في 14 أغسطس 2013، عندما فضت قوات الجيش والشرطة اعتصامي “رابعة والنهضة” للرافضين لما وصفوه “انقلابًا عسكريًا”، شهدت مصر  “أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع في تاريخ مصر الحديث” وفقا لتقرير مشترك أصدرته منظمتا العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش ، حيث قتل ما يزيد عن 1000 قتيل في تصريح لرئيس الوزراء حينها حازم الببلاوي، في الوقت الذي أكد فيه “التحالف الوطني لدعم الشرعية” أن عدد القتلى 2600، ذلك بالإضافة إلى آلاف المصابين، أرقام مفزعة دفعت محللين إلى القول بأن ذلك اليوم يعتبر أعلى عدد قتلى  شهده العالم الحديث في “يوم واحد”، وبالرغم من تلك الأرقام، لم تجف دماء المصريين  وعاشت مصر أيامًا دموية أخرى، نغطي في هذا التقرير أبرز 4 منها.

1 ـ أحداث مسجد الفتح: دماء التضامن مع ضحايا «الفض»

تنديدًا بالدماء التي سالت في  فض اعتصامي “رابعة والنهضة”، انطلقت -في 16 أغسطس- تظاهرات ضخمة قصدت ميدان رمسيس أمام مسجد الفتح، سميت المظاهرات من قبل القائمين بها “جمعة الغضب” في استدعاء لذكرى جمعة الغضب التي عاشت فيها الداخلية حالة من الفوضى العارمة يوم 28 يناير 2011، مظاهرات واجهتها قوات الأمن المصرية  ما أدى إلى سقوط ضحايا اختلفت المصادر في تحديد عددهم بشكل دقيق، مصادر رسمية صرحت أن الأحداث أسفرت عن مقتل 44 شخصًا وإصابة 59 آخرين بينهم 22 من قوات الأمن، فيما أكدت منظمة “العفو الدولية” أن الشرطة قتلت ما لا يقل عن 121 متظاهرًا في محيط ميدان رمسيس، في الوقت الذي أصدر “التحالف الوطني لدعم الشرعية” بيانه الـ66 الذي أكد فيه أن حصيلة القتلى في كافة المحافظات المصرية 213 متظاهرًا، في الوقت الذي تجاهلت فيه لجنة “تقصي حقائق الـ30 من يونيو” أحداث مسجد الفتح بالأساس.

أثناء الاشتباكات اتجه مئات المتظاهرين والمصابين إلى  “مسجد الفتح”  الذي تحول إلى مستشفى ميداني، وتعذر الخروج منه لمحاصرة قوات الأمن له، تزامنا مع بدء ساعات حظر التجوال، وفي صباح 17 أغسطس اقتحمت قوات الأمن المسجد واعتقلت ما يزيد عن 600 متظاهر بينهم مصابون، ووجهت إليهم تهم ارتكاب جرائم تدنيس مسجد الفتح وتعطيل إقامة الصلاة به، بالإضافة إلى ما ذكرته النيابة في تحقيقاتها “أن مرتكبي الأحداث هاجموا قسم شرطة الأزبكية، وألقوا تجاهه العبوات الحارقة “مولوتوف” والقنابل المفرقعة والمسيلة للدموع، ثم أطلقوا نيران أسلحتهم النارية الآلية بكثافة صوب قوات تأمين القسم ، فقتلوا 210 مواطنين من بينهم أمين شرطة، وأصابوا 296 من بينهم 47 ضابطا وفرد شرطة”، في الوقت الذي صرح فيه اللواء مدحت المنشاوي- مساعد وزير الداخلية ومدير الإدارة العامة للعمليات الخاصة المكلف بفض تظاهرات مسجد الفتح  عقب اعتقال المتظاهرين:  “بعدم  وقوع أي إصابات من الجانبين”، عندما سئل “في إصابات من الشرطة؟”، قال “لا مننا ولا منهم” كما يظهر الفيديو التالي:

 

 

 

وتم إخلاء سبيل 104 متهم على جلسات مختلفة، ووصل عدد المعتقلين حاليا من تلك الأحداث 494، وتم تأجيل القضية مؤخرا من 6 يناير إلى 8 فبراير القادم تحت سبب تكرر مرتين على التوالي وهو تعذر حضور المتهمين، والجدير بالذكر أن قاضي “براءة مبارك” محمود كامل الرشيدي  قد تنحى عن نظر القضية “لاستشعاره الحرج” في 12 أغسطس 2014.

2- سيارة ترحيلات أبو زعبل: الإعدام البطيء بدمٍ بارد

وانهار أهالي المعتقلين بمنظر أجساد ذويهم التي بدت منتفخة وعليها تشوهات في مختلف أنحائها وهو ما يبرزه الفيديو التالي:

 

 

ولم تختلف المصادر الرسمية والحقوقية والحزبية في عدد القتلى فأجمعوا على مقتل 37 معتقلًا، و على إثر تلك الواقعة تم تقديم 4 من رجال الشرطة إلى المحاكمة  من أصل 15 رجل شرطة رافق السيارة بتهمة الإهمال، وكان من اللافت للنظر أن تلك الواقعة تم تصنيفها على أنها جنحة وليست جناية ما يعني أن أقصى عقوبة لتلك الواقعة كجنحة هي الحبس 3 سنوات كحد أقصى وغرامة لا تزيد عن 100 ألف جنيه!  وليست جناية، التي يمكن أن تصل العقوبة فيها إلى الحكم بالمؤبد أو الإعدام، وفي 7 يونيو  2014 ألغت محكمة جنح مستأنف الخانكة الحكم الصادر ضد عمرو فاروق نائب مأمور قسم مصر الجديدة بالسجن 10 سنوات، وكذلك ضباط القسم الثلاثة على حكم حبسهم سنة مع إيقاف التنفيذ.

وفي سياق متصل، كانت قناة الشرق قد  بثت تسريبا صوتيا لمكالمة تليفونية بين  عباس كامل –مدير مكتب عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيرًا للدفاع-  مع اللواء ممدوح شاهين  -المستشار القانوني للمجلس العسكري وأحد أعضائه، وبحسب التسريب، طلب كامل من شاهين التدخل لدى القضاء من أجل مساعدة ضابط- ابن لواء جيش- متهم بالقتل الخطأ في واقعة ترحيلات ومحاولة تسوية الأمر القانوني له، وهذا نص التسريب:

3-أحداث 6 أكتوبر 2013: “ناس بترقص وناس بتموت”

بعد أحداث”الفض” مرورًا بأحداث مسجد الفتح وصولا لواقعة “ترحيلات أبو زعبل”، ظهر أنه بمرور الوقت ينخفض مؤشر القتلى حتى جاءت أحداث 6 أكتوبر 2013 ذلك اليوم الذي دعا فيه “التحالف الوطني لدعم الشرعية” لتظاهرات تحت اسم “اليوم الأخير للانقلاب” وأعلن عن نيته للدخول إلى ميدان التحرير-حيث تجمهر مؤيدو السيسي استعدادًا للاحتفال بالذكرى الـ40 لنصر أكتوبر- وعلى وقع نغمات الأغنية المؤيدة للسيسي”تسلم الأيادي” و الأضواء والألعاب النارية  في ميدان التحرير، قامت قوات الأمن بالاعتداء على المظاهرات  المعارضة وخصوصًا تلك التي كانت على بعد كيلومتريْن تقريبا من ميدان التحرير بجوار محطة مترو الدقي، واختلفت حصيلة الضحايا بين المصادر بفروق طفيفة، حيث أعلنت وزارة الصحة وقتها وصول عدد القتلى إلى 53 بالإضافة إلى 271 مصابًا، فيما ذكرت العفو الدولي في بيانها أن الشرطة قتلت ما لا يقل عن 57 متظاهرًا .

وقامت قوات الأمن باعتقال 423 متظاهرًا، وبعد عام من الحبس الاحتياطي  تم إخلاء سبيل 123 معتقلًا منهم، وكانت المحكمة قد قضت بالحكم 3 سنوات على المتهمين، تم تخفيفه لسنة واحدة، فيما قضت محكمة جنايات القاهرة، بمعاقبة 63 متهمًا بالسجن المشدد 15 سنة وغرامة 20 ألف جنيه ، وعاقبت 5 متهمين آخرين بالسجن 10 سنوات.

4- 25يناير 2014: ذكرى ثورة أم عيد للشرطة؟

“نكتب دستورا يستكمل بناء دولة ديمقراطية حديثة. نكتب دستورا يصون حرياتنا”.

” الحياة الآمنة حق لكل إنسان، وتلتزم الدولة بتوفير الأمن والطمأنينة لمواطنيها ولكل مقيم على أراضيها”.

هذه العبارات والكلمات ذكرت في ديباجة دستور 2014 و في المادة 65 من باب الحقوق والحريات، وقد تم إقرار دستور 2014 ونشر القرار في الجريدة الرسمية في 21 يناير 2014.

وكان أول اختبار حقيقي للدولة لتطبيق تلك الكلمات على الواقع، بعد الإقرار الرسمي للدستور بأربعة أيام فقط، ذلك في يوم 25 يناير 2014 الذي دعا فيه “التحالف الوطني” وعدد من القوى الثورية المختلفة للتظاهر، ولكن قوات الأمن اعتدت على المظاهرات. ولم تُخفض كلمات الدستور الواردة في مواده وديباجته من مؤشر القتلى، وعلى العكس ارتفع المؤشر عما كان عليه في أحداث 6 أكتوبر، حيث ذكرت العفو الدولية في تقريرها “أن الشرطة قامت بقتل 64 متظاهرًا أثناء فض احتجاجات في مختلف أنحاء البلاد، حسب الرواية الرسمية”.
كما قامت قوات الأمن بإلقاء القبض على 725 متظاهرًا ووجهت إليهم النيابة تهم إثارة الشغب، وقرر المستشار شريف لطفي قاضي المعارضات بمحكمة جنوب القاهرة، إخلاء سبيل 6 منهم بعد دفع كفالة 10 آلاف جنيه في 17 مارس من العام الماضي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد