يملأ الحديث عن الأثرياء جزءًا كبيرًا من حياة الناس، إذ تلاحق الأخبار والمجلات والسوشال ميديا تفاصيل حياتهم وآخر مشترياتهم أحيانًا، وفي أحيان أخرى ينشر الأثرياء بأنفسهم ما يدل على ثرائهم للتفاخر، من القلائد الذهبية إلى الساعات الفاخرة، وانتهاء بالسيارات الخارقة واليخوت الفارهة، وفي هذا السياق يكثر الحديث عن علاقة الثروة بالسياسة؛ سواء تأثير الثروات ومالكيها على السياسة بأشكال مختلفة أو إثراء السياسيين عبر استغلال مناصبهم. 

ويعد قياس الثروة من أصعب المهمات التي تتعلق بها؛ فليس من السهل تتبع الأصول المالية (مثل الأسهم) وغير المالية (مثل العقارات والمركبات) مطروحًا منها قيمة الدين على القطاع المنزلي (أي الدين المترتب على الأفراد البالغين من حيث كونهم أفرادًا بالغين) ومعرفة قيمتها التقديرية، أو توزيعها على سكان العالم ومناطقه.

العالم والاقتصاد

منذ 5 سنوات
مؤشر ثراء الدول والشعوب.. أو كيف يسيطر الأغنياء على ثروات البلاد؟

ونظرًا لأهمية الثروة الكبيرة ازدادت الجهود الرامية لتعريفها وتتبعها وقياسها في العقود الأخيرة، وانشغلت بذلك مراكز بحثية كثيرة، حتى أصبح بعضها ينتج سنويًا تقريرًا مفصلًا عن الثروة كل عام، يشمل مستوياتها وقيمها الكلية، وفي كل بلدٍ على حدة، وكذلك يشمل مسائل توزيع الثروة بين الطبقات في كل دولة، وبين الدول المختلفة أيضًا. 

ويعد تقرير الثروة العالمية الذي يصدر عن شركة «Credit Suisse» السويسرية، وهي شركة تعمل في مجال إدارة الثروة، أحد أهم التقارير في هذا السياق، إذ يختص التقرير بحساب الثروة المملوكة من «القطاع المنزلي» أي ثروة الأشخاص العاديين، سواء كانوا مُلّاكًا لحصص في شركات أو غيرها، أو لا، لكن باعتبار كونهم أفراد، والملاك النهائيين للثروة (حملة الأسهم في الشركات) ثروة دولة بأكملها أو شركة معينة.

ولا يتناول التقرير الثروات المملوكة للأثرياء فقط، بل كل الثروة المملوكة من الجميع، في شكل أموال نقدية، واستثمارات في الأسهم والسندات، وأصول مادية تمثل المنازل أهمها، مطروحًا منها قيمة الدين المترتب على الأفراد، فتصبح المعادلة كالتالي: «الثروة الكلية=الثروة المالية Financial Wealth + الثروة غير المالية Non-Financial Wealth – الدين Debt».

وللثروة أهمية كبرى في الاقتصاد، فهي أحد محددات الاستثمار في اقتصاد ما، وهي ضمانة في حالات الضرورة، مثل فقدان الوظيفة، فالأفراد الذين يمتلكون ثروة ومدخرات تكفيهم دون وجود وظائف كانوا أقل عرضة للتأثر ماديًا بفعل أزمة جائحة كورونا مثلًا، بالمقارنة مع غيرهم ممن لا يملكون ثروات أصلًا أو يملكون ثروات صغيرة، وبعض الأفراد الأفقر لم تتأثر ثروتهم على الإطلاق، لكونها صغيرة الحجم فعليًا، ولا يمكن الاعتماد عليها لصرف جزء من قيمتها لإعالة هؤلاء الأفراد.

اقتصاد الجائحة.. ثروة تنمو وسط الأزمة

شهد العالم عام 2020 نموًا سالبًا هو الأول منذ عام 2009، وهو الأكبر أيضًا إذ سجل العالم في عام 2009 نموًا سالبًا نسبته التقريبية 1.7 في المئة، بينما سجل العام 2020 نموًا سالبًا نسبته التقريبية 3.6 في المئة، وهي ضعف نسبة عام 2009، والسبب الأساسي وراء ذلك أن العالم بأسره شهد إغلاقات عامة أوقفت النشاط الاقتصادي لأغلب القطاعات بشكل تام، ولم يزل بعضها يعاني من الإغلاق حتى الآن. 

