في مارس (آذار) الماضي، توقفت واحدة من أكبر شركة طيران في العالم -طيران الإمارات- عن العمل، ولحقت بها شواطئ دبي ذات الرمال البيضاء الساحرة، ولم يعد آلاف السياح يفترشونها ويستمتعون بأشعة الشمس كما جرت العادة.

أغلقت مراكز التسوق الضخمة في دبي أبوابها، ولم تعد المنتزهات الواسعة تشهد زحامًا، وتوقف خط الرحلات البحرية من موانئ دبي العملاقة، ولم تعد السلطات تسمح للسياح بالصعود إلى برج خليفة، أكبر ناطحة سحاب في العالم بارتفاع 828 مترًا.

ولم تكن هذه سوى الآثار الواضحة لأزمة تفشي فيروس «كورونا» المستجد في دبي، التي تحولت إلى مدينة شبه مهجورة، تلك المدينة التي تخلت منذ فترة عن الاعتماد الكامل على النفط، وبدت غير متأثرة بشكل كبير بتراجع أسعاره العالمية مؤخرًا.

باتت أزمة «كورونا» تهدد بتدمير كل خطط المدينة، بل ضربت بالفعل تنظيمها معرض «إكسبو 2020» الذي كان مقررًا في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وتقوض مسارها الاقتصادي الذي كان ينظر له على نطاق واسع باعتباره نموذجًا يُحتذى في دول الخليج.

وفي المقابل، لا يمكن لدبي في الوقت الحالي أن تأمل في دعم شقيقتها الكبرى أبو ظبي، الإمارة الرئيسية في الإمارات العربية المتحدة، التي تضررت بشدة من انهيار أسعار النفط. ومنذ أن أعلنت المملكة العربية السعودية في السابع من مارس (آذار) زيادة إنتاج النفط على الرغم من الانخفاض الحاد في الطلب عليه، انخفض سعر البرميل إلى معدلات تاريخية.

كل هذا وجه بعض الأنظار إلى دبي، باعتبارها مرشحة لأن تعاني أكثر من أي مدينة أخرى في الخليج من أزمة كورونا، وهو ما سنتتبع صحته في هذا التقرير، لنعرف أي بلاد ومراكز الخليج ستتأثر اقتصاديًا أكثر. وبصفة عامة، شكلت أزمة «كورونا» المستجد جنبًا إلى جنب مع تراجع أسعار النفط، ضربة قوية لدول الخليج، وإن اختلفت أثارها على كل دولة، وتباينت قدرة كل حكومة على التعامل معها والخروج بأقل خسائر ممكنة.

دبي.. الكارثة ذات الضربة المزدوجة

في منتصف مارس (آذار) الماضي، أظهرت وثيقة رسمية أن دائرة المالية في دبي خفضت الإنفاق الرأسمالي بواقع النصف على الأقل، وقلصت النفقات الإدارية والعامة بما لا يقل عن 20%. وأوقفت أيضًا التعيينات الجديدة حتى إشعار آخر، ومددت إغلاق الأنشطة التجارية، في إطار مواجهة التداعيات الاقتصادية لأزمة تفشي فيروس «كورونا» المستجد.

يأتي ذلك بعد أن كانت الإمارة تتوقع عامًا مختلفًا، إذ كانت تتأهب لتنظيم حدث عالمي، وهو معرض «إكسبو 2020»، وتستعد لاستقبال 20 مليون سائح من مختلف أنحاء العالم طيلة مدة انعقاد المعرض الممتدة على مدى ستة أشهر، إلا أن تلك الآمال ذهبت أدراج الرياح بعد تأجيل المعرض إلى خريف 2021 بسبب فيروس «كورونا» المستجد. وفي 2019، استقبلت دبي 16 مليون سائح، فيما كانت تنتظر زيادة كبيرة في 2020 بسبب تنظيم معرض إكسبو.

وفي هذا الإطار، قال ماتياس بوغمان، رئيس الشؤون الدولية في صحيفة هاندلسبلات، أهم صحيفة اقتصادية في ألمانيا: إن «إمارة دبي تقف على حافة أضرار اقتصادية كبيرة، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال النهائي عن النفط».

ولا تعاني دبي من أزمة في قطاع السياحة فقط، بل تواجه الشركات العقارية فيها أيضًا أزمة عميقة، إذ تراجعت أسعار العقارات خلال الأشهر الماضية، ثم جاء تفشي وباء «كورونا» المستجد ليفاقم الأزمة، فبسبب توقف أعمال البناء والتطوير في المشروعات العقارية، يُتوقع أن تتأخر عمليات بناء 48500 شقة كان ينتظر أن تكون جاهزة قبل انطلاق معرض إكسبو.

كما يتزايد عدد الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم ويتعثرون في سداد القروض بسبب أزمة «كورونا» المستجد، ودفع إيجارات العقارات المستحقة. ومن أجل إنقاذ الموقف، قررت حكومة دبي تجميد مدفوعات الفائدة على أقساط القروض بداية من الأول أبريل (نيسان)، ووسعت الإمارات حزمة التحفيز الاقتصادي إلى 34 مليار دولار.

وفي ضربة قوية، قرر بي شيتي، الملياردير الهندي البالغ من العمر 77 عامًا، ومؤسس سلسلة مستشفيات «NMC Health»،  الفرار من الإمارات، بعد أن تعثر في تسديد قروض للبنوك في دبي وأبو ظبي تصل إلى 6.6 مليار دولار، ما قد ينذر بأزمة ديون في البلاد.

اختلالات هيكلية أكبر من كورونا

قبل الأزمة الحالية، كان النجاح الذي حققته دبي يسيل له لعاب الجيران في الخليج منذ سنوات، وأراد الجميع تنويع مصادر الدخل من خلال استنساخ تجربة دبي والإمارات، خاصة في ظل عدم استقرار أسعار النفط. وفي هذا الإطار، اتخذت السعودية المزيد من خطوات الانفتاح على العالم؛ إذ تعمل على تطوير مشاريع سياحية عملاقة على جزرها في البحر الأحمر، وبناء مشروع نيوم العصري لاستقطاب السياح والمستثمرين والعلماء من مختلف أنحاء العالم بشروط مغرية. 

إلا أن أزمة الريع العقاري تفجرت في ظل تفشي كورونا، وضربت نموذج دبي الاقتصادي بقوة، وتدهور القطاع السياحي، فيما تقف أزمة ديون كبيرة على الأبواب. وبصفة عامة، ترتبط سلسلة الأزمات المتتالية التي ضربت دبي مع تفشي فيروس «كورونا» المستجد، باختلالات نموذج التنمية الذي انتهجته الإمارة والقائم جزئيًا على الريع العقاري.

وكتب ميخائيل فارزه، محرر شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «لوتسرنه تسايتونغ» السويسرية الناطقة بالألمانية: إن أزمة كورونا «تمثل القشة التي قصمت اقتصاد دبي؛ فالإمارة تغرق تحت جبل من الديون، تتجاوز 160 مليار دولار، وليست جارتها الغنية أبو ظبي هي من سينقذها هذه المرة، في ظل الانهيار الحالي لأسعار النفط».

وفي 2009، تدخلت أبو ظبي لإنقاذ شقيقتها الصغرى دبي التي عانت أزمة ديون كبيرة بالتزامن مع الأزمة المالية العالمية، وضخت 20 مليار دولار في خزانتها. لكن هذه السيناريو ليس ممكنًا هذه المرة؛ لأن أبو ظبي نفسها تعاني هي الأخرى من تراجع أسعار النفط.

وفي الإطار ذاته، ذكر موقع «اتجاهات المستقبل» الاقتصادي الألماني، أن «دبي تطورت تطورًا كبيرًا بعد أزمة 2009، وجذبت ملايين السياح، وأضحت الإمارة نموذجًا لدول الخليج الأخرى لبناء اقتصاد متنوع مستقل عن النفط».

إلا أن فيروس كورونا على وشك أن ينسف ما بنته دبي على مدى السنوات والعقود الماضية، ويفجر المشاكل التي تعانيها الإمارة بالفعل، والتي كانت متوارية خلف النجاحات في مجال السياحة على وجه الخصوص، وفق المركز ذاته.

النفط.. مطرقة تهوي على دول الخليج

جنبًا إلى جنب مع انزلاق الاقتصاد العالمي، إلى الركود بسبب تفشي فيروس «كورونا» المستجد، من المتوقع أن تسجل اقتصاديات مجلس التعاون الخليجي نموًا سلبيًا للناتج المحلي الإجمالي في 2020؛ مدفوعة بتراجع أسعار النفط إلى ما دون الـ20 دولارًا للبرميل، وفق أحدث تقارير التوقعات الاقتصادية لصندوق النقد الدولي.

العالم والاقتصاد

منذ 8 شهور
«فورين بوليسي»: لماذا يُعد انهيار أسعار النفط مختلفًا هذه المرَّة؟ 

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط معدلات النمو في العالم -3% بسبب فيروس «كورونا» المستجد، وهي معدلات أسوأ بكثير مما سجلته الدول في خضم الأزمة المالية العالمية في 2009. فيما تتوقع المنظمة نموًا في دول الخليج بمعدل -3.9% أي أسوأ من متوسط النمو العالمي المتوقع.

وتفصيلًا، يتوقع صندوق النقد الدولي أن تحقق السعودية معدل نمو يبلغ -2.3% في 2020 مقارنة بـ4% في 2019، والإمارات -3.5% مقارنة بـ1.3% في 2019، وقطر -4.3%، وعمان -2.8% مقارنة بـ0.5% في 2019، والكويت -1.1% مقارنة بـ0.7% العام الماضي.

ويؤثر تراجع أسعار النفط تأثيرًا سلبيًا على اقتصاديات دول الخليج، ويؤدي لتآكل ناتجها المحلي الإجمالي، وتبدو قطر والسعودية الأكثر تأثرًا بهذا التراجع في أسعار النفط، وفي الوقت نفسه، تفاقم أزمة «كورونا» المستجد أزمة الدولتين. 

أما الإمارات التي تملك نموذجين؛ أحدهما يعتمد على ريع النفط، والمتمثل في اقتصاد إمارة أبو ظبي، وآخر يعتمد على السياحة وحركة التجارة وريع العقارات، متمثلًا في إمارة دبي، فتضربها أزمتا النفط وكورونا بقوة.

السعودية.. 500 مليون دولار خسارة يوميًا

تطال الأضرار الاقتصادية لفيروس «كورونا» المستجد، أكثر الدول ثراءً في الشرق الأوسط، وخاصة السعودية التي تتأثر بشدة بتقلبات سوق النفط، وأدت حرب أسعار النفط بين السعودية وروسيا، ولجوء الأولى لزيادة الإنتاج في ظل تراجع كبير في الطلب، إلى وصول سعر البرميل لما دون الـ20 دولار للبرميل، ما يمثل أزمة كبيرة للرياض التي تحتاج أن يصل سعر البرميل إلى 85 دولارًا لتحصل على موازنة مستقرة.

وبحسبة بسيطة يمكن تقدير خسائر المملكة: إذا دفع العملاء 30 دولارًا بدلاً من 85 دولارًا في البرميل، مع إنتاج يومي يبلغ حوالي 10 ملايين برميل، فهذا يعني أن ميزانية المملكة ستخسر حوالي 500 مليون دولار يوميًا.

كما أن الإلغاء المتوقع لموسم الحج بسبب تفشي فيروس «كورونا»، سيكبد الرياض خسائر مالية تصل إلى 12 مليار دولار، ما يعد ضربة قوية أخرى للمملكة. لكن السعودية تملك احتياطات مالية كبيرة بما فيه الكفاية، لتنجو من أزمتي النفط و«كورونا» المستجد، على عكس دبي التي تحتاج لدعم مادي لن تستطيع أبو ظبي توفيره بسبب أزمة النفط الحالية.

ورغم ذلك، ستلحق الأزمتان ضررًا بالغًا بخطط ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يريد تحرير البلاد من اعتمادها الكلي على النفط وتنويع مصادر دخلها. 

قطر.. أسوء معدل نمو متوقع في 2020

لا يختلف الأمر في قطر كثيرًا عن السعودية، إذ تتعرض الأولى لضربات مالية قوية في ظل تفشي فيروس «كورونا» وتراجع أسعار الغاز التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسعار النفط التي انخفضت بمعدل أكثر من 50% خلال الأسابيع الماضية. وتلجأ قطر أيضًا إلى احتياطاتها المالية، وصناديقها السيادية لمواجهة الأثر المزدوج لأزمة «كورونا» المستجد، وتراجع أسعار النفط، وأعلنت عن خطط تحفيز اقتصادي بقيمة 75 مليار ريال (20 مليار دولار) للقطاع الخاص للمساعدة في تخفيف آثار الأزمة.

ورغم أن صندوق النقد الدولي يتوقع تحقيق قطر أسوأ معدل نمو في دول الخليج في 2020، إلا أن الدوحة مدفوعة باحتياطاتها المالية، وقلة عدد سكانها، تستطيع أيضًا عبور الأزمة، لكن مع وجود آثار سلبية على قطاعاتها الاقتصادية، لن تختفي على المدى القصير.

مَن تأثر أكثر؟

في ظل مجموعة من الأزمات القوية التي تضرب الاقتصاد العالمي في وقت واحد، خاصة أزمتي النفط وتفشي فيروس «كورونا» المستجد، يصعب تحديد أي أزمة تؤثر تأثيرًا أكبر في الدول المتضررة، لكن يمكن تحديد الدول الأكثر تضررًا من الأزمات مجتمعة.

فدبي التي تعاني بالفعل من تراكم كبير للديون، تبدو الأكثر تضررًا من وضع الاقتصاد العالمي الحالي؛ لأن تداعيات فيروس «كورونا» المستجد، وإلغاء معرض إكسبو، وانهيار التوقعات السياحية للعام الجاري، جنبًا إلى جنب مع الأزمة العقارية، ضربت اقتصاد الإمارة بقوة، ويعرضها استمرار الوضع الراهن لخسائر يومية تبلغ مئات الملايين من الدولارات، ويسقطها في أتون أزمة اقتصادية طاحنة. 

وما يفاقم أزمة إمارة دبي، أن المنقذ الوحيد، الذي مد يديه في 2009 وانتشلها من أزمة الديون الشهيرة، وهو إمارة أبو ظبي، يعاني من وطأة تراجع أسعار النفط، ما يجعل تدخله هذه المرة، في حال تفاقمت أزمة دبي، صعبًا.

في المقابل، فإن السعودية المتأثرة بشدة من تداعيات حرب أسعار النفط التي خاضتها عمدًا مع روسيا، للحفاظ على حصة ثابتة من السوق العالمي، فضلًا عن خسائر إلغاء السياحة الدينية، تبدو في وضع أفضل من دبي، ورغم فداحة التداعيات المالية لتراجع أسعار النفط على موازنتها، إلا أنها تملك الاحتياطات المالية التي تمكنها من تقليص عجز الموازنة، وتجاوز الأزمة بأقل الأضرار الممكنة.

ولا يتغير الحال في الدوحة التي يتوقع صندوق النقد الدولي تحقيقها أكبر معدل انكماش في الخليج بسبب تراجع أسعار النفط والغاز، إذ تستطيع قطر انتشال اقتصادها من الأزمة في وقت سريع عن طريق اللجوء للصناديق السيادية، ومنح مساعدات للقطاع الخاص، وتقليص عجز الموازنة. 

المصادر

تحميل المزيد