يجادل البعض في واشنطن بأن الولايات المتحدة لا تمتلك خيارًا سوى دعم النظام العسكري الجديد في مصر، ويرون أن الجيش، رغم أن بعض تكتيكاته التي قد تكون مكروهة، أفضل من البديل المفترض (الإخوان المسلمون)؛ لأنه ودودٌ مع الغرب.

من يتبنون هذا الزعم، ربما يستندون إلى صورتهم الذهنية السابقة عن نظام الرئيس السابق حسني مبارك، لكن من الواضح أنهم لا يولون اهتمامًا وثيقًا لنظام الجنرال عبد الفتاح السيسي.

منذ قيادته انقلابًا ضد حكومة محمد مرسي المنتخبة في يوليو، حوَّل الجنرال السيسي وسائل الإعلام المصرية إلى جهاز دعاية، يشنَّ حملة عداء ضارية ضد أمريكا، وتبث قنواته التلفزيونية وصحفه بانتظام هجمات شرسة على مسئولين ودبلوماسيين أمريكيين، ويضفي مصداقية على نظريات مؤامرة شعواء حول المكائد الغربية ضد مصر.

وها قد اتخذ النظام خطوة غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث؛ بسجن وملاحقة المراسلين الغربيين المحترفين العاملين في القاهرة. كما داهمت قوات الأمن في ديسمبر غرفة فندق تستخدمها قناة الجزيرة القطرية الإنجليزية كمكتب إنتاج، وأظهر فيديو بثَّه التلفزيون المصري الإثنين كيف استجوبت الشرطة الصحفي الأسترالي بيتر غريسته، والمنتج التلفزيوني المصري الكندي محمد فهمي، ثم قبضت عليهما، وكلاهما مهنيٌّ معروف؛ حيث عمل السيد فهمي سابقا في CNN، وعمل السيد غرسته كمراسل حول العالم لصالح رويترز وBBC، ومنظمات أخرى.

خلال أسابيع الاعتقال، حاول الصحفيون وزملاؤهم إقناع السلطات بأنهم “علقوا وسط صراع سياسي لا ناقة لهم فيه ولا جمل”، على حد وصف السيد غريسته، في رسالته التي بعثها من سجن طرة بالقاهرة.

لكن ممثلوا الادعاء رفعوا سقف المخاطرة الأسبوع الماضي، باتهام اثنين من الصحفيين و18 آخرين  بدعم منظمة إرهابية وبثّ معلومات كاذبة، واتُّهِم ثلاثة مواطنين أجانب آخرين؛ وهم بريطانيَّيْن متواجدَيْن خارج مصر، والصحفية الهولندية المستقلة رينا نيتجيس، التي فرَّت من البلاد الإثنين.

وينتمي معظم من يخضعون للمحاكمة إلى قناة الجزيرة، التي يتهمها النظام بالتآمر مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حاليًا، صحيحٌ أن القناة (والحكومة القطرية) كانا يدعمان إدارة مرسي نسبيًّا، إلا أن التهم مثيرة للسخرية، بل إن السيدة “نيتجيس” – التي لم تعمل في قناة الجزيرة – يُعتَقَد أنها اتُّهِمَت ببساطة؛ لأنها أجرت لقاءً مع السيد “فهمي”.

ومن السجن، كتب السيد غريسته أنه كان في جولة بمصر لبضعة أسابيع فقط، مضيفًا: “حقيقة أننا قُبِض علينا بسبب ما يبدو أنه مجموعة من القصص غير المثيرة للجدل نسبيًّا يخبرنا بالكثير عما يُعتبر “طبيعيًّا” وما هو خطير في مصر ما بعد الثورة”.

تُضاف هذه الاعتقالات إلى كومة متزايدة من الأدلة التي تخالف ادعاء إدارة أوباما بأن النظام الجديد في مصر يُجرِي انتقالاً نحو الديمقراطية، وفي تحوُّلٍ عن لهجتها الداعمة عادة، أدانت وزارة الخارجية الأسبوع الماضي ملاحقة الصحفيين، قائلة: “إنها خاطئة، وتدل على استخفاف فاضح بحماية الحقوق والحريات الأساسية”، ولمَّا كان يجب على الإدارة أن تشهد أمام الكونجرس بأن مصر “تتخذ خطوات صوب التحول الديمقراطي”؛ من أجل الإفراج عن 1.5 مليار دولار من المساعدات السنوية، فإن عليها إخبار الجنرال السيسي أنها لن تفعل ذلك بينما يُلاحَق الصحفيين.

علامات

حريات
عرض التعليقات
تحميل المزيد