ورغم ذلك ارتفعت الثروة العالمية بنسبة غير قليلة في عام 2020؛ وصلت إلى 7.4 في المئة عن مقدارها في عام 2019، وارتفعت حصة الفرد (نظريًا) من الثروة العالمية بنسبة 6 في المئة أيضًا، لتزيد الثروة العالمية بما قيمته 28 ترليون دولار تقريبًا، ويصبح متوسط الثروة العالمية للفرد 80 ألف دولار تقريبًا، بعد أن كانت 31 ألف دولار في عام 2000، ما يعني أن الثروة اليوم أصبحت تساوي ضعفي ونصف ضعف الثروة قبل 20 عامًا.

الثروة العالمية

نسبة الثروة في كل منطقة لإجمالي الثروة العالمية

ويشير التقرير إلى مفارقة تتعلق بأنّ الدول التي تأثرت اقتصاداتها بشكل أكبر بفعل الجائحة، كانت أكثر الدول التي نمت فيها الثروة بالمتوسط لكل فرد بشكل أكبر، ويوضح التقرير أن هذا التناقض بين مؤشرات الاقتصاد ككل، وصناعة الثروة كان ضخمًا جدًا.

ولأن التقرير يحتسب الثروة بالدولار الأمريكي، مع أن كثيرًا من هذه الثروات ليس مقومًا بالدولار الأمريكي، فإن نسب النمو تصبح أصغر بشكل ملحوظ عند احتساب التغيرات في أسعار الصرف؛ وإن ظلت مرتفعة بالنسبة للوضع الاقتصادي العام، فيصبح نمو قيمة الثروة الإجمالية في العالم بالمجمل بنسبة 4.1 في المئة، ونسبة نموها المتوسطة للفرد البالغ 2.7 في المئة، فدون احتساب تغيرات سعر الصرف؛ يظهر أن كثيرًا من الارتفاع في الثروة كان ناتجًا عن ارتفاع سعر العملة المحلية مقابل الدولار.

فهل هذا يعني أن كل دول العالم سجلت ارتفاعًا في الثروة الإجمالية؟ الإجابة هي لا؛ فرغم أن أغلب دول العالم سجلت ارتفاعًا في الثروة الإجمالية، فإن بعض الدول مثل الهند وروسيا والبرازيل وتشيلي والسعودية والإمارات انخفضت فيها الثروات، لكن لأن المبلغ الذي ارتفع في الدول الأخرى كان أكبر بكثير من المبلغ الذي انخفض في مثل هذه الدول، لذا يظهر عند جمعهم أن الثروة العالمية ارتفعت بالمجمل.

وتناول جزء آخر من التقرير توزيع الثروة في العالم، سواء كان توزيعها باعتبارها قيمة إجمالية، أو توزيع الزيادة التي حصلت عام 2020 فقط، فكيف كان توزيع الثروة على الدول والمناطق الجغرافية والفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة؟

التوزيع: 1 في المئة من الأثرياء في العالم يملكون 45.8 في المئة من ثرواته

هل يعني ارتفاع قيمة الثروة الكلية في العالم أن العالم أصبح أفضل بشكل إجمالي؟ أو أن سكانه ازدادوا ثراء في هذا العام؟ وهل يعني وصول قيمة الثروة الكلية لأرقام قياسية أنّنا أصبحنا أقرب لإنهاء مشكلات الفقر واللامساواة في العالم؟ 

يعرف الجميع أن الإجابة هي «لا»، رغم أن الثروة الإجمالية بعد أن وصلت لأكثر من 400 ترليون دولار لو وزعت على البالغين من سكان العالم بالتساوي لامتلك كل منهم 80 ألف دولار، وبالتالي لن يصبح هناك فقيرًا في العالم، ومع ذلك فقد استمرت الفجوة بين الأثرياء والفقراء في الاتساع أو الثبات على الأقل، مقارنة بالأعوام الماضية.

فالأثرياء ازدادوا ثراءً، بينما زادت معاناة الفئة الأفقر من سكان العالم خلال عام 2020، وحتى على مستوى الأثرياء لم يكن التوزيع متساويًا، فأغنياء الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا حازوا النسبة الأكبر من الثروة الكلية، وحازوا النسبة الأكبر من زيادة الثروة خلال عام 2020 أيضًا.

أولًا: كيف توزعت الثروة على الأفراد البالغين في العالم؟ 

بنهاية عام 2020، وباحتساب توزيع الثروات العالمية المتراكمة حاليًا، بالإضافة إلى ما تغير في هذا العام، فقد أصبح الواحد بالمئة الأثرياء من سكان العالم يملكون 45.8 في المئة من ثروات العالم، بينما يملك الجزء الأفقر من سكان العالم، والذين يمثلون قرابة 3 ترليونات فرد بالغ، هم 55 في المئة من سكان العالم البالغين لا يتجاوز مجموع ثرواتهم جميعًا 1.3 في المئة من إجمالي ثروات العالم.

الثروة العالمية 

نسبة الزيادة لكل منطقة لإجمالي الزيادة في الثروة العالمية

ويظهر هرم توزيع الثروة في التقرير أن الواحد في المئة الأغنى من سكان العالم، هم الفئة التي تملك ثروة تفوق المليون دولار، بينما الفئة الأدنى والتي تمثل 55 في المئة من سكان العالم هي الفئة التي تملك ثروة 10 آلاف دولار وأقل، وبينهما فئتان متوسطتان، تمثلان مع بعضهما 44 في المئة من سكان العالم، وتملكان ما يقارب 53 في المئة من ثروة العالم، أما الفئة الأدنى منهما والتي تمثل 32.8 في المئة من سكان العالم فتملك 13.7 في المئة من الثروات.

ويُلاحظ من هذا التوزيع أن الثروات تتركز أكثر وأكثر كلما صعدنا في الهرم لأعلى، بحيث يملك 1 في المئة الأغنى من سكان العالم ثروات تمثل 45 ضعف نسبتهم من السكان، بينما يتقاسم نصف سكان العالم ما لا يتجاوز 1.5 في المئة من إجمالي الثروات، لذا فلو افترضنا أن العالم دولة واحدة، فإن اختلاف التوزيع سيصبح مهولًا.

وبطبيعة الحال فإن امتلاكك للثروة يعني فرصة أكبر لمراكمة ثروات أكثر، ويعني فرصًا أكبر وأفضل لإيجاد عمل يدر دخلًا أكبر، وحماية من تقلبات الحياة، وتوفيرًا للمسكن الملائم، وللخدمات الصحية والتعليمية، وافتقادك لهذه الثروة يعني نقصًا كبيرًا في كل هذه الفرص، وبتأمل مثل هذه الإحصاءات فيمكن القول إنّ احتمالات انتقالك من الفقر إلى الغنى بالغة الصغر. 

وقد سجل عام 2020 سابقة تاريخية، فلأول مرة أصبح يلزمك امتلاك أكثر بقليل من مليون دولار لتصبح من النخبة التي تنتمي لأغنى واحد في المئة من سكان العالم، بينما كان الرقم في عام 2019 مقاربًا لـ 990 ألف دولار، وكل هذا بافتراض أن العالم منطقة أو دولة واحدة، فكيف يبدو توزيع هذه الثروات بين المناطق، وبين دول العالم على اختلاف أوضاعها الاقتصادية؟ 

ثانيًا: طبقية على مستوى الدول.. أمريكا وأوروبا يحوزان الثروة

تتركز الثروة العالمية حول العالم في منطقتين أساسيتين، هما دولتا أمريكا الشماليتان الغنيتان (الولايات المتحدة الأمريكية وكندا) وقارة أوروبا، وهما يمثلان 17 في المئة من سكان العالم البالغين، ويملكان أربعة أضعاف حجمهما من الثروة، إذ تمتلك هاتان المنطقتان 57 في المئة من إجمالي الثروة في العالم. 

بينما تقتسم باقي مناطق العالم، والتي تمثل 87 في المئة من السكان عمومًا ما تبقى من الثروة، التي تبلغ نسبتها 43 في المئة من إجمالي الثروات، وتمتلك الصين التي يمثل سكانها نحو 18 في المئة من سكان العالم، ما يماثل حجمهم تقريبًا من الثروة، فقد حازت الصين على 18 في المئة من الثروات في العالم، بفعل نموها المتسارع في العقود الأخيرة، والذي لم يحظ دائمًا برضا دول العالم الأغنى، فيما يملك باقي سكان العالم، نصف حجمهم السكاني من الثروات. 

