بينما كانت الأنظار مُسَلَّطة على مقاطعة سورين شمال شرق تايلاند، حيث تُدَلَّل الأفيال في أكبر مهرجانٍ من نوعه عالميًا يُعقَد سنويًا خلال الفترة من 15 إلى 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019؛ لم يأبه كثيرون لمقتل زوجين مسنين يدعيان أنوكول خونكاو 60 عامًا وزوجته السيدة يوبين 55 عامًا، وإصابة حفيدتهما البالغة عامين في هجومٍ شنه مجهولون في منطقة ماي لان بمقاطعة باتاني الواقعة على الحدود الجنوبية.

على بعد آلاف الكيلومترات، وفي اليوم الأخير من مهرجان الأفيال التايلانديّ، الموافق 17 نوفمبر، كان مركز الأزهر للمؤتمرات يحتفل بتخرُّج دفعة جديدة من طلاب تايلاند، يبلغ عددها 110 خريجين من جامعة الأزهر، وستة من أحد المعاهد الأزهرية، بالإضافة إلى 70 طالبًا تخرجوا بتقديرات أكاديمية متميزة. استغل ساتا أراياكول، القائم بأعمال سفارة تايلاند بالقاهرة، هذا الاحتفال الذي يعقد للمرة الثالثة عشر، ليحث «الخريجين التايلانديين ذوي الفكر المعتدل» على «تنوير جموع المسلمين في وطنهم»، بعدما يعودون متسلحين بـ«فهمهم للدين الإسلامي من منظور الفكر الأزهري».

قبلها بأقل من شهرٍ، وتحديدًا يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول)، أحيا المسلمون في جنوب تايلاند الذكرى الخامسة عشر لمذبحة تاك باي، التي قُتل فيها 78 متظاهرًا مسلمًا اختناقًا، بعد اعتقالهم وربط أيديهم خلف ظهورهم وتكديسهم في شاحنات عسكرية تايلاندية، ولحق بهم سبعة آخرون برصاص قوات الأمن حين تجمعوا خارج مركز للشرطة للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين. يظل هذا الحادث الدموي عالقًا في ذاكرة مسلمي تايلاند، ليس فقط لأنه كان الشرارة التي أشعلت اضطراباتٍ واسعة النطاق، ولكن أيضًا باعتباره رمزًا للإفلات من العقاب.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
أبرز الوسائل السلمية التي أسقطت أعتى الأنظمة العسكرية الديكتاتورية

شرخ عميق بين مسلمي الملايو والقوميين البوذيين

للوهلة الأولى لا يبدو أن ثمة علاقة بين هذه الأحداث الأربعة المتفرقة، لكن المتأمل يجد أنها في الواقع تنبع كلها من شرخٍ عميقٍ في قلب هذا البلد ذي الأغلبية البوذية، نتج عنه حربًا دموية بين النظام الذي يقوده الجيش في تايلاند ومسلمي الملاوي في الجنوب الذين يطالبون بإنهاء استعمارٍ استمر لأكثر من قرن للمقاطعات المتاخمة لماليزيا.

ويلفت مجلس العلاقات الخارجية إلى أن «الأساليب الوحشية التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في بانكوك لمكافحة التمرد في الجنوب قد أدت إلى تفاقم الوضع، ناهيك عن إيجاد حل للعنف الانفصالي في المقاطعات الجنوبية ذات الأغلبية المسلمة، أو حلٍ لأزمة تضرب بجذورها في عمق أكثر من نصف قرن.

ويلعب الإسلام دورًا محوريًا في هوية مملكة فطاني، التي كانت تعرف سابقًا باسم سيام وضمتها تايلاند  في عام 1902. بهذا التاريخ احتفظت المنطقة بهوية متميزة، وعادات مختلفة، على مستوى الدين واللغة.

Embed from Getty Images

مع هذا المشهد العسكري الدموي في الخلفية، لم يكن مستغربًا أن يُصَوِّت مسلمو الملايو في استفتاء أغسطس (آب) 2016 بأغلبية ساحقة ضد الدستور الذي يضفي الطابع الرسمي على دور الجيش في السياسة، ويعزّز سلطات المجموعة العسكرية الحاكمة التي جاءت بانقلاب عسكري عام 2014، ويمنحها سلطة تعيين أعضاء مجلس الشيوخ بدلًا عن انتخابهم.

في المقابل، يخشي القوميون المتطرفون من أن اللامركزية – خاصة الحكم الذاتي الكامل – يمكن أن تؤدي إلى تفكك البلاد، أو حتى إنشاء دولة جمهورية؛ وهو السيناريو الذي يمثل لعنة للنخبة الملكية المحافظة، حسبما ورد في مقالٍ نشرته صحيفة «آسيا تايمز».

لكن إذا كانت النخبة الملكية تتنعَّم بالسلطة، فلا بأس أن تزهق أرواح المسلمين والبوذيين، وتزغرد زخات الرصاص كحدثٍ شبه يومي، إلى جانب الكمائن والتفجيرات، ولا ضرورة أيضًا أن يُقدَّم أي مسؤول إلى المحاكمة، ولو بعد مرور 15 عامًا على حادثٍ مأساويّ كمذبحةٍ تاك باي.

الجيش التايلاندي يخوص صراعًا مزدوجًا ضد المسلمين والديمقراطيين أيضًا

في الواقع كان الجيش في تايلاند على مدار أكثر من عقد من الزمان يخوض صراعًا مزدوجًا على جبهتين رئيستين: أولاهما؛ معركة دموية في الجنوب ذو الأغلبية المسلمة أسفرت عن مقتل أكثر من 7 آلاف شخص منذ عام 2004، وثانيهما صراع على المستوى الوطني تصطف فيه الجماعات المؤيدة للديمقراطية في مقابل المجموعات المؤيدة للجيش.

ومنذ أن وضعت الثورة حدًا للملكية المطلقة تايلاند في عام 1932، استولى جنرالات الجيش على السلطة 12 مرة، كان آخرها في عام 2014. من ذلك الحين، يشغل الجنرال برايوت تشان أوتشا منصب رئيس الوزراء. وبالرغم من أنه أعلن في يوليو (تموز) الماضي إنهاء الحكم العسكري قائلًا: إن «البلاد ستدار كديمقراطية عادية»، لا تبدو الشواهد على الأرض مُطَمْئِنَة لا للمسلمين في الجنوب، ولا حتى للبوذيين التوَّاقين للحرية.

ففي 14 أكتوبر الماضي نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقالًا للمعارض التايلاندي الذي يعيش في المنفى، بافين تشاتشافالبونجبون، ندد فيه بالملاحقات القمعية التي يتعرض لها المعارضون للنظام الملكي في تايلاند، وتصل أحيانا إلى حد الاختطاف وحتى القتل.

يوضح تشاتشافالبونجبون، وهو أستاذ مشارك للعلوم السياسية في مركز دراسات جنوب شرق آسيا بجامعة كيوتو، أن الانقلاب العسكري الذي وقع ضد حكومة ينغلاك شيناواترا في عام 2014 دفع مئات الأشخاص إلى الفرار من تايلاند والذهاب إلى المنفى، لولا أن يد القمع طالت المنشقين حتى في الشتات.

تايلاند.. آخر دكتاتورية عسكرية في العالم!

إذا عرَّفنا الديكتاتورية العسكرية بالمعنى الدقيق للكلمة على أنها حكم الطغمة العسكرية، أو الضابط العسكري الذي وصل إلى السلطة من خلال انقلاب، ثم لم يُجر انتخابات لتوفير غطاء شرعي، فإن تايلاند هي آخر دكتاتورية عسكرية في العالم، كما تقول أوجيني ميريو في مجلة «ذي أتلانتك».

يبدو من الصعب تصديق أن هذا البلد السلميّ والمزدهر في الظاهر، والذي يستقبل ملايين السياح كل عام، هو في الواقع ديكتاتورية عسكرية، ناهيك عن أنه آخر دكتاتورية عسكرية في العالم. بيدَ أن تايلاند مرّت بالعديد من الانقلابات العسكرية لدرجة أنها أصبحت حدثًا اعتياديًا في البلاد.

وانقلابات تايلاند لها طابع فريد؛ فعندما استولى الجيش التايلاندي على السلطة في 22 مايو (أيار) 2014، لم تسقط قطرة دم واحدة، سيطرت الدبابات على الشوارع، بينما استولى الجيش على القنوات التلفزيونية لإعلان الانقلاب.

في ذلك الوقت كانت هناك بعض الأنظمة العسكرية الأخرى في العالم، لا سيما في فيجي ومصر. لكن فيجي أجرت انتخابات في عام 2018، مما أضفى غطاء من الشرعية على القائد العسكري فرانك باينيماراما. حدث الشيء ذاته مع عبد الفتاح السيسي في مصر؛ حيث أجريت الانتخابات في عام 2014، ومرة ​​أخرى في عام 2018، لتوفير الغطاء ذاته.

أما في تايلاند، فلا تزال الأحزاب الموالية للجيش تخسر في صناديق الاقتراع. بل من المعتاد أن يخسر الجيش الانتخابات التي تسبق الانقلاب. لكن إذا لم يتقن الجيش التايلاندي لعبة تزوير الانتخابات، فلن يعدم تفصيل دستورٍ يُخضِع النظام السياسي بأكمله لسيطرته، بغض النظر عن الحزب الذي تختاره صناديق الاقتراع.

وبصرف النظر عن دور الملك، الذي يمنح الجيش مرونة مذهلة، تعد تايلاند دكتاتورية عسكرية مثلها مثل أي حكم عسكري آخر؛ الحكم بمرسوم ملكي، وقمع المعارضة، والرقابة على وسائل الإعلام، وحظر التجمعات العامة، بحسب مجلة «ذي أتلانتك».

لعبة الشرعية.. إعادة صياغة العلاقة بين الملكية والجيش

في خاتمة مقال البروفيسور بافين تشاتشافالبونجبون عن ملاحقة المعارضين التايلانديين في الشتات لفت إلى أن الجنرالات الذين لا يزالون يحكمون تايلاند ربما يكونون قد تمكنوا من الإشراف – كما كانوا يأملون – على انتقال السلطة الملكية بعد وفاة الملك بوميبول أدولياديج في أواخر عام 2016، لكن «شرعيتهم اليوم أقل من أي وقت مضى، وهم يعرفون ذلك».

والحديث عن الشرعيَّة في بلد الانقلابات غريبٌ، ليس فقط لأنها كلمة غير معتادة على الآذان، ولكن لأن تفاحة السلطة حين تنضج لن تسقط في سلّة المسلمين التواقين للحكم الذاتي، ولا حتى البوذيين الذين تقطعت حلوقهم عطشًا للحرية، بل سيتلقفها الملك ماها فاجيرالونجكورن 67 عامًا الذي ورث عن أبيه ثروة تقدر بـ30 مليار دولار، وما خفي بالتأكيد أعظم، وأثار قدرًا كبيرًا من الجدل منذ اليوم الأول لظهوره.

Embed from Getty Images

يقول المراقبون السياسيون إن الملك الجديد وضع ثقته في كبار جنرالات الحرس الملكي، وهو فصيل مختلف عن جماعة برايوت تشان أوتشا الذي قاد انقلاب عام 2014 ويشغل منذ ذلك الحين منصب رئيس الوزراء.

والحال هكذا، يبدو أن حرس الملك مهيأ للسيطرة على الجيش خلال العقد القادم. ويعد فهم هذا التحول أمرًا حيويًا في تحديد الوجهة التي قد تسلكها البلاد بعد دورة الانقلابات التي لا تنتهي، حسب توقعات مروان ماكان – ماركر، مراسل مجلة «نيكي آسيان ريفيو».

النظام القديم ينهار.. ماذا ينتظر تايلاند مستقبلًا؟

يقول الخبراء في الجيش التايلاندي: «إن أحد أسباب الانقلابات المتكررة هو التنافس بين الفصائل داخل الجيش. ومنذ نهاية الملكية المطلقة في عام 1932، شهدت البلاد 13 انقلابًا ناجحًا من أصل 22 محاولة، كان الخيط المشترك بينها هو كيفية تقسيم الغنائم؛ فالفصيل الفائز يكافئ جنرالاته على حساب الآخرين».

«الآن، هذا النظام القديم ينهار على وقع طبول التغيير التي يتردد صداها من داخل القصر»

وفقًا لجريجوري فنسنت ريموند، وهو أكاديمي أسترالي ومؤلف كتاب صدر حديثًا بعنوان: «القوة العسكرية التايلندية». ويضيف: «نحن ندخل حقبة جديدة تمامًا. في هذه الحقبة، ربما تنحسر أهمية الفصائل لأن الجيش أساسًا يعيد التفاوض الآن على علاقته مع النظام الملكي». وهي العلاقة التي تعتبر جوهر النظام الفريد لهذا البلد.

Embed from Getty Images

تحدث الآن إعادة هيكلة كبيرة للوجود العسكري في بانكوك، من المتوقع أن يستمر لمدة 15 شهرًا. ويشمل ذلك نقل وحدات الجيش من العاصمة إلى المقاطعات المجاورة، مثل فوج المشاة الحادي عشر وكتيبة الفرسان الرابعة، وهي تعتبر قوات خط المواجهة الرئيسة في شن الانقلابات. لكن الآن سيكون الأمن في بانكوك من مسؤولية قوات النخبة في الحرس الملكي التي تتلقى أوامرها مباشرة من الملك.

فقد تحول هؤلاء الحراس الملكيون من وحدة احتفالية إلى قوة جاهزة للقتال. وهم يتدربون مع وحدات من فرقة المشاة الأولى وفوج المشاة الثاني على الانتشار السريع ومكافحة الشغب. وزاد عدد هذه الوحدة الخاصة إلى 5 آلاف فرد، وسينضم أيضًا أعضاء من فوج المشاة الأول إلى التجهيزات الملكية الجديدة، المشار إليها رسميًا باسم «الحرس الملكي 904».

يرى البعض أن هذه التغييرات تشبه تحريك قطع الشطرنج، بهدف فحص ولاءات الجنرالات. ويقول الباحث التايلاندي سوناي فاسوك: إن «إعادة نشر القوات في معسكرات خارج بانكوك تخلق محيطًا دفاعيًا جديدًا، ويبدو أن ذلك جزء من عقيدة عسكرية جديدة ينتهجها «الحرس الملكي 904» في مركز التأثير».

ومع سيطرة الحرس الملكي على القوات المسلحة، ووجود بانكوك تحت العين الساهرة للحرس الملكي 904، يتوقع وزير الخارجية السابق كاسيت بيروميا أن يكون مستقبل تايلاند مختلفًا عن ماضيها قائلًا: «لا مزيد من الانقلابات بعد اليوم».

إذا صحَّ ذلك فليبتهج الملك ماها فاجيرالونجكورن بعرشه الذي ورثه عن أبيه، لكن هل سيكون في هذه الفرحة نصيب لمسلمي الجنوب التواقين للانعتاق من ربقة «الاستعمار»، أو طلاب الحرية الذين تختنق آمالهم في جنبات تايلاند منذ سنوات؟

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
«أغنية راب» أسقطت حكم العسكر.. عندما هُزمت الطغمة العسكرية في تايلاند بالقافية

المصادر

تحميل المزيد