جمال النشار 10
جمال النشار 10

913

كلما كانت السلعة المطروحة في الأسواق بالغة الأهميّة لعدد كبير من الأفراد،  زادت رغبة البائع في التحكم بأسعارها وتوفيرها في أسواق بعينها دون أخرى. فما بالك بسلعة قد تنقذ حياة إنسان، أو تعينه على الشفاء من مرض عضال. هنا تصبح الأدوية والعقاقير سلعة حياة أو موت، وربما قد يبدو من البديهي أخلاقيًا وإنسانيًا أن يتم توفيرها لمحتاجيها بأيسر الطرق الممكنة؛ ولكن ماذا لو أصيب بهذا المرض العضال شخص فقير، أو محدود الموارد المالية؟

الإجابة ببساطة تتمثل في التجاهل الكامل من قبل شركات الأدوية والعقاقير لتلك المعضلة الأخلاقية، وترك الأمور خارج حدود العاطفة، وإبقائها في إطار «البيزنس»، بل استغلال ندرة أمراض بعينها لرفع أسعار العلاج الخاص بها إلى أرقام فلكية، قد تعني ببساطة رسالة واضحة مشئومة لمن لا يملكون ثمن تلك العلاجات: دع الفقراء يموتون إذًا.

«جليبيرا».. العقار الذي بيع مرة واحدة فقط

في عام 2012 وافق الاتحاد الأوروبي على طلب شركة «يوني كيور» الهولندية لتصنيع وبيع عقار «جليبيرا» في الأسواق الأوروبية مقابل مليون يورو لجلسة العلاج الواحدة سنويًا. العقار الثمين ابتكر لعلاج واحد من الأمراض النادرة في العالم، والمعروف باسم «إل بي ل دي»، وهي اختصار لما يعرف بمتلازمة نقص البروتين العوائلي، وهو خلل جيني نادر يعيق عملية تكسير الدهون في الدم.

بعدما صُنف الدواء الأغلى ثمنًا في العالم عام 2012، ذكرت مجلة «فارمافورم» الطبية أن العقار لم يبع سوى مرة واحدة خلال خمس سنوات هي مدة التصريح الذي حصلت عليه يوني كيور لبيع العقار تجاريًا خلالها نظرًا – بالطبع – لارتفاع ثمنه. وبينما انتهت رخصة بيع العقار تجاريًا في 2017، إلا أن الرئيس التنفيذي للشركة الهولندية قد صرح – بحسب تقرير «فارمافورم» – أنه لن يتم طلب تجديد ترخيص بيع العقار؛ نظرًا لعدم وجود طلب عليه، بالإضافة إلى خسارة الشركة مبالغ طائلة من جرّاء العمل على العقار.

«سوليريس».. الحل الوحيد لتمرد الجهاز المناعي

مرض«PNH» أو ما يعرف بنوبات اعتلال الهيموجلوبين، هو من بين قائمة الأمراض النادرة في العالم، وتشير بعض الإحصاءات إلى وجود 8 آلاف حالة مصابة بهذا المرض فقط عالميًا، المرض الناتج عن خلل في جينات المريض تجعل جهازه المناعي – الذي هو خط الدفاع الأول ضد الأمراض والإصابات – يُكسر خلايا الدم الحمراء في الجسم، والتي من مهامها الأولى أن تعيد تدوير الجهاز المناعي ومقاومة الأمراض والإصابات.

هذه المرّة استبق الأمريكيون العالم بابتكار عقار «سوليريس»، تحديدًا شركة «أليكسيون» للدوائيات التي حصلت على رخصته التجارية والسلطات الصحية في عام 2012، وطُرح الدواء تجاريًا لأول مرة في الأسواق بسعر يتراوح ما بين 500 و700 ألف دولار للجلسة الواحدة سنويًا، وبعدما أثبت العقار قدرته على علاج الخلل الجيني، ناشدت العديد من السلطات في كندا الشركة الأمريكية بتخفيض ثمن العلاج؛ إذ إنّ معدّل الإصابات بمرض «PNH» في كندا هو الأعلى عالميًا بمتوسط 180 حالة منذ عام 2017 وحتى الآن، ولكن الشركة الأمريكية لم تمتثل حتى اليوم.

«إيلابريس».. علاج متلازمة الصياد وأرباح هائلة

مع وصول الأرباح التقديرية لصناعات الدواء في العالم إلى 1.3 تريليون دولار، لم يكن عقار «إيلابريس» استثناءً؛ العقار الذي يعود اكتشافه لعام 2006 هو تقريبًا العلاج الوحيد عالميًا الذي بإمكانه علاج مرض «إم بي إس 2»، والشهير بـ«متلازمة الصياد»، وهو خلل يؤثر بشكل رئيس على وظائف المخ والحركة لدى الإنسان، وتعدّ الحالة المرضية من الحالات النادرة؛ إذ تكون فرص الإصابة بها بنسبة مولود واحد من بين 130 ألف.

العقار الذي طرحته مختبرات «شاير» للكيمياء الحيوية الأمريكية، صنفته مجلة «فوربس» عام 2010 أنه الأغلى في العالم وقتها، وأن كورس العلاج السنوي به تصل تكلفته إلى 375 ألف دولار – 500 ألف دولار اليوم – ويقدّر عدد المصابين به في أمريكا وحدها 500 شخص فقط، بينما وصلت أرباح بيعه داخل أمريكا وخارجها عام 2010 إلى 353 مليون دولار بحسب تقرير «فوربس».

«ناجلازيم» علاج متلازمة لامي.. الأخطر على الإطلاق

«متلازمة لامي» هي نوع شبه شائع بين أنواع الخلل الجيني لدى الأطفال، وهو تكوّن نوع من أنواع الإنزيمات النشوية بشكل شاذ في الجسم، ويتسبب في تشوّهات في الهيكل العظمي والمفاصل، وتعتيم العينين وفقدان السمع الكامل. المرض قد يصيب ما يقرب من 43 ألف حالة من بين كل مليون ونصف مولود عالميًا، ويصيب الإناث والذكور بنسب متقاربة.

في عام 2005 ابتكرت بعض المختبرات الدوائية التابعة لشركة «بايومارين» الأمريكية عقار ناجلازمي لعلاج المتلازمة الخطيرة، وأخذت تصريحًا تجاريًا من «هيئة الرقابة على الأدوية والأغذية الأمريكية» بتسعير العقار بما يقرب من 365 ألف دولار أمريكي لكورس العلاج السنوي، وذكرته مدونة جامعة هارفارد الدوائية بأنه واحد من أغلى العقاقير في العالم، وأنه من الأخلاقي أن يتوفّر لمن يحتاجونه دون معاناة مع تلك الأسعار الفلكية.

«سينريز».. الحساسية القاتلة لها علاج دائم.. ولكن

واحد من أكثر الأمراض شيوعًا هي الحساسية، أو رد الفعل التحسسيّ تجاه نوع بعينه من الأطعمة والشراب، ربما قد يكون الكثير منّا على علم بما يسبب له رد الفعل التحسسي: من حكة، واحمرار في الجلد، وما إلى ذلك. ولكن حساسية «angioedema»، أو ما يعرف بالعربية بـ«الوذمة الوعائية»، واحد من أشد أمراض الحساسية فتكًا، ويصاب به ما يقرب من 50 ألف حالة في أمريكا وحدها.

قد يحدث هذا نتيجة لتناول أطعمة بعينها، مثل المكسرات والحليب والأسماك الرخوية، وحتى بيض الدواجن، ويسبب هذا الخلل الجيني إطلاق كيماويات في الجسم تسبب انتفاخ الجلد بشكل كبير؛ مما قد يؤدي إلى انتفاخ مسارات الهواء إلى الرئة، ومن ثَم قد يسبب الوفاة. هنا ومرة أخرى يظهر اسم مختبرات «شاير»، عملاقة الدوائيات الأمريكية، التي حصلت على تصريح صحي وتجاري ببيع عقار «سينريز» الذي يعالج الحالة نهائيًا مقابل ما يتراوح بين 230 و350 ألف دولار لكورس العلاج السنوي به.

بجوار علاج تلك الحالة القاتلة من الحساسية، وبحسب تقرير «سي إن بي سي» الأمريكية، ارتفعت تكلفة علاجات أنواع أخرى من الحساسية بشكل كبير في العالم، مثل عقار«EpiPens»، الذي ارتفعت تكلفة جرعة الحَقْن الواحدة منه من مبلغ 90 دولار إلى 600 دولار من قبل شركة «كينج» المملوكة لعملاقة الصناعات الدوائية «فايزر» الأمريكية.

عقار «دارابيم»، الذي يستخدم في علاج ما بعد الجراحات الدقيقة، وأحيانًا لمرضى الإيدز، شهد أيضًا ارتفاعًا في تكلفته إلى 750 دولار للقرص الواحد، بعدما كان يتكلف 13.5 دولار فقط، بخلاف الأسعار المرتفعة لعقارات علاج مرض الكبد الوبائي من النوع «سي» في الأسواق العالمية، والذي تتراوح أسعاره ما بين 90 إلى 50 ألف دولار لكل علبة أقراص، والذي تنتجه في الأغلب شركات إما أمريكية أو أوروبية كبرى، مثل «شاير» و«فايزر» و«بايومارين» وغيرهم.