الثروة العالمية

الحصة من الثروة الإجمالية

فما تمتلكه الهند من إجمالي ثروات العالم لا تتجاوز نسبته الثلاثة في المئة إلا بقليل، مع أن عدد سكانها مقارب لعدد سكان الصين إلى حد ما، بينما تمتلك قارة أفريقيا بأكملها، والتي تمثل 15 في المئة من سكان العالم نحو 1.2 في المئة تقريبًا من إجمالي الثروات في العالم، وتمتلك دول أمريكا اللاتينية بأكملها 2.6 في المئة من ثروات العالم، بينما تحوز الدول الغنية في آسيا على الحصة الأكبر مما تبقى من الثروة، والتي تضم دولًا مثل اليابان وكوريا الشمالية، عدى عن دول الخليج، وهذه الدول تمتلك ثروات أكبر من غيرها في تلك المناطق.

وتسود حالة اللا مساواة في دول كثيرة حول العالم، تجعل الأثرياء يحوزون على أغلب الثروات، بينما يقبع الباقون في حالة من الفقر والعوز، ويُظهر التقرير أنّ 30 في المئة من شعوب الدول المتقدمة تقبع في أسفل هرم الثروة، بمتوسط ثروة أقل من 10 آلاف دولار، بينما في الدول غير المتقدمة 80 في المئة من السكان في هذا المستوى. كل هذا عن الثروة المتراكمة تاريخيًا حتى نهاية عام 2020، فهل تتغير الصورة إذا درسنا ما حصل في عام 2020 وحدها؟

يذكر التقرير أن إجمالي الزيادة الكلية في الثروة لعام 2020، كان مقاربًا لـ29 ترليون دولار، أغلب هذه الزيادة حصلت في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأوروبا، فقد حازت هاتان المنطقتان على نسبة 75 في المئة من زيادة الثروة العالمية في عام 2020، وهي أكبر من حصتهما من إجمالي الثروة المتراكمة طوال التاريخ، وهو ما يوضح أنّ تركز الثروة في هاتين المنطقتين سبب في تركز الزيادة السنوية فيهما أيضًا، فالثروة تجلب الثروة. 

في المقابل؛ لم تحقق الصين إلا 15 في المئة من الزيادة في الثروة العالمية، وهي أقل من حصتها من إجمالي تراكم الثروة، وهي أقل بثلاثة في المئة من حصتها من إجمالي الثروة العالمية، ورغم هذا الانخفاض الذي حققته الصين، مقارنة بحصتها من الثروة الإجمالية، إلا أنه أكبر بالمقارنة بما حصل في دول أخرى هذا العام، فلم تُحصّل كامل دول أفريقيا إلا 0.13 في المئة من إجمالي الزيادة في الثروات، وهي نتيجة أفضل مما حصل في الهند وأمريكا اللاتينية، فقد خسرتا جزءًا من ثرواتهما خلال 2020.

وعند فحص كامل هذه البيانات، سواء على مستوى المناطق والدول، أو على مستوى الطبقات الاجتماعية في العالم، سنرى اتجاهًا عامًا تتصاعد فيه الثروة بالمجمل، ويتصاعد تركيزها لدى الأثرياء والطبقات الأغنى في العالم، ويتصاعد تركّز الثروات الكبيرة في الدول الغنية والمتقدمة.

Embed from Getty Images

النمو في الصين

وتمثل الصين التي حققت تنميتها بندية مع الغرب الاستثناء الأكبر من ذلك، ورغم قلق الغرب من التنمية في الصين فإنه حقق فوائد اقتصادية من ورائها، وتمثل الهند التي لا تشهد خصومة مع الغرب استثناء من قاعدة اختلال التنمية لصالح الأثرياء، فقد ارتفعت الثروة المتوسطة خلال العقدين الماضيين نتيجة لتقدم التنمية الاقتصادية بموازاة تحسن الحالة الاقتصادية للطبقات الوسطى، لكن هذا لا يعني أن هاتين الحالتين حققتا تنمية متزنة ضمن سعي عالمي لتخفيف اللامساواة بين سكان الكوكب، بل إن جزءًا كبيرًا من سكان العالم لم يروا تغيرًا حقيقيًا في حالتهم المادية خلال العقود الماضية.

ولا تقف المشكلة عند ذلك، فبعض الدول تمتلك عددًا أكبر من السكان يقعون ضمن فئة غير البالغين، ويعيلهم البالغون في البلاد، وهذه حالة تخص الدول غير المتقدمة عادةً، بينما تزيد نسب البالغين وكبار السن في الدول المتقدمة على فئات غير البالغين، ما يعني أن الثروة التي يملكها البالغون في الدول غير المتقدمة، تستخدم لإعالة عدد أكبر من غير البالغين. 

كما أن الثروة بانقسامها لثروة مالية وغير مالية، تعني استخدامها لتحصيل جزء من متطلبات الحياة، فعدى عن الثروة المالية التي يمكن استثمارها أو ادخارها، والتي تمثل ضمانًا ضد الحالات الطارئة مثل فقدان العمل، فإن الثروات غير المالية هي نفسها المسكن والسيارات وهما من ضروريات الحياة العصرية، وعندما نرى أن أغلب سكان العالم يمتلكون ثروة تقل عن 10 آلاف دولار، فهذا يعني أن أغلب سكان الكوكب لا يستطيعون توفير احتياجاتهم الضرورية بشكل كافٍ، وإن استطاع بعضهم ذلك؛ فلن يملك بعدها ما يكفيه للتحوط ضد الحالات الطارئة. 

كما أن الثروات الضخمة لا تعني فقط ما يمكن أن يُشترى بها، بل تعني قوة ونفوذًا وفرصًا أكبر، فالمليون دولار ليس فقط 100 ضعف العشرة آلاف دولار (متوسط نصيب الأغلبية من الثروة) أو يمثل 100 ضعف ما يمكن أن يُشترى بالعشرة آلاف دولار، بل هو قوة ونفوذ اجتماعي وتأثير كبير، لا يمكن أن تملكه إلا بتجاوز عتبة معينة من الثروة. 

ثالثًا: نادي أصحاب الملايين في العالم 

يحتوي التقرير على تحليل إحصائي لما يمكن أن نسميه نادي أصحاب الملايين في العالم، فيبحث في عددهم الإجمالي عام 2020، وكم زاد عددهم خلال هذا العام، وتوزيعهم في المناطق الجغرافية في العالم، وفي تقسيم ثروتهم الإجمالية لفئات داخل الفئة الكبيرة التي تضم كل من يحوز على ثروة تتجاوز المليون دولار.

وصل عدد هذه الفئة إلى 56 مليون فرد بالغ في 2020، بزيادة 5 ملايين بالغ عن عام 2019، وهم الأفراد الذين يمتلكون مليون دولار وأكثر، فأين يتوزع هؤلاء؟ مبدئيًا تحتل الولايات المتحدة الأمريكية الصدارة في عدد أصحاب الملايين بالنسبة لعددهم الإجمالي في العالم، ففيها 39 في المئة من أصحاب الملايين.

الثرؤة العالمية

حصة الفرد من الثروة العالمية

وتليها مجموعة من دول أوروبا: ألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وهولندا، وسويسرا والسويد، وتمتلك هذه الدول مجتمعة ما نسبته 23 في المئة من إجمالي أصحاب الملايين في العالم، وتليهم الصين بـتسعة في المئة، واليابان بـسبعة في المئة، وأستراليا وكندا كل منهما يحوز على نسبة ثلاثة في المئة، وكوريا الجنوبية باثنين في المئة، وتملك كل من الهند وتايوان واحد في المئة من العدد الإجمالي، ويتوزع الباقي على ما تبقى من دول العالم.

وكذلك تصدرت الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا الأرقام المسجلة لزيادة عدد أصحاب المليون دولار فأكثر، فقد سُجلت ثلث هذه الزيادة فيها فقط خلال عام 2020، وحازت دول أوروبا الغربية وأستراليا واليابان وكندا على أغلب ما تبقى من هذه الزيادة. 

وبالرغم من أن دولًا مثل الصين وروسيا فيها عدد ضخم ممن يملكون مليون دولار وأكثر، فإن كثافة هؤلاء بالنسبة لإجمالي عدد السكان قليلة جدًا بينما تزداد هذه النسبة في الدول الأغنى والأكثر تقدمًا، فبينما تجد مليونيرًا واحدًا من كل ألف بالغ في كل من الهند وروسيا، ومليونيرًا واحدًا من كل 200 صيني بالغ. 

بينما تكبر هذه النسبة في أوروبا، بدءًا من جنوبها الأقل غنى بالمقارنة بأوروبا الغربية، إذ إن ثلاثة في المئة من السكان البالغين في إيطاليا وإسبانيا من هذه الفئة، بينما تبلغ هذه الفئة أربعة في المئة بكل من فرنسا والنمسا وألمانيا، لكنها تقفز إلى أكثر من ثمانية في المئة من السكان البالغين في كل من هونج كونج والولايات المتحدة الأمريكية، وتسعة في المئة بأستراليا، أما النسبة الأكبر فمن نصيب سويسرا التي ستجد فيها 15 مليونيرًا من كل 100 بالغ. 

في 2020.. مكافحة «كورونا» أثقلت الدول بالديون والمواطنين بالضرائب

لا يتضمن التقرير تفصيلًا وافيًا عن حالة الطبقات الأكثر فقرًا، وكيف تغير وضعها في العقدين الماضيين أو ما سبقهما، بل ركز بشكل تفصيلي على الأثرياء، كل ما نعرفه أن الجائحة أضرت بالفقراء أكثر من غيرهم، مع أن بعضهم لم تتأثر ثروته كثيرًا خلال عام 2020، لأن الثروة التي يملكونها كانت صغيرة أساسًا، إن وجدت أصلًا، وهم يعتمدون على الدخل الشهري بالدرجة الأولى، وقد تسببت الجائحة بتوقف دخل الكثير منهم، وانخفاضه بالنسبة للآخرين. 

وحتى مع الدعم الحكومي المقدم في كثير من الدول، اضطر كثير من الناس لاستنزاف مدخراتهم للتمكن من العيش، واضطر آخرون للاقتراض لتغطية استهلاكهم الضروري. إلا أن ذلك لم يكن حالة عامة في كل دول العالم؛ إذ إن إجراءات الدول المتقدمة لمكافحة الجائحة بدعم المواطنين نقديًا، بالإضافة إلى دعم القطاعات الأكثر تضررًا بفعل الجائحة، فضلًا عن تخفيض سعر الفائدة إلى الصفر أو قريب من ذلك، عنت للطبقات المتوسطة والفقيرة القدرة على توفير دخل إضافي فوق مدخراتهم وثرواتهم، وتخفيض كلفة الاستدانة بقصد الاستثمار، وعلاوة على ذلك فقد قلت إمكانيات الاستهلاك بفعل توقف الاقتصاد.

الثروة العالمية

معدلات نمو نصيب الفرد من الثروة العالمية

هذه العوامل أدت إلى ارتفاع أسعار الأسهم والمنازل، دون أن يعني ذلك ارتفاع الإنتاج، فالناتج المحلي الإجمالي هو عبارة عن ما جرى إضافته من قيمة بفعل عمليات الإنتاج خلال عام ما، وارتفاع أسعار الأصول المالية وغير المالية لا يعد ارتفاعًا في الإنتاج، إلا أنه يعني ارتفاعًا في ثروة مالكي هذه الأصول. 

وبفعل الإجراءات الاقتصادية التي استخدمت لمكافحة الجائحة ارتفعت أسعار الأسهم خلال عام 2020، بعد التراجع الكبير الذي حدث في بداية الجائحة، ليعقبه ارتفاع كبير في الأسعار وصل إلى مستويات قياسية، كما ارتفعت أسعار المنازل أيضًا بمعدلات غير مشهودة منذ سنوات. 

إلا أن هذه الإجراءات مكافحة كورونا حول العالم جاءت بكلفة عالية، فقد ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي كثيرًا، فالإجراءات الاقتصادية عنت على أرض الواقع تحويل الأموال من القطاع الحكومي إلى القطاع المنزلي، ما أدى إلى ارتفاع الدين الحكومي، وهو ثمن سيدفعه المواطنون من خلال الضرائب.

لكن لم تكن تلك حال جميع دول العالم، فكثير من هذه الدول لم تكن تمتلك القدرة الاقتصادية على اتخاذ إجراءات اقتصادية فعالة، وهو ما أدى لمعاناة شعوبها بصورة أكبر؛ باستثناء الفئات التي تملك ثروات على شكل أصول مالية ارتفعت أسعارها بالطبع، فهؤلاء تمكنوا بفعل ارتفاع الأسعار من مراكمة ثروات إضافية خلال عام 2020.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد