله الخميني، غير أن أقربهم إليه وهو آية الله العظمى حسين منتظري، الذي كان معدًا لخلافة الخميني مرشدًا للثورة وقائدًا للبلاد، استقال احتجاجًا وتقاعد في قمّ، حتى مات فيها عام 2009، بينما كانت أحداث الثورة الخضراء مشتعلة.

كشف المستور عن «لجنة الموت»

شهد الصيف الماضي، أغسطس (آب)، مفاجأةً من العيار الثقيل. بطلُ هذه المفاجأة رجل دين من المعارضين لحكومة الجمهورية، أحمد حسين منتظري، نجل آية الله حسين منتظري، سابق الذكر. شريط صوتي مسجَّل لوالده مع أربعة من رجال الدين، عُرفوا حينها بـ«لجنة الموت»، كان من بينهم آية الله إبراهيم رئيسي. وقد تولَّى النظر في القضايا بأمرٍ من مرشد الثورة، الخميني، وكان رئيسي حينها يشغل منصب نائب المدعي العام بالعاصمة الإيرانية طهران.

وشملت اللجنة خلافًا لإبراهيم رئيسي، كلًّا من مصطفى بور محمدي (وزير العدل الحالي في إدارة الرئيس روحاني)، ومرتضى إشراقي، وحسين علي نيّري (نائب رئيس المحكمة العليا الإيراني). عوقب منتظري الابن بأن عُرض للمحكمة المختصة بمحاسبة رجال الدين، وزيد في التنكيل به أن أشرف على محاكمته السيد إبراهيم رئيسي، وحُكم عليه بالسجن 21 عامًا، وتجريده من امتيازاته الدينية، وارتأت المحكمة تخفيف الحُكم عليه، لكبر سنه (60 عامًا) ولعدم وجود سجل جنائي له، وإكرامًا كذلك لشقيقه الذي راح ضحية إحدى الهجمات التي شنها متمردون ضد الثورة عام 1981.

رئيسي مرشحًا رئاسيًا

في الأول من أبريل (نيسان) الحالي أعلنت وزارة الداخلية الإيرانية الجدول الزمني، الذي بموجبه تجري انتخابات الرئاسة الإيرانية في نسختها الثانية عشرة، وأُعلنت القائمة النهائية في العشرين من الشهر ذاته لتضم فقط ستة أسماء، أبرزها بلا شك الرئيس الحالي حسن روحاني، والسيد إبراهيم رئيسي، والسيد محمد قادر قاليباف، عمدة طهران العاصمة.

وبحسب المتابعين فإن المنافسة تكاد تنحسر في الثنائي، روحاني ورئيسي، وكلاهما على طرفي نقيض على الخريطة السياسية، فبينما يمثل روحاني تيار الإصلاح يمثل رئيسي رجال الدين المحافظين. لا سيما وأن رئيسي ربما يتوج مسيرته في المناصب الرسمية بهذا الترشح.

ولد رئيسي عام 1960، واندلعت الثورة الإيرانية وهو لم يزل دون العشرين. لم يكد يُتم عقده الثاني حتى عُين نائبًا عامًا لمدينة كرج، غربي طهران، وبعدها بأعوام خمسة (1985) اختير نائبًا للمدعي العام للعاصمة، وفي أعقاب الحرب الإيرانية العراقية كلفه مؤسس الجمهورية ومرشدها الأعلى، آية الله الخميني، بالنظر في ملفات قضائية تتعلق بالإرهاب، المتمثل حينها في حزب توده وجماعة مجاهدي خلق. وبعدها بعامٍ واحد (1989) صار مدعيًا عامًا لطهران.

في 2014، عُين مدعيًا عامًا لإيران، واختاره خامنئي بعد ذلك بعامين ليكون سادنًا (أي خادمًا) للعتبة الرضوية المقدسة، وهي المؤسسة الخيرية الأكثر ثراءً في العالم الإسلامي، والمنظمة المسئولة عن أكثر أضرحة إيران قدسية، وتملك المؤسسة الدينية العملاقة، التي تتبع ذراعها الاقتصادية 36 شركة ومعهدًا مُدرجين في قائمة على موقعها الإلكتروني، مناجم ومصانع نسيج ومصنعًا للأدوية، وشركة نفط وغاز كبرى.

«كَتِف قانوني» أم مغامرة محسوبة؟

كانت الجارديان البريطانية قد نشرت على موقعها الإلكتروني، مطلع العام الحالي، تقريرًا حول التخمينات بشأن إمكانية خلافة إبراهيم رئيسي لمرشد الثورة الحالي، المريض، السيد خامنئي.

ولفتت الصحيفة النظر للطريقة التي يتناول بها الإعلام الإيراني سيرة الرجل، فيكفي أن وسائل الإعلام حاولت ترقيته دينيًا، فأعطته درجة (آية الله) تجاوزًا ولم يحزها بعد، وسياسيًا جرى تعظيمه في حضرة الرئيس روحاني، وكانت الصحف المحسوبة على تيار التشدد الإيراني تعلق على لقاء الرجلين على النحو التالي؛ «لقاء بين الرئيس ورئيس العتبة الرضوية».

على هذا النحو تمت ترقيته والحط من رئيس الجمهورية الحالي، تمهيدًا للعبه دورًا أكثر فعالية في هرم النظام السياسي الإيراني. ويلعب رئيسي على وتر معاداة الغرب، وأن التقارب الذي دفع باتجاهه منافسه، الرئيس الحالي، لم يحُل مشاكل شعبه، لأن قرار الحل بيد الإيرانيين وحدهم دون الغرب.

التساؤل الذي يبدو ملحًّا في أمر ترشحه، الذي يبدو وكأنه تم بمباركة من المرشد؛ هل أقدم رئيسي على الترشح للرئاسة لتكون خطوته التمهيدية لقيادة البلاد بعد خامنئي؟ فمعلومٌ أن ترتيبات البيت الإيراني من الداخل – حال وفاة خامنئي – ستعتمد بشكلٍ كبير على التوازنات الموجودة في حينها. أم تكون خسارته أمام روحاني – إذا ما كانت – نهاية المشوار الخاص به، ليفسح المجال لغيره. الأمر ربما يشبه – وإن اختلفت السياقات تمامًا – بترتيبات الكرملن إبان فترة حكم يلتسن الثانية، والتي أخرجت لنا المخلِص، فلاديمير بوتين.

روحاني لا يزال الأوفر حظًا

ما يمكن أن يضر بحظوظ روحاني في الفوز بفترة رئاسية ثانية أنه أعلى كثيرًا من رصيد الأمل في نفوس الإيرانيين، ونعود في هذا ليوليو (تموز) 2015 حيث الاتفاق النووي مع الدول الكبرى، والذي هو إنجاز روحاني الأعظم، وسلاح أعدائه الأعمى.

لا يزال عالقًا في الأذهان المشهد الحافل لعودة وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، من فيينا بعد أن أتم الصفقة التاريخية مع الدول الكبرى. لحظة أشبه بلحظات الربيع العربي الأولى، حيث الآمال معقودة وكأن الثمار طابت وحان وقت قطافها.

لا يزال الشعب الإيراني غائبًا عن حصد الثمار، التي لن تأتي دون تشريعات جديدة تسمح للمستثمرين أن يضخوا أموالهم في السوق المتعطشة، لا تزال إيران بحاجة لتقويض إمبراطورية الحرس الثوري الاقتصادية التي لا تخضع لرقابة الحكومة.

شن أحمدي نجاد، الذي تضاعفت في عهده العقوبات الاقتصادية، ولا تزال إيران اليوم تدفع ضريبة شعبويته في الحكم، شن هجومًا – قبيل استبعاده من السباق – على روحاني، لأنه أبرم الاتفاق بلا مقابل. كذلك السيد إبراهيم رئيسي، يتهم روحاني بالتقارب المخزي مع الغرب، بينما حلّ المشكلة الإيرانية بيد الإيرانيين.

ما يجعل روحاني الأوفر حظًا، بالرغم من هذا، أنه ابتداءً لم يخالف الخطوط العامة لخامنئي خارجيًا، وحتى الاتفاق النووي ما كان ليقدم عليه إلا بإيعاز من خامنئي. الحرب في سوريا ودعم الأقليات الشيعية في اليمن، وتصعيده المتزايد مع المملكة العربية السعودية وأمريكا وإسرائيل يجعل منه محافظًا تقليديًا وإن بصيغةٍ أخرى، ولا يستلزم سخط المؤسسات الفاعلة في إيران، وعلى رأسهم مرشد الثورة.

سيكون سهلًا اغتيال رئيسي معنويًا على خلفية ماضيه الدموي، لا سيما وأن الإعدامات كما ذكرت منظمة العفو الدولية شملت أطفالًا ونساءً، ولم تقتصر فقط على المتمردين من الرجال.

مرشَّحو الظل

أقر مجلس صيانة الدستور ترشيح أربعة أشخاص آخرين، خلافًا لروحاني ورئيسي، وهم محمد باقر قاليباف، عمدة طهران منذ العام 2005، ترشح في رئاسيات عام 2005، التي واصل فيها للنهاية كل من رفسنجاني وأحمدي نجاد. وأعاد الكرة بالترشح لرئاسيات 2013، وحل ثانيًا بعد روحاني، بفارقٍ كبير في الأصوات «حاز روحاني 18 مليون صوت، بينما حاز هو 6 ملايين فقط».

وله مشاريع ضخمة يشهد عليها سكان طهران، سعى لاستقطاب الأصوات بامتلاكه برنامجًا انتخابيًا واضحًا وملموسًا على الأرض، مركزًا على مشاكل البطالة والسكن والزواج، والإدمان. وأحد شعاراته الانتخابية «آن الأوان لإسكات الشعارات والبدء بالتطبيق العملي».

وجهٌ آخر تقدمه الانتخابات الرئاسية الحالية، وهو إسحاق جهانغيري، النائب الأول لرئيس الجمهورية الحالي، والمرشح المنافس حسن روحاني. شغل إسحاق عدة مناصب سياسية كان أهمها وزارة الصناعة والمناجم في حكومة الرئيس، سيد محمد خاتمي. وثالثًا، مصطفى مير سليم، ويعتبر أول من تقدم بأوراق ترشحه من بين كل المرشحين. كما شغل منصب وزير الثقافة في حكومة رفسنجاني الثانية. وأخيرًا، مصطفى هاشمي طبا، والذي عمل وزيرًا للصناعة في حكومة رفسنجاني.

عرض التعليقات
تحميل المزيد