استسلامان عوضًا عن استسلام واحد…


تعتبر الحرب العالمية الثانية إحدى أسوأ اللحظات في تاريخ البشرية على الإطلاق، وقد تواجهت فيها على مدى 6 سنوات أمم مكونة بما مجموعه ملياري إنسان، وفقد فيها نحو 80 مليون شخص حياته.

ويحتفل العالم منذ بداية هذا الأسبوع بالذكرى 70 لاستسلام ألمانيا النازية وانتهاء الحرب بأوروبا، غير أنه وعلى العكس من المتوقع، فإن الحلفاء المنتصرين لا يستغلون هذه الذكرى لإحياء توحدهم ضد الفاشية والكراهية، بل إن الاحتفالات بانتهاء الحرب تعكس إلى أي مد يتسع الشرخ بين العالم الغربي والدول السوفيتية السابقة، فإذا كانت الدول الغربية تعتبر الثامن من مايو نهاية للحرب في أوروبا، فإن روسيا ومن يدور في فلكها يعتبر التاسع من مايو هي النهاية الفعلية ويحتفل بها تبعًا لذلك.

تشرح لكم ساسة بوست أسباب هذا الاختلاف، وكيف ساهمت العوامل الإيديولوجية والتعصب الوطني في تكريسه، وكيف عادت إشارته بقوة في ظل حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

بدأت الحرب العالمية الثانية بسلسلة انتصارات خاطفة وحاسمة في كل من أوروبا وإفريقيا وآسيا للدول المحور، لكن سرعان ما عاد التوازن بدءًا من فشل الغزو النازي للاتحاد السوفيتي سنة 1943 في معركتي ستالينغراد وكورسك، مرورًا بدحر الفيالق الإفريقية لألمانيا وإيطاليا بإفريقيا، مرورًا بالإنزالات المتتالية لدول الحلفاء بالدار البيضاء والجزائر وصقلية ثم إنزال النورماندي الشهير، وهنا بقي السؤال، من سيكون له شرف الإجهاز على هتلر.

انتهت سنة 1944 بسباق دموي نحو برلين، فكان الجيش الأحمر من الشرق وجيوش الولايات المتحدة وبريطانيا ومن معهما من الغرب في إحدى أشد مراحل الحرب دموية وقسوة، ومع نهاية شهر أبريل من سنة 1945، كان العلم السوفيتي يرفرف في برلين عاصمة الرايخ، وانتشرت أنباء وفاة هتلر كالنار في الهشيم، وبذلك بدأت المفاوضات الخاصة باستسلام ألمانيا.

مكان استسلام القوات الألمانية في ريمس (فرنسا)، وقد تحول الآن إلى متحف

كانت القيادة الألمانية تفضل الاستسلام للولايات المتحدة ومن معها نظرًا للوحشية التي كان يعرف بها الجيش الأحمر تجاه الساكنة الألمانية انتقامًا لما لاقته الدول السوفيتية من صنوف العذاب من طرف الجيش النازي قبل بضع سنوات، لذلك فقد تم توقيع أول صك لاستسلام ألمانيا من طرف الجنرال الألماني الشهير يودل، وذلك بمدينة ريمس الفرنسية حيث المقر المؤقت لقائد قوات الحلفاء الجنرال الأمريكي أيزنهاور، وبحضور ضابط الاتصال السوفيتي الجنرال سوسلاباروف، وذلك يوم السابع من مايو، على أن يدخل حيز التنفيذ على الساعة الـ11 ليلًا من نفس اليوم.

استسلام ألمانيا بهذا الشكل في مقر القوات الأمريكية أثار حفيظة ستالين، الذي اعتبر أن لجيشه الفضل الأكبر في دحر النازية واحتلال برلين، إضافة إلى أن الجنرال سوسلاباروف كان مجرد ضابط اتصال عسكري مع الحلفاء، ولم تكن له الصلاحية القانونية لتوقيع عقد الاستسلام، لذلك اشترط كتابة صك جديد وأن يوقع في برلين (الواقعة تحت الاحتلال السوفيتي آنذاك) وبحضور كبار قادته، وهو بالفعل ما تم إذ إنه تم إعداد صك استسلام جديد وقعه المارشال كايتل القائد العام للقوات النازية، وذلك بحضور المارشال (المشير) زوكوف أشهر قادة الجيش الستاليني وقت الحرب، وقد تم توقيع النص الجديد يوم 8 من مايو الساعة 11 ليلًا، أي يوم 9 من مايو الساعة الواحدة ليلًا بتوقيت موسكو.

ومنه فقد احتفظ الغربيون بذكرى الـ8 من مايو كيوم لاستلام ألمانيا، فيما يعتبر الاتحاد السوفيتي 9 من مايو التاريخ الرسمي للانتصار على النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية.

المارشال (المشير) كايتل يوقع صك الاستسلام في برلين نزولًا على رغبة ستالين

كيف يحتفل بنهاية الحرب؟

يعتبر يوم الـ8 من مايو يوم عطلة رسميًّا في أغلب الدول الغربية، وفيه تقام احتفالات رسمية (قد يغلب عليها الطابع العسكري كما في فرنسا وبريطانيا، أو سياسية كما هو الحال في الولايات المتحدة).

وتعتبر ألمانيا الاتحادية يوم 8 من مايو “عيدًا للتحرير”، وتشمل الاحتفالات معظم العواصم والمؤسسات الرسمية الأوربية.

في الجهة المقابلة، أي دول حلف وارسو السابق (دول أوروبا الشرقية والوسطى الشيوعية)، تبدأ الاحتفالات يوم 9 من مايو وتسمى “ذكرى الحرب الوطنية الكبرى”، ويكون أوجها الاستعراض العسكري في الساحة الحمراء والذي كان يستعمله الاتحاد السوفيتي ومن بعد روسيا لإيصال رسائله العسكرية والسياسية ولإعطاء شحنة وطنية متجددة.

ما هي دلالات الاختلاف في تاريخ الاحتفالات؟

 “الرئيس الأوكراني بوروتشينكو (يمين) حول احتفالات أوكرانيا من الـ9 إلى الـ8 من مايو نتيجة للصراع مع موسكو”

للوهلة الأولى يبدو الاختلاف تقنيًّا محضًا، لكن في الواقع فإن هذه الظاهرة أخذت بعدًا إيديولوجيًّا وجيوسياسيًّا حادًا يتسع كلما اشتد الاختلاف بين روسيا والغرب، لا سيما في الفترة الراهنة حيث يعكر المشكل الأوكراني صفو العلاقات بين موسكو وغيرها من العواصم الأوربية.

ويعتبر تاريخ الاحتفال بنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا من دلالات الانتماء لمعسكر أو لآخر

فقد عمدت الدول السوفيتية السابقة (لا سيما بولندا ودول البلطيق) لاعتماد تاريخ 8 من مايو (عوضًا عن الـ9) مباشرة بعد استقلالها واصطفافها السياسي مع الدول الغربية.

ويبقى خير دليل على ذلك احتفال أوكرانيا بنهاية الحرب يوم 9 من مايو لمدة 69 سنة، إلى أن تقرر تحويل تلك المناسبة إلى يوم 8 مايو نتيجة للتوتر الحاد مع روسيا.

أيضًا، تعتبر مشاركة الزعماء أفراح بعضهم البعض مؤشرًا على حسن أو توتر العلاقات، فنتيجة للحرب في شرق أوكرانيا قاطع معظم الزعماء الغربيين استعراض الساحة الحمراء هذه السنة، بما في ذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي اعتبرت الاحتفال مع موسكو “غير مناسب” نظرًا لما تشهده أوروبا من أحداث.

استعراض الساحة الحمراء لهذه السنة

وفي المقابل، أعاد فلاديمير بوتين بعض العادات السوفيتية إلى استعراض موسكو العسكري، من خلال الأطقم والرايات والموسيقى العسكرية المعتمدة، حتى إنه اعتبر في خطابه لسنة 2014 أن الـ9 من مايو هو احتفال وطني يعكس تضحية الشعب السوفيتي ضد النازية، عكسًا لما دأب على ترديده في خطاباته السنوية عن عالمية احتفالات الانتصار وكونية قيمة الحرية,

ويبقى أوج استفزازات بوتين للغرب من خلال “ذكرى الحرب الوطنية الكبرى”، استدعاؤه لفرقة عسكرية من شبه جزيرة القرم المتنازع عليها للمشاركة في استعراضات الساحة الحمراء في السنة الماضية.

ورغم أن بوتين نفسه هذه السنة اعتمد خطابًا تصالحيًّا تجاه “الشركاء في الانتصار”، لكن يبقى يوما الـ8 والـ9 من مايو مرشحين لمزيد من التصعيد في ظل انعدام أفق التعاون بين القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، لا سيما بسبب أزمات أوكرانيا، وسوريا ودروع الصواريخ الأمريكية والروسية على السواء

الفيديو الكامل لاستعراض الساحة الحمراء للسنة الحالية، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفيه نلاحظ بسهولة العودة القوية للرموز السوفيتية


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد