4,057

النفط، والغاز، لا شك أنّهما محور الصراعات في الشرق الأوسط، سواء السياسية، أو الاقتصادية، في الماضي والحاضر. وهما أكثر ما يميّز كثير من دول المنطقة عن باقي دول العالم؛ إذ يعتبر الشرق الأوسط مخزنًا كبيرًا للسلعتين الأكثر أهمية في العالم، إلاّ أنه مع تنامي الاعتماد على الطاقة الشمسية، ققد يعتقد البعض أنّ دور دول الشرق الأوسط فيما يخصّ الطاقة قد شارف على الانتهاء، لكن البيانات الطاقويّة كشفت في الفترة الماضية أن المنطقة ستحافظ على مكانتها؛ كونها خزّانًا للطاقة حتى بعد انتهاء عصر النفط.

فكما غيّرت الاكتشافات النفطية في الشرق الأوسط من ملامح استهلاك العالم للطاقة، سيكون أيضًا مركز التغيير المرتقب نحو طاقة نظيفة ومتجددة، وخلال السطور القادمة سنستعرض كيف أصبحت المنطقة مخزنًا للطاقة في الماضي والحاضر والمستقبل، من خلال مناقشة المحاور الثلاثة: «النفط – الغاز – الطاقة الشمسية».

النفط.. رغم أزمة الأسعار الخام يشغل المساحة الأكبر بخريطة الصراع العالمي

يعد النفط السلعة الأكثر أهميةً في العالم، فهو مسؤول عن سد أكثر من ثلث الاستهلاك العالمي من الطاقة، كما أن البلدان الغنية بالنفط تعتمد بشكل أساسي على هذه السلعة لنموها الاقتصادي. ومنذ اكتشافه في عام 1859، لا يزال حتى الآن يشغل مساحة كبيرة من خريطة الصراع العالمي، ويشكّل العصب الرئيس للطاقة، رغم المحاولات العالمية الحثيثة للبحث عن بديل له بأسعار تنافسية، لهذه الأسباب، فإن الدول التي تمتلك احتياطات نفطية كبيرة، يمكن وصفها بالمحظوظة؛ لأنها تمتلك قطاعًا مهمًا للاستثمار الرأسمالي، ومحورًا أساسيًا لصراع الرأسماليات، والشركات، والدول، ومقاولي النقل.

وترى منظمة الدول المصدّرة للبترول «أوبك»، التي تستحوذ على نصيب الأسد من النفط، أنّ صناعة النفط الخام بدأت في العودة إلى حالة الانتعاش، وأنّ ذلك تحقّق في ظل وجود أساسيات سوق شاملة وقوية؛ وذلك بعد الهبوط الكبير الذي سجّلته الأسعار منذ منتصف 2014، وقالت المنظّمة خلال تقرير لها نشر مؤخرًا: إنّ نمو الطلب العالمي على النفط الخام وصل إلى معدل قويّ، بواقع 1.6 مليون برميل يوميًّا في عام 2018، وهو نفس المستوى المسجل العام الماضي.

بعد تمديد خفض الإنتاج.. 3 عوامل تحدد مصير أسعار النفط في المستقبل القريب

«لم تنته أوبك، ولم ينته عصر النفط بعد»، كان هذا مضمون ما أراد محمد باركيندو الأمين العام لـ«أوبك» تأكيده خلال التقرير الصادر عن المنظمة، قائلًا: إن مستقبل أوبك مشرق ومبشر، مدللًا على ذلك بقدرتها على تجاوز كثير من الصعوبات والأزمات، ويعدّ بناء «منصة عالمية» للتعاون بين المنتجين حدثًا تاريخيًا نادرًا تم تسطير أوّل سطوره بإعلان التعاون في 10 ديسمبر (كانون الأول) 2016؛ إذ تم التوافق على خفض المعروض النفطي العالمي بنحو 1.8 مليون برميل يوميًّا، وقد تم تمديد الاتفاق مرّتين بتوافق واسع بين المنتجين؛ ليستمر الاتفاق حتى نهاية عام 2018.

استمرار عصر النفط، وتماسك «أوبك» لمدّة أطول، يعني أن بريق الشرق الأوسط سيستمر كونه عصب هذه الصناعة، فيما يوضح الإنفوجراف التالي مكانة صناعة النفط في الشرق الأوسط.

الغاز.. انتعاشة قوية تعزز صدارة الشرق الأوسط

يتوقع منتدى الدول المصدرة للغاز الطبيعي ارتفاع الطلب على الطاقة عالميًا خلال ربع القرن المقبل بنسبة 30% بحلول عام 2040، مقارنة بمستواه عام 2015، على أن تكون حصة الغاز من مزيج الطاقة المستخدم في العالم 25% بحلول 2040، بينما من المتوقّع أن ينمو إنتاج الغاز الطبيعي المسال بنسبة 2.8%، وارتفاع طاقة التسييل بنسبة 40%، إذ إن هناك نحو 532 تريليون متر مكعب من الموارد المتوافرة من الغاز الطبيعي في العالم، منها 178 تريليون متر مكعب احتياطيات مؤكدة.

على الجانب الأخر، وبحسب تقرير لشركة «بي.بي» فقد شهد الاستهلاك العالمي من الغاز الطبيعي قفزة كبيرة خلال العام الماضي 2017؛ وذلك بارتفاع نسبته 1.7%، مقارنة بنمو نسبته 0.6% في 2014، فيما صعد الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي بنسبة 2.2%، ونمت تجارة الغاز الطبيعي العالمية بنسبة 3.3%، في الوقت الذي ارتفعت فيه واردات الشرق الأوسط من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 93.8%.

وتشير الأرقام المذكورة إلى أن الشرق الأوسط يعيش حالة كبيرة من انتعاش هذا النوع من الصناعة، خاصة في دولة قطر. فبحسب أجاي سينغ، المسؤول التنفيذي السابق بقطاع الغاز في «شل»، فإن «تكلفة إنتاج الغاز المسال في الدوحة من بين الأقل في العالم؛ إذ اتبعت قطر سياسة حصيفة تمثلت في تعظيم القيمة من أسعار السوق في أنحاء العالم».

وفي ظل احتدام المنافسة في سوق الغاز المُسال، ولا سيّما من أستراليا والولايات المتحدة وروسيا، وعزم إيران زيادة الإنتاج في حقل بارس الجنوبي، أطلقت قطر خطة لزيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 30%، والتي تعدّ بمثابة الطلقة الأولى في حرب الأسعار دفاعًا عن عملائها في آسيا، إذ فاجأت قطر أسواق الطاقة في منتصف 2017 بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال إلى 100 مليون طن سنويًّا، أي ما يعادل ثلث الإمدادات العالمية الحالية خلال فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات.

«تخمة المعروض».. هل يقترب الغاز من الوقوع في نفس فخّ النفط؟

وبالإضافة لقطر، فقد شهد قطاع الغاز في الشرق الأوسط خلال الأشهر الماضية العديد من التطورات، ليس أكبرها استئناف «توتال» أعمال التطوير في حقول الغاز الإيرانية؛ إذ تسعى «أرامكو» النفطية السعودية إلى رفع إنتاج المملكة من الغاز إلى 23 مليار قدم مكعب خلال السنوات العشر القادمة، في الوقت الذي باتت كل من مصر وإسرائيل على أعتاب دخول قائمة مصدري الغاز، فمصر تستعد لدخول المراحل الأولى لإنتاج حقول «شمال الإسكندرية»، و«ظهر»، و«أتول»، باستثمارات تبلغ 31 مليار دولار. وقد وقّعت إسرائيل عقدًا لمدة 10 سنوات، بقيمة 15 مليار دولار، لتصدير الغاز الطبيعي لمصر.

كل هذه المعطيات تشير إلى أن الشرق الأوسط ما زال في جعبته الكثير والكثير فيما يخص هذه الصناعة؛ وهو ما يعزّز مكانته الرائدة في هذا المجال. ويوضّح الإنفوجراف التالي ملامح سيطرة الشرق الأوسط على قطاع الغاز في العالم.

الطاقة الشمسية.. الشرق الأوسط مركز الطاقة في المستقبل

كان ولا زال الشرق الأوسط مركزًا لتغيير أنماط استهلاك الطاقة في العالم، وذلك بداية من اكتشاف النفط والغاز، وصولًا إلى اتجاه العالم إلى الطاقة النظيفة، وخاصة الطاقة الشمسية؛ إذ يتمتع الشرق الأوسط – بشكل خاص – بظروف فريدة تجعله مركزًا لهذا النوع من الطاقة؛ نظرًا لطول زمن سطوع الشمس على مدار العام في المنطقة، لاسيما في الصحراء، التي تتميز بها هذه المنطقة، ناهيك عن بعد المنطقة عن دائرة مخاطر الكوارث الطبيعية؛ وهو ما يعزّز مكانتها؛ باعتبارها مركزًا مستقلًا للطاقة.

جيفري بول، الباحث الأمريكي في جامعة ستانفورد، خلُص خلال دراسة له أن الشرق الأوسط سيقوم بتغيير أنماط استهلاك الطاقة عالميًا مجددًا، مثلما حدث منذ اكتشاف النفط عام 1859 عندما تحول العالم للاعتماد عليه بدلًا عن الفحم؛ إذ كان الشرق الأوسط له دور أساسي في هذا التحول.

في الإمارات تعمل البلاد على إقامة ما تطمح أن تكون أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم، بينما تسعى السعودية لتولّد وقودًا من الطاقة الشمسية بتكلفة تصل إلى ثلاث سنتات للكيلوواط؛ لتكون هي الأقل كلفة في العالم، بينما تهدف المغرب إلى توليد 52% من احتياجاتها من الطاقة من مصادر الطاقة المتجددة بقيادة الطاقة الشمسية بحلول عام 2030. في الوقت ذاته قطعت مصر شوطًا كبيرًا في هذا الاتجاه، سواء على مستوى محطة الطّاقة الشمسية الجديدة بأسوان، أو برج العرب، بالإضافة إلى الأردن؛ إذ  كانت من أوائل الدول التي سبقت الجميع بالمنطقة في الاعتماد على الطاقة الشمسية.

ودائمًا ما يكون الفارق الأساسي في ترجيح كفة أية منطقة بالنسبة للطاقة هو التكلفة، فبرميل النفط، الأقل تكلفة في دول الخليج، هو الذي جعلها في صدارة البلدان من الناحية الطاقويّة. الأمر أيضًا لا يختلف كثيرًا بالنسبة للطاقة الشمسية التي سيكون للشرق الأوسط النسبة الأكبر منها؛ بسبب التكلفة، إذ إنه مع وجود شمس مشرقة في أغلب أوقات العام، فإن التكلفة ستكون اقتصادية.

بعد أزمات النفط المتكررة.. هل تحل الطاقات النظيفة أزمة الطاقة في الجزائر؟

ومؤخرًا صدر تقرير عن جمعية الشرق الأوسط لصناعات الطاقة الشمسية حول توقعات الطاقة الشمسية 2018، متوقعًا أن تصل السوق في الإمارات وحدها إلى 60 – 70 ميغاواط في عام 2018، وذلك بارتفاع بنحو ثلاثة أضعاف عن المعدل المحقق في 2017. هذا النمو الكبير يقود الشركات العالمية للاستثمار بقوة في هذا القطاع في المنطقة، سواء بغرض تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة المتجددة أو التصدير، فبحسب شركة «سول برايت» الصينية، فإن منطقة الشرق الأوسط تعتبر سوق النمو الرئيسة المقبلة للشركة، إذ إنها بصدد التفاوض على مشروعات كبيرة في السعودية ومصر.

ويقول تقرير أعدته شركة «سيمنس» الألمانية الصادر مؤخرًا: «إن حصة مصادر الطاقة المتجددة في منطقة الشرق الأوسط، ستتضاعف بمعدل يصل إلى ثلاث مرّات بحلول عام 2035؛ إذ من المتوقع أن تعطي الطاقة الشمسية لهذه المنطقة قدرات إضافية تصل إلى 61 غيغاواط بحلول عام 2035»، بينما تعتبر «طوماسون – رويترز» أنه بحلول 2025 ستصبح الطاقة الشمسية هي مصدر التوليد الأهم للكهرباء في العالم.

كل هذه المعطيات ترجّح فرص الشرق الأوسط في الحفاظ على مكانته باعتباره مركزًا عالميًّا للطاقة في المستقبل، حتى مع نضوب النفط والغاز، وخلال الإنفوجراف نستعرض أهم مشروعات الطاقة الشمسية القائمة والمنتظرة في الشرق الأوسط.